من "ماغا" إلى الانشقاق.. لماذا يتمرد المحافظون على ترامب؟ ومن يقودهم؟

إسماعيل يوسف | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تجاوز معارضو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب الجمهوريين الساخطين مما يعدونه انحرافاً للحزب عن مبادئ "أميركا أولاً"، مرحلة الانتقادات والخلافات العلنية، لينتقلوا إلى محاولة بناء بديل سياسي جديد.

فقد أعلن الإعلامي المحافظ البارز تاكر كارلسون، إلى جانب النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين وشخصيات محافظة أخرى، العمل على تأسيس "حزب ثالث" ينافس الحزبين التقليديين، الجمهوري والديمقراطي.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تأتي بقيادة شخصيات كانت، حتى وقت قريب، من أبرز الداعمين لترامب، لكنها تعبر اليوم عن استياء متزايد من توجهات إدارته، لا سيما ما تعدّه انخراطاً مفرطاً في الحروب والصراعات الخارجية وما يترتب عليها من أعباء مالية، بدلاً من توجيه الموارد لتحسين مستوى معيشة الأميركيين في الداخل.

ويرى هؤلاء أن سياسات ترامب تمثل تخلياً عن أولويات حركة "ماغا" (MAGA)، عبر التوسع في التدخلات الخارجية على حساب القضايا الداخلية، مثل خفض الإنفاق الحكومي، وكبح الدين العام، وتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين.

ومع ذلك، فإن الحديث عن تأسيس حزب ثالث داخل معسكر ترامب ليس جديداً؛ إذ سبقه الملياردير إيلون ماسك، أحد أكبر ممولي حملته الانتخابية، عندما لوّح بتأسيس كيان سياسي جديد احتجاجاً على سياسات الإدارة، قبل أن يتراجع لاحقاً وتتلاشى الفكرة.

قصة الحزب الثالث

على مدار الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، برزت محاولات متعددة من مسؤولين جمهوريين سابقين ومعارضين له لتشكيل كيانات سياسية منشقة، إلا أن أيا منها لم ينجح في التحول إلى بديل حقيقي للحزب الجمهوري.

وكان الملياردير إيلون ماسك، أحد أبرز داعمي ترامب وممولي حملته الانتخابية، أول من طرح فكرة إنشاء "حزب ثالث" يكون بديلا للحزبين الجمهوري والديمقراطي، وذلك عقب الخلاف العلني الذي انفجر بينه وبين الرئيس الأميركي على خلفية مشروع قانون الإنفاق والضرائب، المعروف باسم "القانون الكبير والجميل".

وفي 30 يونيو/حزيران 2025، توعد ماسك بأنه إذا أُقر القانون فسيؤسس حزبا جديدا يحمل اسم "حزب أميركا" (America Party)، ليكون بديلا وسطيا، ويتحدى الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026.

وبعد إقرار القانون وتوقيع ترامب عليه، أعلن ماسك رسميا، في 5 يوليو/تموز 2025، تأسيس الحزب، وطرح رؤية تقوم على الفوز بعدد محدود من مقاعد الكونغرس، بما يمنحه القدرة على ترجيح كفة التصويت في القضايا الكبرى.

غير أن المشروع سرعان ما فقد زخمه؛ إذ لم تُستكمل إجراءات تسجيل الحزب على المستوى الوطني، كما أخفق في بناء هيكل تنظيمي فعّال أو خوض أي استحقاق انتخابي.

وفي أغسطس/آب 2025، جمّد ماسك المشروع، مفضلا العودة إلى التركيز على أعماله التجارية، ودعم بعض المرشحين الجمهوريين المتوافقين مع أفكاره، بدلا من المضي في تأسيس حزب سياسي جديد.

ومع تصاعد الرفض داخل الأوساط المحافظة لتوريط الولايات المتحدة في الحرب مع إيران، واتساع دائرة الجمهوريين الساخطين على توجهات الحزب، عاد الحديث بقوة عن فكرة "الحزب الثالث"، لكن هذه المرة بقيادة شخصيات أكثر تأثيرا داخل التيار المحافظ، أبرزها المعلّق السياسي الأميركي تاكر كارلسون، والنائبة الجمهورية السابقة مارغوري تايلور غرين.

وقبل إعلان مشروعهما، أعلن كل من كارلسون وغرين إنهاء دعمهما للحزب الجمهوري، متهمين قيادته بـ"خيانة الناخبين الأميركيين".

وكتبت غرين، عبر منصة "إكس"، أن كارلسون "ليس الوحيد" الذي أنهى دعمه للجمهوريين، مؤكدة أن كثيرين لن يواصلوا دعم حزب "يخون ناخبيه وبلاده"، على حد تعبيرها.

وفي 2 يوليو/تموز 2026، أعلن كارلسون رسميا عزمه المساهمة في تأسيس حزب سياسي ثالث في الولايات المتحدة، وسط توقعات بانضمام شريحة واسعة من المحافظين الغاضبين، الذين يرون أن الحزب الجمهوري تخلى عن أولويات الداخل الأميركي لصالح الانخراط في الحروب والصراعات الخارجية.

وقال، في مقابلة مع مجلة جامعة كولومبيا للصحافة: “سأساعد في بناء حزب ثالث، ويجب أن يكون هناك جهد صادق لمعرفة ما يفيد البلاد”. مؤكدا أن "الأولوية الأولى للحكومة الأميركية يجب أن تكون رفاهية شعبها".

وتساءل: “كيف يمكن دعم حزب (الجمهوري) لا يكنّ الولاء للولايات المتحدة؟”

كما وجّه انتقادات مباشرة للرئيس ترامب، قائلا: "ما يهمه حقا هو الحرب والتمويل". مضيفا أن "مانحين مؤيدين لإسرائيل ضغطوا على ترامب لشن هجوم على إيران".

وختم بالقول: "في هاتين المسألتين، الحرب وتمويل إسرائيل، يتضامن الحزبان تضامنا كاملا. هذه ليست ديمقراطية، بل دولة حزب واحد تتظاهر بالديمقراطية، ويجب كسرها، وسيكون هناك حزب ثالث، وسأبذل قصارى جهدي لتحقيق ذلك".

غزة وإيران تعمّقان الانشقاق

تأتي تصريحات كارلسون في سياق انتقاداته المتصاعدة لسياسة واشنطن تجاه إيران وإسرائيل؛ إذ سبق أن قال: إن الرئيس ترامب أصبح "رهينة" لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واتهمه بمحاولة "لعب دور الإله" في الشرق الأوسط.

من جانبها، قالت النائبة الجمهورية السابقة عن ولاية جورجيا، مارغوري تايلور غرين: إنها تجري محادثات جادة لإطلاق حزب سياسي جديد، في ظل خلافها المتصاعد مع الحزب الجمهوري.

وأوضحت، خلال مقابلة مع الإعلامي بيرس مورغان، أن الحزب المقترح سيكون حزبا يركز على المصالح الأميركية، ويستقطب شخصيات من اليمين واليسار بعيدا عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مشيرة إلى أن تأسيس حزب ثالث يحتاج إلى وقت وجهد، ولا يمكن إنجازه خلال دورة انتخابية واحدة أو اثنتين.

وجاء موقف غرين بعد قطيعة علنية مع ترامب، الذي سحب تأييده لها وهاجمها بأوصاف حادة، عقب انتقادها طريقة تعامله مع ملفات جيفري إبستين وقضايا أخرى مرتبطة بأولويات سياسة "أميركا أولا".

ومن أبرز أسباب انقلاب موقف كل من كارلسون وغرين على ترامب، والحديث عن تأسيس حزب ثالث، الحرب على غزة، وما يعتبرانه تنامي نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل إدارة ترامب والحزب الجمهوري.

وتقول صحيفة "يو إس إيه توداي"، في تقرير نشرته في 2 يوليو/تموز 2026: إن انتقادات المعلق المحافظ والمذيع السابق في قناة "فوكس نيوز"، تاكر كارلسون، لترامب ازدادت حدة بعد أن أمر الرئيس بشن غارات جوية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، والتي تطورت لاحقا إلى حرب استمرت أشهرا.

وأضافت الصحيفة أن كارلسون أدان كذلك الحرب الإسرائيلية على غزة، المستمرة منذ هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وكان ترامب قد تعهد خلال حملته الانتخابية عام 2024 بعدم خوض ما وصفه بـ"الحروب التي لا نهاية لها".

وفي أبريل/نيسان 2026، شن ترامب هجوما على كارلسون، إلى جانب شخصيات مؤثرة أخرى في حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجددا" (MAGA)، مثل ميغان كيلي وكانديس أوينز وأليكس جونز، الذين انتقدوه بسبب الحرب على إيران، واصفا إياهم بـ"الخاسرين".

وقال ترامب، في منشور على منصة "تروث سوشيال": "حركة (لنجعل أميركا عظيمة مجددا) تقف معي، لا مع الحمقى المتهورين مثل تاكر كارلسون، الذي لم يُكمل حتى دراسته الجامعية".

هل ينجح الحزب الثالث؟

على امتداد التاريخ السياسي الأميركي، اصطدمت معظم محاولات تأسيس أحزاب ثالثة بعقبات قانونية ومالية وانتخابية حالت دون قدرتها على كسر احتكار الحزبين الكبيرين أو إحداث انشقاق مؤثر داخل الحزب الجمهوري.

فعانت الأحزاب الثالثة في الولايات المتحدة بسبب النظام الانتخابي القائم على مبدأ "الفائز يحصد كل شيء"، إضافة إلى قوانين الولايات الصارمة المتعلقة بإدراج المرشحين على بطاقات الاقتراع.

وبلغ الإحباط من نظام الحزبين في الولايات المتحدة ذروته؛ إذ أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة "غالوب" في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أن 62 بالمئة من الأميركيين يرون ضرورة وجود حزب سياسي رئيس جديد، لكن 15 بالمئة فقط قالوا إنهم قد يصوتون لمرشح ينتمي إلى حزب ثالث.

ومع ذلك، شهد المشهد السياسي الأميركي في السنوات الأخيرة عدة محاولات بارزة لكسر احتكار الحزبين، قادتها شخصيات مؤثرة سعت إلى استثمار هذا الاستياء المتزايد لدى الناخبين.

وتشير تقديرات أميركية إلى أن المحاولة الحالية تبدو مختلفة، ليس فقط لأن من يقودها شخصيات ذات حضور جماهيري وإعلامي واسع داخل التيار المحافظ، بل لأنها تستند أيضاً إلى حالة تململ متصاعدة داخل قاعدة "ماغا"، التي تتهم ترامب بالتراجع عن شعار "أميركا أولاً" لصالح سياسات خارجية وتوسيع الانخراط الأميركي في أزمات العالم.

وهو ما يمنح هذه المبادرة، للمرة الأولى منذ سنوات، فرصة للتحول من مجرد احتجاج سياسي إلى تحدٍّ حقيقي داخل المعسكر المحافظ، حتى وإن ظل نجاحها في تأسيس حزب قادر على منافسة الحزبين التقليديين رهناً بعقبات كبيرة.

وتشير دراسة أعدها أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورجتاون، هانز نويل، إلى أن تأسيس حزب ثالث في الولايات المتحدة ليس مستحيلاً، لكنه يواجه عقبات هيكلية تجعل نجاحه في منافسة الحزبين الجمهوري والديمقراطي بالغ الصعوبة.

وأرجعت الدراسة التي نشرها موقع جامعة جورجتاون في 17 يوليو/تموز 2025، ذلك إلى خمسة أسباب رئيسة.

أولها، أن النظام الانتخابي الأميركي القائم على فوز مرشح واحد في كل دائرة يدفع الناخبين والسياسيين إلى الاصطفاف خلف الحزبين الكبيرين؛ لأن التصويت لحزب ثالث غالباً ما يؤدي إلى تشتيت الأصوات من دون أن يترجم إلى مقاعد، وهو ما يُعرف في العلوم السياسية بـ"قانون دوفرجيه".

و"قانون دوفرجيه" هو مبدأ في العلوم السياسية وضعه الباحث الفرنسي موريس دوفرجيه، وينص على أن الأنظمة الانتخابية القائمة على الدوائر الفردية ونظام الأغلبية البسيطة تؤدي غالباً إلى نشوء نظام الحزبين؛ لأن الناخبين يميلون إلى تجنب التصويت للأحزاب الصغيرة خشية إهدار أصواتهم.

أما السبب الثاني، فيتمثل في أن الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين تمنح التيارات الغاضبة فرصة لتغيير الحزب من الداخل بدلاً من تأسيس حزب جديد، وهو ما جعل الحزبين الجمهوري والديمقراطي قادرين على استيعاب التحولات الفكرية عبر العقود.

والسبب الثالث هو افتقار أي حزب ثالث إلى قاعدة انتخابية موحدة، فمع أن كثيراً من الأميركيين يعلنون رغبتهم في وجود بديل للحزبين، فإنهم لا يتفقون على طبيعة هذا البديل أو برنامجه السياسي، ما يؤدي إلى تراجع التأييد بمجرد طرح مواقف سياسية محددة.

أما السبب الرابع، فهو العقبات التنظيمية والمالية؛ إذ لا يكفي توفر التمويل، حتى لو كان مؤسس الحزب مليارديراً، بل يحتاج إلى بناء تنظيم سياسي في جميع الولايات، وتوفير متطوعين ومرشحين، وضمان الوصول إلى بطاقات الاقتراع، وهي متطلبات يصعب تحقيقها خارج الحزبين التقليديين.

ويتمثل السبب الخامس، والأكثر أهمية، في أن التجارب التاريخية تظهر أن الأحزاب الثالثة نادراً ما تحقق اختراقاً حقيقياً. فحتى عندما حصل المرشح المستقل روس بيرو على نحو 20 بالمئة من الأصوات في انتخابات عام 1992، فإنه لم يفز بأي صوت في المجمع الانتخابي، بينما اقتصر تأثيره على تغيير موازين المنافسة بين الحزبين الرئيسين، لا الحلول محل أحدهما.

لذلك، ترى الدراسة أن فرص نجاح أي حزب ثالث في كسر احتكار الجمهوريين والديمقراطيين تظل ضعيفة للغاية في ظل النظام السياسي الأميركي الحالي.

وتضيف أن الإستراتيجية الأكثر واقعية للراغبين في تغيير المشهد السياسي لا تتمثل في تأسيس حزب جديد، وإنما في العمل من داخل الحزبين عبر الانتخابات التمهيدية للتأثير في قياداتهما وبرامجهما؛ لأن هذا المسار أثبت تاريخياً نجاحاً أكبر من محاولة إنشاء أحزاب جديدة.