رغم تراجع صيتها.. لماذا تتمسك إسرائيل بالمليشيات المنبوذة في غزة؟

حسن عبود | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تتسع في إسرائيل خلال الشهور الأخيرة قناعة بأن مشروع المليشيات المسلحة في غزة فشل في إنتاج بديل لسيطرة حركة المقاومة الإسلامية حماس، رغم دعم تل أبيب المباشر لهذه التشكيلات داخل مناطق سيطرة جيش الاحتلال بالقطاع.

فالفكرة التي طُرحت داخل إسرائيل بوصفها طريقًا للتخلص من حركة حماس، انتهت عمليًا إلى مليشيات صغيرة تتحرك في جيوب قريبة من الجيش الإسرائيلي وتؤدي مهام أمنية محدودة، وتفتقر إلى القبول الشعبي داخل المناطق المأهولة من القطاع.

هل سقط الرهان؟

أحدث تعبير عن هذا المأزق جاء في موقع زمان إسرائيل العبري، حين قدّم المشروع بوصفه فشلًا ذريعًا، متحدثًا عن فجوة واسعة بين الصورة التي تحاول حكومة بنيامين نتنياهو تسويقها للجمهور الإسرائيلي وبين الواقع داخل غزة.

وذكر الموقع نهاية يونيو/حزيران 2026، أن أكثر من 99 بالمئة من أهالي قطاع غزة يعيشون تحت "حكم حماس"، في إشارة إلى أن لا أحد لا يرغب بالبقاء في المناطق التي تسيطر عليها تلك المليشيات الموجودة داخل الخط الأصفر الذي ظهر كجزء من ترتيبات وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

الاتفاق كان يفترض أن يحدد منطقة سيطرة جيش الاحتلال على نحو 53 بالمئة من مساحة غزة لكن الأخير وسعه إلى نحو ثلثي القطاع (64  بالمئة)، مع توجيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجيش لـ"السيطرة على 70 بالمئة" من القطاع.

وقال الموقع: إن المليشيات المدعومة إسرائيليًّا لم تحقق أي إنجاز على الأرض حتى الآن وإن التعويل عليها كان مبالغًا فيه، مشيرا إلى أن أعداد تلك التشكيلات ما زالت قليلة ولا يمكنها مواجهة مقاتلي حماس.

ولفت إلى أن تلك المليشيات تحاول تضليل الرأي العام بادعائها المستمر عبر وسائل التواصل أن حماس باتت هشّة وضعيفة وقريبة من النهاية.

ونقل عن الباحث في المعهد الدولي للسياسات ضد "الإرهاب" في جامعة "رايخمان" الإسرائيلية "ميخائيل براك" أن تأثير تلك المليشيات كان هامشيًّا في القطاع خلال العام الأخير.

ومع ذلك فإن الجيش يرى فيها قوة حليفة مستعدة للعمل ضد حماس، "لأن هذه المليشيات جيدة لنا طالما أن هناك جماعات غزيّة مستعدة للتعاون معنا وتطهير مناطق من الألغام أو من ناشطي الحركة"، وفق تعبيره.

هذا الاعتراف يستند إلى مسار بدأ قبل عام تقريبًا، ففي 6 يونيو/حزيران 2025، أقر نتنياهو بأن إسرائيل “فعّلت” عشائر فلسطينية معارضة لحماس كان أبرزها مجموعة ياسر أبو شباب في رفح جنوب القطاع والذي قتل لاحقا إثر خلافات مع زملائه.

منذ تلك اللحظة، خرج المشروع من مساحة التسريبات إلى السجال العلني داخل إسرائيل، لكن البداية نفسها حملت بذور الفشل. 

وظهر ياسر أبو شباب الذي كان واجهة ما تسمى “القوات الشعبية” في رفح كقائد مليشيا محلية تتحرك في منطقة خاضعة لجيش الاحتلال أو ملاصقة له. لذلك بدت فكرة “البديل المحلي” منذ ولادتها مرتبطة بفضاء عسكري إسرائيلي، بلا حاضنة اجتماعية فلسطينية قادرة على إنتاج سلطة بديلة.

وبعد ساعات فقط من بدء وقف إطلاق النار، عاد عناصر حماس إلى شوارع غزة لتنظيم الحركة والأسواق، فيما بدت اثنتان من ثلاث مليشيات قاتلت الحركة صامتتين أو غامضتي المصير، وفق ما قال موقع تايمز أوف إسرائيل في 12 أكتوبر 2025.

هذه اللحظة كانت اختبارًا مبكرًا للوهم، خاصة أن عودة حماس إلى المجال العام جاءت على الرغم من استهداف عناصرها ورجال الشرطة، بينما تراجعت المليشيات إلى الهامش أو اختفت من المشهد.

وبعد مقتل أبو شباب، يقود غسان الدهيني اليوم ما تسمى “القوات الشعبية” فيما ظهرت مليشيات أخرى يقودها حسام الأسطل في جنوب خان يونس أو شرقها.

أسباب الفشل

أزمة المشروع بدأت من مكان حركة هذه المليشيات؛ إذ يرتبط نشاطها بمناطق يمسك بها الجيش الإسرائيلي أو بمحيط الخط الأصفر، وهو خط السيطرة الذي تحول بعد وقف إطلاق النار إلى حد ميداني يقسم الحركة داخل القطاع ويقيّد حياة السكان. 

هذه الجغرافيا تمنح المليشيات حماية ونطاق عمل، لكنها تجعلها عاجزة عن التمدد داخل المجال السكاني المكتظ الذي تحاول حماس الحفاظ فيه على سيطرتها.

في 20 أبريل/نيسان 2026، حدث اشتباك بين حماس ومسلحين من مليشيا مدعومة إسرائيليًا شرق خان يونس بعد دخولهم منطقة تديرها الحركة انتهى بانسحاب تلك التشكيلات. 

هذه الواقعة أثبتت محدودية المشروع أكثر من أي توصيف نظري، فالمليشيا التي تتحرك قرب الجيش الإسرائيلي تصطدم سريعًا بمقاتلي حماس عندما تدخل منطقة ذات حضور منظم للحركة.

العامل الثاني يرتبط بالسمعة والقبول الاجتماعي، فأبو شباب، الاسم الأبرز في مرحلة التأسيس، ارتبط باتهامات نهب المساعدات وسجل جنائي سابق وصراعات محلية، ولذلك صار تقديمه كواجهة بديلة عبئًا على إسرائيل. 

وعزا موقع زمان إسرائيل عدم تمكن تلك المليشيات من تشكيل بديل لحماس بكون قادتها من أصحاب السوابق ولا يحظون بأي قبول مجتمعي، ومن بينها جماعة "أبو شباب" (الدهيني حاليًا) المتورطة بأعمال السطو والقتل والتهريب.

ونقل عن  الخبير الإسرائيلي في الشأن الفلسطيني ميخائيل ميلشتاين أن إسرائيل اختارت طبقة من المجرمين والشخصيات ذات السمعة السيئة، على أمل تحويلها إلى بديل لحكم حماس. 

ثم جاءت علاقة هذه المليشيات بالسكان لتزيد المأزق، إذ تحدثت صحيفة تايمز أوف إسرائيل في 14 فبراير/شباط 2026 عن سيطرة “القوات الشعبية” على المنطقة الواقعة بين معبر رفح وحاجز للاحتلال يفرز الفلسطينيين العائدين إلى القطاع، متحدثة عن معاملة قاسية للعائدين قبل تسليمهم إلى الجيش. 

وتحدث ميلشتاين عن معلومات تلقاها من فلسطينيين عادوا إلى القطاع عبر معبر رفح، تفيد بوقوع انتهاكات خطيرة بحق العائدين بينها التحرش الجنسي، مؤكدا أن "تأثير المليشيات ضئيل جدًّا على الغزيين، وبعض من تحدثت معهم من القطاع أظهروا عداءً لها".

وواصل القول إنه "من الواضح تمامًا أننا اخترنا الطبقة السفلى من المجتمع الفلسطيني، طبقة المجرمين وشخصيات ذات سمعة سيئة من خلال الاعتقاد بأنهم سيشكلون بديلًا لحكم حماس".

وتحدث الموقع العبري عن تورط تلك المليشيات في إجبار فلسطينيين على إخلاء منازلهم وخاصة بمناطق شرقي دير البلح وسط القطاع.

عامل آخر يرتبط بفجوة الدعاية، فقد حاولت المليشيات عبر مقاطع الفيديو ومنصات التواصل تقديم نفسها كقوة محلية آخذة في الصعود، وكمؤشر إلى تراجع حماس واقتراب نهايتها.

وبعد مقتل أبو شباب انتشرت مقاطع لعشرات المسلحين وهم يتعهدون بمواصلة الطريق، كما أشارت تقارير إلى محاولات تجنيد إضافية بعد الهدنة، غير أن المجموعات بقيت صغيرة وبلا شعبية، لذلك صارت الدعاية جزءًا من المشكلة، لأنها ضخّمت صورة قوة لا تظهر بالحجم نفسه في الشارع.

وقال "ميلشتاين": "تحولت غزة إلى حقل للفانتازيا الإسرائيلي بسبب المليشيات، ولكن يبدو أن تلك العصابات لا تشكل تحديًا جوهريًّا لحركة حماس في المناطق المأهولة من القطاع، وبقيت التطلعات العريضة لها دون رصيد على الأرض".

هشاشة البنية الداخلية أضافت سببًا آخر للسقوط، فمقتل أبو شباب في ديسمبر/كانون الأول 2025، ثم انتقال القيادة إلى غسان الدهيني، كشف أن “القوات الشعبية” لم تتحول إلى مؤسسة أمنية أو سياسية مستقرة.

فقد اعتمدت المليشيا على زعامة شخصية وسلاح وغطاء إسرائيلي، وعندما فقدت واجهتها الأولى دخلت مرحلة أكثر هشاشة.

الأدوار الحالية 

بعد سقوط صورة البديل، بقيت الوظيفة الأمنية، ففي يناير/كانون الثاني 2026، ظهر حسام الأسطل بوصفه قائد مجموعة تنفذ ضربات ضد بنية حماس الأمنية في خان يونس.

وفي فبراير/شباط، قدّم غسان الدهيني جماعته بوصفها قوة تفكك الأنفاق ومنشآت السلاح والصواريخ والسلاح الخفيف.

ونشر الصحفي العسكري إيمانويل فابيان في تايمز أوف إسرائيل تقريرًا عن الدهيني، تحدث خلاله عن ازدياد الدعم الإسرائيلي لهذه المليشيات، بما يشمل أسلحة ودعمًا جويًا ومعلومات وطعامًا وسجائر، إضافة إلى علاج بعض الجرحى داخل إسرائيل.

وتقدم ما تسمى القوات الشعبية في رفح المثال الأوضح، إذ إن سيطرتها على المسافة بين معبر رفح وحاجز الجيش الإسرائيلي تمنحها دورًا في التغول على العائدين والاحتكاك المباشر بالسكان.

وتكمن أهمية هذا الدور بالنسبة لإسرائيل في أنه يوفر وسيطًا محليًا مسلحًا في نقطة حساسة، ضمن فائدة أمنية تأتي على حساب أي شرعية اجتماعية محتملة للمليشيا.

في الشمال، ورد اسم أشرف المنسي كقائد مليشيا أخرى في جباليا وبيت لاهيا وفق ما نقلته تايمز أوف إسرائيل عن أحد قادة جماعة أبو شباب لكن حضوره ظل هشًا وغامضًا بعد عودة حماس إلى الشارع. 

ولكن، يرتبط السياق الأوسع بتوسع السيطرة الإسرائيلية داخل غزة والتي بدأت بـ53 بالمئة ويجري توسيعها اليوم إلى 70 بالمئة، ما يفسر سبب تمسك إسرائيل بتلك المليشيات، فكلما اتسعت الجيوب العسكرية، احتاجت إسرائيل إلى أدوات محلية تتحرك في هوامشها.

لكن الخطر الذي تشير إليه وسائل الإعلام الإسرائيلية لا يقتصر على فشل الفكرة، فهناك خشية من ارتداد السلاح عليها وتعمق الفوضى.

وحذر ميلشتاين من تزويد هذه الجماعات بطائرات مسيّرات خشية سيطرة حماس عليها أو استخدامها ضد إسرائيل. 

لذلك تبدو المليشيات اليوم في موقع ملتبس، فوجودها يخدم جيش الاحتلال في الاغتيال وتفكيك الأنفاق والتغول على السكان ومراقبتهم وتغذية الدعاية المضادة لحماس. 

لكن في الوقت نفسه، يكشف حدود الرهان الإسرائيلي على مليشيات ينظر إليها في المجتمع الفلسطيني على أنها عميلة للاحتلال وبلا رصيد شعبي ولا تملك أي إمكانية للسيطرة الجغرافية أو إنتاج حل سياسي.

ويقول ميلشتاين: "لا أحد يتوقف ليسأل نفسه إلى أين يسير كل هذا الهراء، هل يساعدنا ذلك؟ هل علينا تغيير هذا المشروع أو إلغاؤه؟ لم يقم أحد من الجيش أو الشاباك (جهاز الأمن العام الإسرائيلي) على مدار العامين الماضيين بفحص مدى جدوى تلك العصابات وقدرتها على خلق البديل لحماس".