صفقة أميركية تشرعن تقاسم ليبيا وحفتر يرحب وتحذير من الوصاية.. ما القصة؟

"القاهرة وأنقرة تميلان إلى الدفع نحو تهدئة الانقسام، على نحو يتقاطع مع المسعى الأميركي"
لا تزال الأزمة السياسية الليبية وتداعياتها الإقليمية تدفع عدداً من القوى إلى طرح مبادرات بهدف إنهائها، ومن أحدثها ما قدّمه ما يدعى “الوسيط” الأميركي، غير أن هذه المبادرة أثارت تفاعلات متباينة داخل ليبيا.
وذكر مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا، مسعد بولس، أن واشنطن تعمل على خطة تستهدف توحيد المؤسسات الليبية المتنازعة تحت سلطة واحدة، بالتوازي مع تشجيع الشركات الأميركية الكبرى على توسيع استثماراتها في قطاع الطاقة الليبي.
وادعى بولس في تصريحات لصحيفة "فايننشال تايمز" في 17 يونيو/حزيران 2026، أن الهدف الرئيس للمبادرة هو "تشكيل حكومة موحدة وتوحيد جميع المؤسسات"، تمهيداً لمرحلة جديدة من الاستقرار، والاستفادة من الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها ليبيا.
وتشهد ليبيا منذ أكثر من عقد حالة انقسام سياسي وأمني مستمرة، في ظل فشل الجهود الدولية المتعاقبة في تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية تنهي الصراع على الشرعية بين المؤسسات المتنافسة في شرق البلاد وغربها.

حفتر يرحب
في أولى التفاعلات الليبية مع الخطوة الأميركية، أعلن 57 عضوا بمجلس النواب، ترحيبهم بالمبادرة الأميركية المتعلقة بتطورات المشهد السياسي في ليبيا.
ويبلغ عدد مقاعد مجلس النواب الليبي 200 مقعد، لكن عدد الأعضاء الحاليين 155 عضوا تقريبا، وذلك بسبب عدم انتخاب نواب في بعض المدن جراء أوضاع ميدانية.
وأكد النواب وفق ما نقل موقع "فواصل" في 22 يونيو، دعمهم جميع الجهود الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسسي، وتمكين الشعب الليبي من ممارسة حقه في اختيار ممثليه عبر انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية.
وأوضح أن المبادرة تمثل خطوة يمكن البناء عليها لدفع العملية السياسية نحو الأمام، مشددين على أهمية توحيد مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار وصولا إلى تسوية شاملة للأزمة الليبية.
ويأتي هذا الموقف بعد أيام من إعلان 47 عضوا بالمجلس دعمهم لمبادرة مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا، مسعد بولس، ويرون أنها إحدى الفرص الجادة التي يمكن الاستناد إليها خلال المرحلة الحالية لإنهاء حالة الجمود السياسي.
بدورها، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، في 18 يونيو، استعدادها للانخراط المباشر في أي عملية تفاوضية بشأن المبادرة الأميركية الخاصة بحل الأزمة الليبية.
وأكدت القيادة أن المبادرة ترتكز على توحيد السلطة التنفيذية بصفتها نقطة الانطلاق نحو تسوية شاملة للأزمة السياسية في البلاد.
وقالت القيادة العامة للجيش الليبي، إن المبادرة التي تقدمت بها الولايات المتحدة تختلف عن المبادرات السابقة، مشيرة إلى أنها تستند إلى "الواقعية" وفهم طبيعة المشهد الليبي وتعقيداته.
وأكدت القيادة العامة أنها لمست خلال مباحثاتها مع المسؤولين الأميركيين "نوايا جادة" من واشنطن للإسهام في إنهاء الأزمة الليبية الممتدة منذ سنوات، في ظل تعثر المسارات الأخرى وعدم تحقيقها أي اختراق ملموس.
وأعلنت القيادة العامة للجيش الليبي رسميا استعدادها للمشاركة في المفاوضات الخاصة بالمبادرة، بهدف استكمال تفاصيلها والوصول إلى صيغة نهائية تحقق المصلحة الوطنية العليا، وترسم خارطة طريق تقود إلى إجراء الانتخابات في أسرع وقت ممكن.
كما أكدت دعمها لأي جهود محلية أو دولية تسهم في تحقيق التوافق بين الليبيين وتوحيد مؤسسات الدولة، مشيرة إلى أنها ستبذل كل ما في وسعها لإنجاح المبادرة الأميركية حال توفر الدعم اللازم من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والأطراف الليبية المعنية.
الديمقراطيون يرفضون
في مقابل هذا الترحيب، قال تيار "يا بلادي" السياسي، إن ما يجري هو محض محاولة لإعادة إنتاج سلطات الأمر الواقع، وإنتاج أجسام سياسية جديدة تصادر الإرادة الوطنية الليبية وحق الشعب الليبي في تقرير مصيره وبناء دولته على أسس دستورية سليمة.
وشدد التيار في بيان نشره في 19 يونيو، أن الأزمة الليبية لم تكن في يوم من الأيام أزمة نقص في الحكومات أو المجالس أو الهيئات الانتقالية، بل كانت ومازالت أزمة انقطاع المسار الدستوري ومصادرة الإرادة الشعبية.
وذكر البيان أن المسار الوطني الذي انطلق مع ثورة 2011 لم يُترك ليستكمل طريقه، إذ تعرض لعرقلة متواصلة بفعل الصراعات المسلحة والانقلابات العسكرية ومحاولات فرض الأمر الواقع.
وشدد أن أخطر تلك المحطات كان إعلان خليفة حفتر انقلابه العسكري وتجميده للإعلان الدستوري في 14 فبراير/شباط 2014 في خطوة أعادت البلاد إلى نقطة الصفر وأجهضت مسارا كان يفترض أن يقود إلى استقرار دائم عبر الاحتكام إلى الدستور.
ونبه التيار السياسي إلى أن التدخلات لم تتوقف عند هذا الحد، بل شهدت البلاد تدخلا متزايدا من البعثة الأممية وبعض القوى الدولية التي تجاوزت دور المساعدة والتيسير إلى التدخل المباشر في تشكيل المشهد السياسي الليبي.
وأكد البيان أن "الشرعية لا تُستمد من التفاهمات الدولية ولا من المحصصة السياسية، وإنما من الإرادة الحرة للشعب الليبي وحده"، معلنا تمسكه بالمسار الدستوري بصفته المدخل الصحيح والوحيد لإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة وبناء دولة مستقرة وقادرة.
وأعلن التيار رفضه الكامل لما سماه بـ "صفقة بولس" و"مخرجات الحوار المهيكل"، مؤكدا أن أي مشروع سياسي يتجاوز الإرادة الوطنية والمسار الدستوري لن يكون حلا للأزمة، بل امتدادا لها.
من الزاوية نفسها، أعلن "مؤتمر الفعاليات الاجتماعية والسياسية ومؤسسات المجتمع المدني" بفزان -الجنوب الغربي-، رفضه لما وصفها بـ "صفقة مسعد بولس لتقاسم السلطة في ليبيا".
وعبر المؤتمر في بيان في 22 يونيو عن قلقه حيال التحركات الدبلوماسية والسياسية التي يقوم بها بولس، مشددا أنها تحركات يكتنفها الغموض وتثير الشكوك حول نواياها الحقيقية.
ورأى أن "مساعي بولس المعلنة أو المستترة لترتيب أو إقرار صيغ لتقاسم السلطة، وما يرتبط بها من صفقات سياسية وهندسيات للسلطة تبدو وكأنها تسعى جاهدة لفرض أمر واقع جديد على الأرض الليبية".
ويرى المؤتمر أن "هذا الواقع لا يستند إلى مبادئ الشفافية والمساءلة أو إلى الآلية الديمقراطية الصحيحة التي تتوق إليها جماهير الشعب"، مشددا على أن "محاولة حصر مستقبل ليبيا في خيارات محدودة وتوجيه مسارات التوافق بين أطراف بعينها هي بحد ذاتها تقويض لمفهوم المواطنة المتساوية وتشجيع على تكريس الانقسامات".
وأعلن المؤتمر رفضه المطلق لأي مساعٍ لفرض تسويات سياسية لا تستند إلى الإرادة الشعبية، مشددا أن ما يقوم به بولس من محاولة فرض أجندات وترتيبات للسلطة لا يمثل بأي حال من الأحوال إرادة الشعب الليبي.
وأعلن المؤتمر رفضه الاعتراف بأي سلطة أو شرعية تأتي من خارج صناديق الانتخابات، مشددا على أن "جوهر العملية الديمقراطية يكمن في اختيار الشعب لمن يمثله".
وطالب البيان "بعقد مؤتمر عام وشامل، يجمع جميع المكونات والأطياف الليبية الأصيلة لتستوي فيه الآراء كافة، وتُحترم فيه كل التوجهات، بهدف وضع خارطة طريق واضحة وجلية للخروج من هذا النفق المظلم".
صراع الأقوياء
في المقابل، رأى المحلل السياسي أحمد التهامي، أن الزخم السياسي الذي تحظى به المبادرة الأميركية الخاصة بالملف الليبي، لا يعود إلى وضوح تفاصيلها أو اكتمال بنودها بقدر ما يرتبط بثقل الجهة الراعية لها والأطراف الرئيسة المنخرطة فيها.
وأكد التهامي في تحليل نقله موقع "الساعة24" المحلي، أن المبادرة ما تزال في إطار وساطة سياسية تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين القوى الفاعلة على الساحة الليبية.
وأوضح التهامي أن "المبادرة الأميركية لا يمكن وصفها حتى الآن بأنها مشروع سياسي متكامل أو وثيقة نهائية جاهزة للتطبيق، بل تمثل مسارا تفاوضيا تقوده الولايات المتحدة بين بالطرفين الأقوى في المشهد الليبي، وهما حكومة الوحدة المؤقتة والقيادة العامة للقوات المسلحة.
وأشار إلى أن ما أعلِن حتى الآن يقتصر على الخطوط العامة والأهداف الرئيسة، فيما تبقى التفاصيل خاضعة للنقاش والتفاوض بين الأطراف المعنية.
ونبه التهامي إلى أن أي عملية سياسية تبقى رهينة بمدى جدية الأطراف المشاركة فيها ورغبتها الحقيقية في الوصول إلى اتفاق، مؤكدا أن نجاح المبادرة أو فشلها سيظل مرتبطا بإرادة القوى الليبية المنخرطة في المفاوضات وقدرتها على تجاوز الخلافات القائمة.
وشدد على أن أي تقارب بين القوى الرئيسة في الشرق والغرب من شأنه أن ينعكس إيجابا على الوضع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين، لافتا إلى أن استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي أسهم في تعميق الأزمات الاقتصادية والخدمية التي تواجه البلاد.
بدوره، أكد رئيس مجموعة العمل الوطني الليبي، خالد الترجمان، أن المبادرة الأميركية الأخيرة لمعالجة الأزمة الليبية مختلفة عن المبادرات التي طرحت في السنوات الأخيرة.
وأوضح الترجمان لموقع "أخبار ليبيا" في 24 يونيو، أن هذه المبادرة تبتعد عن المسارات التقليدية التي ركزت على الترتيبات السياسية وتقاسم السلطة، وتتجه بدلا من ذلك نحو معالجة جذور الأزمة من خلال الملفين الأمني والاقتصادي.
وذكر أن غالبية المبادرات الأممية السابقة انصبت على الجوانب السياسية والإجرائية المرتبطة بالانتخابات والقوانين المنظمة لها وشروط الترشح والناخبين، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق اختراق حقيقي في الأزمة الليبية.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن هذه المسارات تحولت مع مرور الوقت إلى حلقات مفرغة من النقاشات والتجاذبات دون الوصول إلى نتائج عملية تنهي حالة الانقسام.
ولفت الترجمان إلى وجود طرف دولي وصفه بـ "الحاضر الغائب" في المشهد الليبي، وهو روسيا، مؤكدا أن موقف موسكو يظل عاملا مهما في أي ترتيبات سياسية مستقبلية، نظرا لحجم حضورها وتأثيرها في الملف الليبي خلال السنوات الأخيرة.
ورأى الترجمان أن المبادرة الأميركية، رغم ما تحمله من فرص، ما تزال تواجه العديد من التحديات، وفي مقدمتها ضرورة الحصول على توافق دولي أوسع حولها، مشيرا بشكل خاص إلى أهمية الدور البريطاني والروسي في الملف الليبي.
وعند حديثه عن مستقبل المشهد السياسي في حال نجاح مبادرة بولس، استبعد الترجمان حدوث تغييرات جذرية في موازين القوى القائمة على الأرض، موضحا أن المبادرة تبدو أقرب إلى محاولة التعامل مع الوقائع السياسية والأمنية الحالية بدلاً من استبدالها بالكامل أو القفز فوقها.
وأشار إلى أن الأطراف الرئيسة الفاعلة في الشرق والغرب ستظل جزءا من أي ترتيبات قادمة، لأن أي مقاربة سياسية واقعية لا يمكنها تجاهل القوى الموجودة فعليا على الأرض، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو العسكري.

دوافع اقتصادية وإستراتيجية
في تقييمه للنشاط الأميركي في ليبيا، أكد مركز "المسار للدراسات الإنسانية"، أن هذا النشاط يستند إلى دوافع اقتصادية وإستراتيجية محددة، قابلتها حسابات خاصة لدى كل طرف ليبي تعامل مع واشنطن.
وأوضح مركز المسار في تحليل في 16 يونيو، أن بعض الدوافع الأميركية قديم ومستقر، ومنها موقع ليبيا بين أوروبا والساحل الإفريقي، وثروتها النفطية الكامنة، والتنافس مع روسيا على النفوذ في شمال إفريقيا.
وأوضح أن هذه المتغيرات تراكمت خلال العامين الماضيين، وأولها أن الثروة النفطية اكتسبت قيمة مضافة، حيث تحوّل الخام الليبي الخفيف إلى بديل إستراتيجي عاجل للنفط الروسي الذي تبحث أوروبا عن بدائل له، مشددا أن للأميركيين مصلحة كبيرة في ملف النفط الليبي، خاصة في ظل الحرب على إيران.
والمتغير الثاني للتحرك الأميركي في ليبيا، يقول المصدر ذاته، يتعلق بتراجع الحضور الروسي في الإقليم بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، حيث أعادت موسكو تركيزها على ليبيا، وانتقلت من الاعتماد على مجموعة “فاغنر” إلى انخراط رسمي عبر وزارة الدفاع.
وأشار إلى أن المبعوث الأميركي الخاص السابق إلى ليبيا في عهد أوباما، "جوناثان وينر" سبق أن أوضح أن واشنطن تأمل في تمكين الحكومتين بالغرب والشرق من محاربة الجماعات المسلحة والحد من النفوذ الروسي في جيش حفتر، وأن من مصلحة ليبيا أن تحكمها حكومة مدنية واحدة وأن يتولى جيش واحد توفير الأمن.
وتوقف المركز عند متغير "الجمود الميداني" في ظل عدم قدرة أي من معسكري الشرق والغرب في الحسم السياسي أو العسكري على الآخر، مشددا على أن هذا الجمود أسهم في إنضاج الرهان على تسوية تفاوضية تقودها الولايات المتحدة.
وأبرز المصدر ذاته أن النشاط الأميركي في ليبيا اتخذ خلال الأشهر الأخيرة طابعا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، قادته إدارة ترامب عبر مسعد بولس، حيث انطلق هذا النشاط من قناعة بأن مدخل الاستقرار في ليبيا يمر عبر توحيد المؤسسة المالية وضبط الإنفاق المتوازي وبناء أرضية أمنية مشتركة، قبل الانشغال بملف الانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية.
وعلى هذا الأساس، يقول المركز، "توزّع التحرك الأميركي على ثلاث مسارات متوازية: مسار اقتصادي سعى إلى تثبيت أرضية مالية مشتركة بين شرق البلاد وغربها، ومسار عسكري قام على التدريب المشترك بين المؤسستين المنقسمتين، ومسار سياسي ظل الأضعف حضورا".
وذكر المركز أن التقارب بين شرق ليبيا وغربها يمثل هدفا تتقاطع عنده مصالح الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الفاعلة في الملف الليبي، وفي مقدمتها مصر وتركيا.
وأوضح أنه بعد سنوات دعمت فيها كل عاصمة طرفا ضد الآخر، مصر مع معسكر الشرق بقيادة حفتر وتركيا مع حكومة الغرب في طرابلس، باتت القاهرة وأنقرة تميلان إلى الدفع نحو تهدئة الانقسام، على نحو يتقاطع مع المسعى الأميركي.
واستدرك، لكن هذا التقارب في الوجهة لا يعني تطابقا في المصالح، إذ يحتفظ كل طرف بحساباته الخاصة ومخاوفه من أن يأتي أي ترتيب جديد على حساب نفوذه.

















