"عودة للبداية".. هل أطاحت قضية محمد قحطان بصفقة تبادل الأسرى؟

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

قبيل ساعات من دخول اتفاق تبادل الأسرى بين الحكومة الشرعية اليمنية وجماعة الحوثي التي تسيطر على العاصمة صنعاء، حيز التنفيذ، قررت الأخيرة الانسحاب منه وتعليق تنفيذه إلى أجل غير مسمى، ما أثار تساؤلات عديدة حول الأسباب الحقيقية وراء إفشال الصفقة.

وفي 14 مايو/أيار 2026، أعلنت الأمم المتحدة توصل الأطراف اليمنية إلى اتفاق يقضي بإطلاق سراح أكثر من 1600 محتجز، بينهم 7 سعوديين و20 سودانيا من قوات التحالف العربي، وذلك بعد 90 يوما من المفاوضات التي جرت في العاصمة الأردنية عمّان.

وجاء الاتفاق عقب أطول جولة محادثات بشأن هذا الملف، بعد تعثر اتفاق سابق تم التوصل إليه في 23 ديسمبر/كانون الأول 2025، نص على إطلاق سراح 2900 محتجز، إثر مشاورات استمرّت 12 يوما برعاية الأمم المتحدة واستضافتها العاصمة العُمانية مسقط.

اتهامات متبادلة

على خلفية تعثر تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى، قبل يوم واحد من موعد دخوله حيز التنفيذ، الذي كان مقررا في 12 يوليو/تموز، تبادلت الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي الاتهامات بشأن الجهة التي تسببت في تعطيل الصفقة التي طال انتظارها.

وقال رئيس الفريق الحكومي المفاوض في ملف المختطفين والأسرى، هادي هيج: إن الفريق "تلقى، الجمعة (11 يوليو)، بلاغا من اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، يفيد برفض مليشيا الحوثي تنفيذ الصفقة في موعدها المحدد يوم السبت، وتأجيلها إلى وقت غير محدد".

وأضاف أن هذا الإخطار جاء بعد أن استكمل الفريق الحكومي جميع الإجراءات اللازمة لتنفيذ صفقة التبادل وإطلاق المختطفين والمحتجزين، رغم ما وصفه بـ"العراقيل" التي وضعتها جماعة الحوثي، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ) في 11 يوليو/تموز.

وحمّل هيج الحوثيين "مسؤولية عدم إتمام صفقة التبادل في موعدها المحدد، وإفشال الجهود الرامية إلى التخفيف من معاناة اليمنيين والمحتجزين والمختطفين وأسرهم".

ورأى أن هذا الإجراء "يؤكد استمرار جماعة الحوثي في استغلال ملف المحتجزين والمختطفين الإنساني لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية، وعدم اكتراثها بمعاناة اليمنيين".

في المقابل، قال رئيس "اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى" التابعة للحوثيين، عبد القادر المرتضى: إن "التأخير الحاصل في تنفيذ صفقة تبادل الأسرى يعود إلى مماطلة الطرف الآخر في تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، رغم جاهزية اللجنة الكاملة للمضي في تنفيذ الصفقة في موعدها المحدد".

وزعم المرتضى أن الجماعة "نفذت جميع ما عليها من التزامات، وكانت مستعدة لتنفيذ الصفقة وفق الجدول الزمني المتفق عليه، إلا أن الطرف الآخر ماطل في تنفيذ ما عليه، الأمر الذي أدى إلى تأخير إتمام عملية التبادل"، وفق ما أوردته وكالة (سبأ) التابعة للجماعة.

وأشار إلى أن "الطرف الآخر رفض إضافة بقية الأسرى الموجودين لديه، وهو ما أعاق تنفيذ الاتفاق في موعده المحدد، رغم استكمال اللجنة جميع الإجراءات المطلوبة".

لكن المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أعلن في 11 يوليو/تموز أنه تلقى خلال الساعات الـ48 الماضية التزامات من الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي بتنفيذ اتفاق تبادل الأسرى المبرم بينهما.

وحث المبعوث الأممي، في بيان، الطرفين على "تكثيف جهودهما لاستكمال الترتيبات الفنية والتشغيلية المتبقية في أقرب وقت ممكن"، موضحا أن الجانبين أكدا التزامهما بذلك، من دون التطرق إلى مزيد من التفاصيل.

ضغوط خارجية

وفيما يتعلق بأسباب تعثر الاتفاق، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني ياسين التميمي: إن "صفقة تبادل الأسرى تعثرت، أو جرى تعليقها إلى أجل غير مسمى، بسبب إخفاق الحوثيين في الكشف عن مصير السياسي اليمني البارز والقيادي في التجمع اليمني للإصلاح محمد قحطان".

وأوضح التميمي لـ"الاستقلال" أن "الموقف الرسمي للتجمع اليمني للإصلاح يتمثل في أن الحوثيين لم يكشفوا عن مصير قحطان، وهو ما يتطابق مع موقف عائلته التي رفضت أشلاء قُدمت إليها، اقتصرت على النصف الأسفل من جثة قيل إنها تعود للسياسي المختطف منذ عام 2015، الأمر الذي دفع اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أخذ عينات لإجراء فحص الحمض النووي (DNA)".

ورأى أن "سلوك الحوثيين، في نظر الجميع، يمثل انتهاكا صارخا لحقوق المختطف، ومحاولة واضحة لإخفاء حقيقة أن السياسي محمد قحطان إما لا يزال مخفيا، أو أنهم يسعون إلى التستر على جريمة تعذيب وانتهاكات جسيمة تعرض لها، والادعاء بأنه قضى نتيجة قصف جوي نفذه طيران التحالف العربي".

وأضاف: "ذلك يمثل جريمة بشعة يتحمل الحوثيون المسؤولية الكاملة عنها؛ لأن تعريض المختطفين والمعتقلين للقصف كان جزءا من سياسة عقابية صريحة ومعلنة مورست بحق الضحايا".

ولفت إلى أن "عملية استكمال تبادل المعتقلين والأسرى قد علقت، ما لم تُمارس ضغوط على الحكومة من أطراف خارجية، فضلا عن أن بعض المشمولين بالإفراج من جانب الحكومة متورطون في جرائم اغتيال".

وأكد التميمي أن "مظاهرات ضاغطة خرجت من جانب عناصر محسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، طالبت بوقف الإفراج عن تلك العناصر، وربما كان لها هدف آخر يتمثل في تعطيل الصفقة لدوافع أخرى".

ويعد ملف محمد قحطان أحد أبرز الملفات الإنسانية والسياسية العالقة بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي، كما كان من بين البنود الرئيسية التي نوقشت خلال مباحثات الأسرى في العاصمة الأردنية عمّان، في مايو/أيار، بشأن تبادل نحو 1700 أسير ومحتجز.

ويوصف قحطان، المولود عام 1958 في محافظة إب، بأنه من أبرز الشخصيات السياسية اليمنية المعارضة، وتولى مناصب قيادية في حزب التجمع اليمني للإصلاح، من بينها رئاسة الدائرة السياسية.

كما أدى السياسي اليمني المغيب دورا محوريا في تأسيس تكتل "اللقاء المشترك" المعارض خلال حكم الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، وكان متحدثا باسم التكتل، ما جعله أحد أبرز الوجوه المؤثرة في الحياة السياسية اليمنية خلال العقود الماضية.

“ورقة ابتزاز”

على الصعيد ذاته، قال رئيس "المؤسسة اليمنية لدعم التحول الديمقراطي"، صادق عبد الرزاق العامري: إن "تعطيل مليشيا الحوثي لعملية تبادل الأسرى يؤكد مرة أخرى أن الجماعة تتعامل مع الإنسان اليمني بوصفه ورقة ابتزاز سياسي، لا قضية إنسانية تستوجب الرحمة والمسؤولية".

وأضاف العامري، في تدوينة نشرها على منصة "إكس" في 12 يوليو/تموز، أن "آلاف الأسر كانت تترقب عودة أبنائها، فجاءت المليشيا لتغلق باب الأمل، وتُبقي المختطفين والأسرى رهائن لحساباتها الضيقة. هذا السلوك يكشف استخفافا فاضحا بكل الجهود الأممية، وازدراءً لمعاناة اليمنيين، وإصرارا على إطالة أمد المأساة".

وشدد على أن "من يعرقل إطلاق الأسرى والمختطفين يتحمل المسؤولية الأخلاقية والإنسانية الكاملة عن استمرار آلام آلاف العائلات، فلا يمكن لجماعة تزعم الحرص على الوطن أن تجعل حرية اليمنيين وسيلة للمساومة، أو تحول معاناة الأمهات والآباء إلى ورقة تفاوض".

ورأى العامري أن "عرقلة هذا الملف ليست موقفا سياسيا، بل إدانة جديدة لسلوك يؤكد أن المليشيا لا تنظر إلى الاتفاقات الإنسانية بصفتها التزاما يجب الوفاء به، وإنما فرصة للمناورة وكسب الوقت، ولو كان الثمن دموع آلاف الأسر اليمنية".

وقبل ذلك، كتب الإعلامي اليمني خالد عليان، عبر منصة "إكس"، قائلا: "عند اقتراب ساعة تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى، وقع ما أصبح اليمنيون يحفظونه عن ظهر قلب من عقيدة جماعة الحوثي وثقافة نهجها؛ نقض للاتفاق، وتراجع عن الالتزام، وتعطيل للترتيبات، وانهيار للقيم".

وأوضح عليان أن "هذه ليست الحادثة الأولى، ولن يفهمها أحد على حقيقتها إذا عُزلت عن سياقها، فهي امتداد لمسار طويل بدأ منذ خرج الحوثيون من صعدة حاملين مشروع القوة بديلا عن مشروع الدولة، ومشروع الانقلاب بديلا عن مشروع التغيير".

ورأى أن "الجماعة التي تجعل الاتفاق وسيلة مؤقتة لتحقيق مكسب سياسي ثم تتخلى عنه عندما تتغير الظروف، تهدم أسس أي عملية سلام، وتبعث برسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن الوثيقة لا قيمة لها، والضمانات لا وزن لها، والوسطاء لا يملكون سوى تسجيل خيبة جديدة".

ولفت إلى أن "الضحية الحقيقية هم أولئك الأسرى والمختطفون الذين اختطف الزمن أعمارهم، وانتظرت أمهاتهم سنوات طويلة ليأتي يوم العودة، فإذا بالأمل نفسه يُختطف قبل أن يُطلق سراح الأسير".

وخلص عليان إلى أنه "حين يصبح الإنسان ورقة تفاوض، لا تعود القضية سياسية فحسب، بل تتحول إلى قضية أخلاقية وإنسانية، يسجلها التاريخ في الصفحة التي تُكتب فيها أسماء من جعلوا نقض العهد سياسة دائمة ومنهجا ثابتا".

وأعربت رابطة "أمهات المختطفين" اليمنية عن إدانتها لتأجيل تنفيذ المرحلة الأولى من عملية تبادل الأسرى والمختطفين التي كان من المقرر تنفيذها برعاية الأمم المتحدة وإشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، محملة جماعة الحوثي مسؤولية تعطيل العملية.

وقالت الرابطة، في بيان صدر في 11 يوليو/تموز: إن "قرار التأجيل بدد آمال آلاف الأسر اليمنية التي انتظرت الإفراج عن ذويها بعد سنوات طويلة من الاحتجاز"، مشيرة إلى أن "عددا من العائلات وصل بالفعل إلى المحافظات التي حُددت لاستقبال المفرج عنهم، قبل أن يتلقى نبأ التأجيل في اللحظات الأخيرة".

وشددت الرابطة على أن هذا التأجيل لم يقتصر أثره على تعطيل عملية التبادل، بل عمّق معاناة الأسر وأعادها إلى دائرة القلق والانتظار، مقدرة أن إبقاء ملف الأسرى والمختطفين رهينة للتجاذبات السياسية يتنافى مع طبيعته الإنسانية.