من هرمز إلى الكونغرس.. تصعيد مع إيران وتمرد غير مسبوق على دعم إسرائيل

استبعد نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إرسال قوات برية إلى إيران بهدف إسقاط نظامها
في خضمّ تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تتقاطع التطورات الدبلوماسية والعسكرية مع تحولات سياسية داخلية في واشنطن تعكس انقساماً متزايداً بشأن سياسة الإدارة الأميركية تجاه إسرائيل، برز في تمرد ديمقراطي غير مسبوق داخل الكونغرس لتقييد المساعدات العسكرية المقدمة لتل أبيب.
وتزامن هذا التصعيد مع تصريحات لنائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس أكد فيها تمسك الإدارة بسياسة الجمع بين الضغط العسكري والمسار الدبلوماسي تجاه إيران، في وقت صوّت فيه 103 نواب ديمقراطيين، بينهم شخصيات عُرفت تقليدياً بدعمها لإسرائيل، لصالح وقف أو تقييد المساعدات العسكرية لتل أبيب، في خطوة عُدت مؤشراً على تحول لافت في المشهد السياسي الأميركي.
ميدانياً، أعلنت الولايات المتحدة، في 16 يوليو/تموز 2026، تنفيذ ضربات جديدة ضد إيران. وقالت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، في بيان، إن قواتها شنت صباح الخميس هجمات استهدفت مواقع للدفاع الساحلي ومنظومات صواريخ كروز في جزيرة طنب الكبرى الإيرانية، ضمن عملية استمرت نحو 90 دقيقة.
في المقابل، ردت طهران بشن هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة استهدفت مصالح أميركية في الخليج، شملت قواعد عسكرية في الكويت والبحرين، فيما أعلن الأردن إسقاط ثمانية صواريخ إيرانية عبرت أجواءه.
وذكرت وكالة الأنباء الإيرانية "إرنا" أن الجيش الإيراني استهدف "أنظمة رادار ومنظومة دفاع جوي من طراز باتريوت، ومنشآت لتخزين الوقود في قاعدة علي السالم الجوية" بالكويت، إضافة إلى منشآت عسكرية أميركية في قاعدة الشيخ عيسى الجوية بالبحرين.
من جانبه، أعلن الجيش الكويتي، في بيان الخميس، أن الدفاعات الجوية تصدت لهجمات نفذتها "طائرات مسيرة معادية"، عقب ما وصفه بـ"العدوان الإيراني الآثم". مضيفاً أن أصوات الانفجارات التي سُمعت كانت ناجمة عن اعتراض منظومات الدفاع الجوي للأهداف المعادية.
وفي السياق ذاته، أعلنت القوات المسلحة الأردنية أن منظومات الدفاع الجوي أسقطت ثمانية صواريخ باليستية إيرانية أثناء عبورها أجواء المملكة، دون تسجيل أي إصابات بشرية أو أضرار مادية.
وجاء ذلك عقب إعلان الجيش الأميركي استكمال موجة من الضربات على إيران استهدفت أنظمة دفاع ساحلية ومواقع لتخزين وإطلاق صواريخ كروز، بالتزامن مع إعادة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية.
سياسياً، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مشاورات مكثفة داخل البيت الأبيض. مشيرة إلى أن الرئيس دونالد ترامب يميل إلى توسيع العمليات العسكرية ضد إيران، لكنه لا يزال متردداً بشأن الدفع بقوات برية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أن الخيارات المطروحة تشمل تكثيف الغارات الجوية، وإرسال قوات برية للسيطرة على جزر إيرانية تقع بالقرب من مضيق هرمز.
تصريحات فانس
في هذا السياق، استبعد نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إرسال قوات برية إلى إيران بهدف إسقاط نظامها، مؤكداً أنَّ أي تغيير للنظام يجب أن يأتي من الشعب الإيراني، وليس عبر تدخل عسكري أميركي.
وقال، خلال ظهوره في برنامج البودكاست "تجربة جو روجان" الذي يقدمه جوزيف جيمس روجان: "إذا أراد الشعب الإيراني أن ينتفض ويغير حكومته، فهذا شأنهم، لكننا لن نرسل 150 ألف جندي لتحقيق تغيير في النظام". مضيفاً: "لم نعد نعمل بهذه الطريقة. ببساطة لم نعد نفعل ذلك".
وأكد فانس أن الولايات المتحدة لن تستخدم القوة العسكرية ضد إيران بصورة مفتوحة أو إلى أجل غير مسمى، قائلاً: "سنستخدم القوة العسكرية بصفتها إحدى الأدوات المتاحة لحل المشكلة مع إيران".
وأشار إلى أن واشنطن تخوض مساراً دبلوماسياً بالغ الحساسية مع طهران، في ظلّ تجدد المواجهات عقب الهجمات الإيرانية على السفن التجارية في مضيق هرمز.
وأضاف أن أطرافاً داخل الحكومة الإسرائيلية تحاول التأثير في الرأي العام الأميركي لإفشال المفاوضات مع إيران والإبقاء على الحملة العسكرية "إلى أجل غير محدد". نافياً أن يكون ترامب قد قرر بدء الحرب أو مواصلتها استجابة لضغوط إسرائيلية.
وجدد فانس التأكيد على أن الإدارة الأميركية تسعى إلى الجمع بين الضغط العسكري والتفاوض لتحقيق هدفين رئيسين، هما منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وضمان استمرار تدفق النفط والغاز عبر مضيق هرمز.
كما كشف أن المدان بجرائم اعتداء جنسي جيفري إبستين "كانت له صلات واضحة بأعلى المستويات في جهاز الموساد"، مضيفاً أن إبستين كانت لديه علاقات واسعة، سواء مع الموساد أو وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أو "أي دولة عميقة أخرى"، في الولايات المتحدة أو إسرائيل أو غيرهما.
ورفض فانس ما يتردد عن تعرض ترامب لضغوط أو ابتزاز على خلفية ملفات إبستين، قائلاً: "فكرة أن ترامب يتعرض للابتزاز تبدو لي ضرباً من الجنون. فكرة أن يرفع سماعة الهاتف ويقول: سأتلقى الأوامر منكم... كلا، هذه ليست طريقة عمل دونالد ترامب".
زلزال الكونغرس
وبالتوازي مع التصعيد الأميركي الإيراني، وتصريحات فانس التي انتقد فيها محاولات إسرائيل عرقلة المفاوضات مع طهران، شهد الكونغرس الأميركي تحولاً سياسياً لافتاً يعكس اتساع الفجوة داخل الحزب الديمقراطي بشأن استمرار الدعم غير المشروط لإسرائيل.
فقد صوّت 103 من النواب الديمقراطيين في مجلس النواب، بينهم عدد من أبرز المؤيدين التقليديين لإسرائيل، لصالح تعديل على مشروع قانون مخصصات الدفاع يهدف إلى وقف أو تقييد المساعدات العسكرية الأميركية الموجهة إلى تل أبيب.
ويعكس هذا التصويت حجم الانقسام المتنامي داخل الحزب الديمقراطي، وتزايد حالة الإحباط من السياسات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة التي يرى عدد من النواب أنها قد تدفع الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مباشرة ومكلفة مع إيران وحلفائها، في تحول يعدّ من أبرز التغيرات في مسار الدعم الحزبي التقليدي لإسرائيل.
وشهدت العلاقات الأميركية الإيرانية تصعيداً عسكرياً ودبلوماسياً منذ مطلع عام 2026، تمثل في تبادل الضربات العسكرية وتصاعد التهديدات للملاحة الدولية، لا سيما في مضيق هرمز.
وفي المقابل، سعت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إبقاء باب المفاوضات مفتوحاً لاحتواء التصعيد، وسط اعتراضات إسرائيلية على أي تسوية قد تتيح لإيران الاحتفاظ بجزء من قدراتها العسكرية أو النووية.
وفي الوقت نفسه، أسهمت الحرب على قطاع غزة وتداعياتها الإنسانية في تراجع مستويات الدعم الشعبي والسياسي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، لا سيما بين فئة الشباب وأوساط الحزب الديمقراطي.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب محاولات دبلوماسية أميركية لاحتواء التصعيد مع إيران، وضغوط إسرائيلية للإبقاء على الدعم العسكري الأميركي الكامل، في ظل انقسام حزبي يعكس تحولاً متسارعاً في الرأي العام الأميركي. كما تعكس تصريحات فانس تصاعد حضور نهج "أميركا أولاً" داخل الإدارة، فيما يشير التصويت في الكونغرس إلى تراجع الإجماع التقليدي على دعم إسرائيل دون شروط.
رفض التصعيد
وتفاعل ناشطون على منصات التواصل مع هذه التطورات الميدانية والسياسية؛ إذ أعربوا عن غضبهم وقلقهم من التصعيد السريع في التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة بعد إعادة فرض الحصار البحري وشن ضربات جوية أميركية، ومقابلتها باستهداف إيراني للأردن والكويت والبحرين.
ورأوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #جي_دي_فانس #إيران، #أميركا، #جي_فانس، #إسرائيل، #الكونغرس، وغيرها، أن إدارة ترامب تكرر أخطاء الماضي وتجر البلاد إلى "مستنقع جديد" في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى شلل في الاقتصاد العالمي وارتفاع قياسي في أسعار النفط.
وهاجم ناشطون ترامب ووصفوه بـ"المجرم" و"العدواني" الذي يرتكب جرائم حرب ويدمر البنى التحتية الإيرانية (محطات طاقة وجسور) ويورط المنطقة في حرب غير ضرورية، معتبرين أن سياسته تسببت في ردّ إيراني عشوائي أضر بدول الخليج والأردن التي "تدفع ثمن جنون ترامب" دون حماية من القواعد الأميركية.
ردع أم عدوان؟
وأثنى ناشطون على الرد الإيراني على التصعيد الأميركي باستهداف دول خليجية وعربية تستضيف على أرضها قواعد أميركية ينطلق منها الصواريخ الأميركية المستهدفة لإيران وعدوها إجراءات عسكرية لحماية نفسها، مستنكرين استضافة هذه الدول للقواعد الأميركية وحمايتها المصالح الغربية الإسرائيلية.
في المقابل، أشاد ناشطون بقدرة الدول الخليجية والأردن على حماية سيادتها وأرضها وتأمين أجوائها من أي عدوان خارجي بغض النظر عن مصدره، معربين عن جام غضبهم من تركيز إيران ضرباتها على دول الجوار وتجاهلها الرد في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
صفعة فانس
وركز ناشطون تعليقاتهم على اتهام نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (في مقابلته مع جو روغان) جهات إسرائيلية بتمويل حملة منظمة ضده لعرقلة المفاوضات مع إيران، وتصريحه بأن جيفري إبستين كان مرتبطاً بأعلى مستويات الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) والأميركية.
كما ركزوا على تأكيد فانس على أولوية المصلحة الأميركية، رفض "القصف اللانهائي" لإيران، وإعلانه انتهاء عصر التدخلات العسكرية الكبرى لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط.
ورحب ناشطون بتصريحات فانس بشأن إسرائيل بوصفها "فتح نار" غير مسبوق من مسؤول أميركي رفيع على النفوذ الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة، ورأوا فيها دليلاً على انقسام داخل الإدارة الأميركية، وتراجع تأثير إسرائيل على الرأي العام الأميركي.
وعدوها إشارة إيجابية نحو الدبلوماسية و"صفعة" لسياسة الحروب الدائمة، مع تعليقات تشيد بـ"شجاعة" فانس أو تتحدث عن تحول تاريخي محتمل، بينما أشار آخرون إلى ارتباك أميركي أو صراع داخلي.
صدمة إسرائيلية
ورأى ناشطون تصويت 103 من النواب الديمقراطيين لصالح تقييد المساعدات العسكرية لإسرائيل تحولاً سياسياً لافتاً، ووصفوه بـ"الزلزال السياسي" و"الحدث التاريخي"، مؤكدين أنه يكشف عن تآكل الإجماع التقليدي داخل الحزب الديمقراطي بشأن الدعم غير المشروط لتل أبيب.
وربطوا ذلك بتأثير الحراك الشعبي والتضامن مع فلسطين وغزة، ورأوا فيه بداية نهاية للهيمنة التقليدية للوبي الإسرائيلي داخل الحزب، وإشارة إلى تغيّر في المزاج السياسي الأميركي يصب في صالح القضية الفلسطينية على المدى المتوسط.

















