ظهور عملة جديدة يثير تساؤلات حول انقسام النظام المالي في السودان

إصدار النقد، أو توفيره، ليس مجرد إجراء مصرفي، بل يمثل أحد أهم مظاهر السيادة
فوجئ سكان المناطق الخاضعة لسيطرة قوات “الدعم السريع” بظهور عملات من الجنيه السوداني مطبوعة حديثاً، في مطلع يونيو/حزيران 2026، في تطور غير مسبوق يأتي بعد أسابيع من إعلان تشكيل بنك مركزي موازٍ تابع لحكومة “تحالف السودان التأسيسي – تأسيس”.
وبينما لم يتم تحديد مصدر هذه الأوراق النقدية التي جاءت موقعة باسم المحافظ السابق لبنك السودان المركزي، “حسين يحيى جنقول”، وتحمل تاريخ إصدار يعود إلى مايو/أيار 2022، فإن مصرفيين سودانيين في مدينة نيالا أكدوا لوسائل إعلام دولية، من بينها وكالة “رويترز”، أنها طُبعت حديثاً.
ويفتح هذا التطور باب تساؤلات تتجاوز مسألة مصدر النقد إلى مستوى أعمق يتعلق بطبيعة التحولات الجارية في بنية الاقتصاد داخل مناطق سيطرة الدعم السريع، وما إذا كانت البلاد تتجه نحو انقسام اقتصادي ومؤسسي موازٍ للانقسام العسكري المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات.

معركة الدولة
لا يمكن فصل ظهور الأوراق النقدية الجديدة عن السياق السياسي والعسكري الذي تشهده البلاد منذ اندلاع الحرب، إذ تأتي هذه الخطوة ضمن مسار متسارع لبناء مؤسسات موازية للدولة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.
فمنذ إعلان “تحالف السودان التأسيسي – تأسيس” تشكيل حكومة موازية عام 2025، بدأت هذه الإدارة في توسيع صلاحياتها تدريجياً، لتشمل إدارة الخدمات العامة، وصرف رواتب الموظفين الحكوميين، في إطار توسع إداري يتجاوز الوظائف التقليدية للسلطة المحلية.
وفي 21 مايو/أيار 2026، أعلنت الحكومة الموازية تعيين المحافظ السابق لبنك السودان المركزي، حسين يحيى جنقول، رئيساً لبنك مركزي جديد يتبع لها، في خطوة عدت نقطة تحول في مسار بناء مؤسسات مالية مستقلة عن النظام المصرفي الرسمي في بورتسودان.
ولم تمضِ سوى أسابيع قليلة حتى بدأت أوراق نقدية جديدة بالظهور في الأسواق، تحمل توقيع جنقول نفسه عندما كان يشغل منصب محافظ بنك السودان المركزي قبل الحرب، ما زاد من الغموض حول طبيعة هذه الإصدارات ومصدرها الحقيقي، رغم تأكيد مصدر في حكومة “تأسيس” لوكالة “رويترز” أنها تتطابق بشكل شبه كامل مع الإصدارات المتداولة قبل اندلاع الحرب.
ويشير توقيت ظهور هذه الأوراق إلى أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بتوفير السيولة النقدية، بل باتت تتصل بإدارة السياسة النقدية ذاتها، بصفتها إحدى أبرز أدوات السيادة في أي دولة حديثة.
وبحسب موقع “دبنقا” المحلي، فإن إصدار النقد ليس مجرد إجراء مصرفي، بل يمثل أحد أهم مظاهر السيادة، لأنه يمنح السلطة القدرة على دفع الرواتب، وتحريك الأسواق، وإدارة الدورة الاقتصادية، والتحكم في مسار النشاط المالي داخل مناطق نفوذها.

جذور الأزمة
تعود جذور الأزمة إلى عام 2024، عندما قررت الحكومة السودانية بقيادة المجلس السيادي برئاسة عبد الفتاح البرهان وقف التعامل بالإصدارات المتداولة من فئتي 500 و1000 جنيه، وطرح أوراق نقدية جديدة ضمن خطة قالت إنها تهدف إلى حماية العملة الوطنية، والحد من التزوير، وإعادة ضبط الكتلة النقدية في ظل ظروف الحرب.
لكن قوات الدعم السريع رفضت الاعتراف بالإصدارات الجديدة، وأعلنت حظر تداولها في المناطق الخاضعة لسيطرتها، ما أدى تدريجياً إلى أزمة سيولة نقدية حادة داخل تلك المناطق.
ومع تفاقم الأزمة، لجأ السكان بشكل متزايد إلى تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم لإجراء التحويلات المالية، رغم شكاوى من ارتفاع الرسوم، في وقت واجه فيه التجار والموظفون صعوبات متزايدة في الحصول على النقد اللازم للمعاملات اليومية.
غير أن هذا المشهد بدأ يتغير في أواخر مايو/أيار 2026، عندما تلقى موظفون حكوميون وعناصر تابعون لقوات الدعم السريع رواتبهم بالجنيه السوداني داخل المناطق التي تسيطر عليها القوات، وهو ما اعتبره السكان تحولاً غير مسبوق بعد أشهر طويلة من شح السيولة.
ورفض رئيس حكومة “تأسيس” التابعة للدعم السريع، محمد حسن التعايشي، الكشف عن مصدر هذه الأوراق النقدية، مؤكداً في الوقت ذاته أن سلطات حكومته لا تزال تعترف بالجنيهات الصادرة قبل يونيو/حزيران 2024.
وقال إن ترتيبات إدارة النقد وتوفير السيولة تستند إلى “خطط فنية مدروسة جيداً” تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتلبية احتياجات المواطنين والأسواق.
في المقابل، اتهم الحكومة السودانية بقيادة المجلس السيادي باستخدام تغيير العملة كـ“أداة حرب” تستهدف خنق الأسواق والإضرار بالمدنيين، بينما لم يعلّق بنك السودان المركزي في بورتسودان حتى الآن على تداول هذه العملة.

مؤسسات موازية
إلى جانب تطور ملف العملة، تشير المعطيات إلى أن ما يجري يتجاوز البعد النقدي إلى عملية بناء مؤسسات مالية متكاملة داخل مناطق سيطرة الدعم السريع.
فخلال الأشهر الماضية، لم يقتصر الأمر على توفير السيولة أو إعادة تداول الجنيه السوداني، بل تزامن مع إنشاء بنية مالية موازية، في مقدمتها بنك مركزي جديد، وخدمة تحويلات مالية تحمل اسم “بنك المستقبل”.
وتشير هذه التطورات إلى أن قوات الدعم السريع لم تعد تكتفي بإدارة مناطق نفوذها عسكرياً، بل تتجه نحو بناء منظومة اقتصادية متكاملة تعمل خارج إطار الدولة المركزية في بورتسودان.
وتكشف الأزمة النقدية التي تفاقمت بعد قرار تغيير العملة في 2024 أن هذه الخطوات جاءت أيضاً كاستجابة لضغوط اقتصادية فرضها الانقسام المالي، ما دفع إلى البحث عن بدائل تقلل الاعتماد على النظام المصرفي الرسمي.
وفي ظل استمرار اعتماد مناطق واسعة على تطبيق “بنكك” كوسيلة رئيسة للتحويلات، رغم خضوعه للبنك المركزي الرسمي، برز “بنك المستقبل” خلال عام 2026 كأول منصة مالية بديلة تعمل داخل مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.
وبحسب معلومات ميدانية، استخدمت هذه الخدمة في صرف جزء من رواتب شهر مايو/أيار 2026 لموظفين وعناصر تابعين لقوات الدعم السريع، بالتزامن مع عودة تداول الأوراق النقدية الجديدة، ما يشير إلى أن توفير النقد لم يكن خطوة منفصلة، بل جزء من منظومة مالية أوسع تشمل الدفع الإلكتروني وإدارة الرواتب والتحويلات.
ولا تقتصر أهمية “بنك المستقبل” على كونه تطبيقاً مالياً بديلاً، بل في كونه جزءاً من بنية اقتصادية ناشئة قد تعيد تشكيل طبيعة السلطة داخل مناطق النزاع.
ففي حالات الانقسام السياسي أو الحروب، تمثل شبكات الدفع والتحويل العمود الفقري لأي سلطة تسعى إلى تثبيت نفوذها، إذ يصعب إدارة الموارد أو تقديم الخدمات دون نظام مالي فعال يسمح بتحصيل الإيرادات وصرف الرواتب وتحريك الأسواق.
وتشير دراسة صادرة عن المرصد السوداني للشفافية والسياسات إلى أن المنصة تأتي ضمن توجه أوسع لبناء مؤسسات مالية انفصالية في مناطق سيطرة الدعم السريع، بما يقلل الاعتماد على البنية المصرفية الرسمية، في وقت تعمل فيه حكومة “تأسيس” على توسيع وظائفها الإدارية والاقتصادية.

مشروع انفصالي
يرى سياسيون سودانيون أن هذه التطورات تتجاوز الجانب الإداري أو المالي، لتقترب من مشروع سياسي متكامل لبناء دولة موازية.
وقال السياسي السوداني الأمين عبد الرازق في تصريحات لـ“الاستقلال” إن ما يجري يمثل انتقالاً من إدارة مناطق نفوذ إلى بناء كيان سياسي واقتصادي مكتمل الأركان.
وأضاف: “عندما نتحدث عن حكومة موازية، وبنك مركزي، وأوراق نقدية، ومنظومة مصرفية، فنحن أمام محاولة لخلق واقع سياسي واقتصادي جديد”.
وأشار إلى أن حجم هذه البنية لا يمكن تفسيره باعتباره نتيجة طبيعية للحرب، معتبراً أن الأسئلة المتعلقة بالتمويل والقدرة اللوجستية تقود إلى ملف الدعم الخارجي.
وقال: “لا يمكن تجاهل الإمارات باعتبارها راعية المشروع الانفصالي عبر قوات الدعم السريع”، داعياً إلى تحقيق دولي شفاف حول مصادر التمويل.
وفي المقابل، يرى عبد الرازق أن هذه المنظومة، حتى لو نجحت في إدارة بعض الخدمات داخل مناطق سيطرة الدعم السريع، ستظل تفتقر إلى الاعتراف الدولي، لأن الشرعية ترتبط بالدولة ومؤسساتها الرسمية.
وبين ظهور عملة مطبوعة حديثاً، وتوسع شبكة مالية موازية، وصعود مؤسسات نقدية بديلة، تتبلور في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع ملامح اقتصاد منفصل عن الدولة السودانية المركزية.
ورغم قدرة هذه المنظومة على معالجة بعض أزمات السيولة في المدى القصير، فإنها تطرح في المقابل أسئلة أعمق حول مستقبل وحدة النظام المالي في السودان، وإمكانية تحول الانقسام العسكري إلى انقسام اقتصادي ومؤسسي طويل الأمد يصعب تجاوزه.
المصادر
- في تعميق للانقسام بالسودان..تداول أوراق نقدية مطبوعة حديثا بمناطق قوات الدعم السريع
- الكشف عن تداول أوراق نقدية جديدة بمناطق الدعم السريع
- "الدعم السريع" تطرح عملة تعمّق الانقسام في السودان
- ما حقيقة العملة الجديدة في مناطق "الدعم السريع" بالسودان؟
- بنك المستقبل (تأسيس) : انقسام المنظومة النقدية في السودان !

















