استباحة غزة والضفة.. هل يدفع الفلسطينيون ثمن فشل نتنياهو في إيران ولبنان؟

غزة تحولت إلى ساحة تحاول من خلالها إسرائيل إعادة ترميم قوة الردع
بالتزامن مع تعثر إسرائيل في تحقيق أهدافها المعلنة في كل من إيران ولبنان، واضطرارها إلى القبول بوقف العمليات العسكرية، صعّد الاحتلال من وتيرة عملياته في قطاع غزة والضفة الغربية، عبر توسيع نطاق سيطرته الميدانية داخل القطاع إلى ما بين 60 و70 بالمئة، وفق تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب مواصلة الغارات العسكرية وعمليات القتل والتدمير والتوسع الاستيطاني.
ويثير هذا التصعيد المتزامن في غزة والضفة الغربية تساؤلات بشأن ما إذا كان نتنياهو يسعى إلى تعويض الإخفاقات التي واجهها في الجبهات الأخرى، عبر تحقيق مكاسب على الساحة الفلسطينية، وجعل الفلسطينيين يدفعون ثمن الفشل في فرض معادلات جديدة في إيران ولبنان.
كما يطرح ذلك سؤالاً حول ما إذا كانت غزة تحولت إلى ساحة تحاول من خلالها إسرائيل إعادة ترميم قوة الردع واستعادة المكاسب السياسية والعسكرية التي عجزت عن تحقيقها في ساحات أخرى، أم أن ما يجري يندرج ضمن إستراتيجية إسرائيلية أوسع تستهدف إعادة رسم خريطة الصراع وفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية.
وفي المقابل، تبدو جهود الوسطاء بعيدة عن ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية أو الحد من توسعها الميداني، إذ تشير المعطيات المتداولة بشأن المفاوضات الجارية بين الوسطاء وقيادة المقاومة الفلسطينية في غزة، إضافة إلى التحركات المرتبطة بمبعوث الأمم المتحدة السابق نيكولاي ملادينوف، إلى تركيز الضغوط على الطرف الفلسطيني، وتحديداً حركة حماس، بما في ذلك الدفع باتجاه مقترحات تتعلق بنزع السلاح، في وقت تواصل فيه إسرائيل عملياتها العسكرية وتوسيع سيطرتها الميدانية.
توسيع القتل والاحتلال
على عكس ما جرى في الساحة اللبنانية، حيث أسهمت التفاهمات المرتبطة بالاتفاق الأميركي الإيراني في وقف العدوان الإسرائيلي، لم تتوقف آلة الحرب الإسرائيلية عن استهداف قطاع غزة منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
فقد واصل جيش الاحتلال عمليات القصف والتدمير والتجريف والتوغلات العسكرية، في ظل غياب أي تحرك فعّال من الوسطاء الضامنين للاتفاق لوقف هذه الانتهاكات أو إلزام إسرائيل ببنوده.
وخلال الأشهر التي أعقبت وقف إطلاق النار، ارتفع عدد الشهداء الفلسطينيين إلى أكثر من 1012 شهيدا، فيما تجاوز عدد الجرحى 3208 مصابين، إضافة إلى سلسلة من عمليات الاغتيال التي استهدفت قيادات بارزة في حركة حماس وعائلاتهم. وبذلك ارتفعت الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيلي المستمر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أكثر من 73 ألف شهيد وما يزيد على 173 ألف جريح، فضلاً عن الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية والمناطق السكنية في القطاع.
واستغلت إسرائيل انشغال المنطقة بالتطورات المرتبطة بالمواجهة مع إيران وما تبعها من تفاهمات إقليمية، لتصعيد عملياتها العسكرية في غزة.
وكلما تعرضت الحرب لانتكاسة سياسية أو واجهت ضغوطاً دولية، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تصعيد الهجمات على القطاع، مستثمراً الوضع الميداني لتوسيع مساحة الأراضي الواقعة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وفي هذا السياق، واصلت إسرائيل توسيع ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي يحدد حدود المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش داخل قطاع غزة. فبعد أن كانت هذه المناطق تشكل نحو 53 بالمئة من مساحة القطاع مع بدء تطبيق وقف إطلاق النار، ارتفعت تدريجياً إلى أكثر من 60 بالمئة، في خرق واضح للاتفاق.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ كشفت تقارير إسرائيلية أن نتنياهو أصدر تعليمات للجيش برفع نسبة السيطرة إلى نحو 70 بالمئة من مساحة القطاع، ما يعني حصر السكان الفلسطينيين في شريط ساحلي ضيق ومكتظ، وسط مخاوف متزايدة من تحويل هذا الواقع إلى خطوة تمهيدية لمشاريع التهجير القسري.
وبالتوازي مع توسيع السيطرة الميدانية، واصلت إسرائيل سياسة الاغتيالات التي تستهدف القيادات العسكرية لحركة حماس. فمنذ وقف إطلاق النار، أعلنت إسرائيل اغتيال عدد من أبرز قادة الحركة، بينهم عز الدين حداد، قائد لواء غزة، الذي استُهدف في قصف طال منزله وأدى إلى استشهاده مع عدد من أفراد أسرته، إضافة إلى محمد عودة، رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية في الحركة، الذي استشهد في غارة على حي الرمال بمدينة غزة.
كما أسفرت غارات أخرى عن استشهاد عز الدين بك، قائد لواء شمال غزة، وعماد أسليم، نائب قائد لواء مدينة غزة، إلى جانب عدد من مرافقيهما. واستمرت عمليات الاستهداف ضد عشرات القادة الميدانيين والعناصر العسكرية، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، ما يعكس إصرار إسرائيل على مواصلة استنزاف البنية القيادية والعسكرية للحركة.
ومع اغتيال عدد كبير من القادة التاريخيين والعسكريين لحماس منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت الحركة عملية إعادة تشكيل واسعة لهياكلها القيادية.
وشملت قائمة القادة الذين أعلنت إسرائيل اغتيالهم شخصيات بارزة، من بينهم يحيى السنوار، ومحمد الضيف، ومحمد السنوار، ومروان عيسى، ورائد سعد، وأحمد الغندور، وأيمن نوفل، ورافع سلامة، ومحمد شبانة، ورائد ثابت، وغازي أبو طماعة، وأيمن صيام، وغيرهم من القادة العسكريين الذين شكلوا العمود الفقري للجناح العسكري للحركة خلال السنوات الماضية.
وفي موازاة العمليات العسكرية، كشفت تقارير ميدانية عن استمرار الجيش الإسرائيلي في تغيير حدود مناطق السيطرة داخل القطاع بشكل تدريجي.
فقد نقل موقع "دروب سايت" الأميركي، في تقرير نشره بتاريخ 17 يونيو/حزيران 2026، شهادات لسكان من غزة أكدوا فيها أن القوات الإسرائيلية تواصل تحريك الكتل الخرسانية والعلامات الميدانية التي تحدد حدود "الخط الأصفر"، بما يؤدي عملياً إلى توسيع المناطق المحتلة تدريجياً، فيما يتعرض كل من يقترب من هذه الحدود لإطلاق النار أو الاستهداف المباشر.
ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، سجلت انتهاكات إسرائيلية شبه يومية شملت عمليات قتل وقصف وتجريف وتوسيع للمناطق العسكرية.
كما قلّصت إسرائيل بصورة كبيرة حجم المساعدات الإنسانية التي كان يفترض إدخالها بموجب الاتفاق، واستمرت في فرض قيود مشددة على حركة السكان والبضائع، بالتوازي مع الاستيلاء على المزيد من الأراضي.
وفي هذا الإطار، قال الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني أحمد الطناني إن الصورة التي تُقدَّم للعالم توحي بوجود وقف لإطلاق النار، بينما يكشف الواقع الميداني عن استمرار العدوان بأشكال متعددة.
وأوضح أن إسرائيل انتهجت سياسة تصعيد تدريجي تشمل القتل اليومي قرب خطوط التماس، وتوسيع مناطق السيطرة العسكرية، ومواصلة الاغتيالات، وقصف المنازل المأهولة، وإجبار السكان على إخلاء أحياء كاملة قبل استهدافها، بما في ذلك مناطق تقع خارج نطاق المناطق العسكرية المعلنة.
ولم يقتصر هذا النهج على قطاع غزة، بل امتد إلى الضفة الغربية، حيث كثفت إسرائيل عمليات هدم المنازل وتوسيع الاستيطان وفرض السيطرة على مناطق كانت تخضع للسلطة الفلسطينية.
كما اتخذت خطوات عملية لتقويض ما تبقى من اتفاقيات التسوية السابقة، من خلال تعزيز السيطرة العسكرية والمدنية على عدد من المدن والبلدات الفلسطينية، في سياق يراه مراقبون جزءاً من مشروع أوسع لفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء متزايدة من الضفة الغربية.
وفي ظل انشغال الوسطاء الدوليين والإقليميين بملفات أخرى، وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية مقارنة بساحات الصراع الإقليمية الأخرى، تبدو غزة والضفة الغربية الأكثر عرضة لمزيد من الضغوط العسكرية والسياسية.
ويرى مراقبون أن الحكومة الإسرائيلية وجدت في الساحة الفلسطينية المجال الأكثر سهولة لتحقيق مكاسب ميدانية وسياسية، في وقت واجهت فيه قيوداً وتحديات في جبهات إقليمية أخرى.
وبدلاً من التوجه نحو خفض التصعيد أو العودة إلى المسارات السياسية، تشير الوقائع الميدانية إلى استمرار سياسة فرض الأمر الواقع.
فإسرائيل وسّعت نطاق سيطرتها في غزة وجنوب لبنان وأجزاء من الأراضي السورية، فيما يؤكد نتنياهو وكبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين أن هذه المناطق ستبقى ضمن ما يسمونه "الأحزمة الأمنية" لفترة طويلة، في موقف يعكس توجهاً متزايداً نحو تكريس الاحتلال وإعادة رسم خرائط النفوذ والسيطرة في المنطقة.

فشل في لبنان وإيران
في ظل تراجع شعبية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتزايد المخاطر التي تهدد مستقبله السياسي، يحذر محللون ومراقبون من أن الرجل قد يلجأ إلى تصعيد الحرب وتوسيع رقعة الاحتلال في الأراضي الفلسطينية كوسيلة لتعويض إخفاقاته في لبنان وإيران، والحفاظ على تماسك ائتلافه اليميني المتشدد الذي يواجه بدوره ضغوطا داخلية متزايدة.
ويرى هؤلاء أن الفلسطينيين قد يدفعون ثمنا باهظا للفشل الاستراتيجي الذي مُنيت به الحكومة الإسرائيلية في أكثر من ساحة إقليمية، في وقت تتجه فيه القيادة الإسرائيلية بصورة متزايدة نحو توسيع الاحتلال العسكري وفرض وقائع جديدة على الأرض بصفتها وسيلة لتصفية الحسابات السياسية الداخلية وضمان البقاء في السلطة.
ولا يستبعد عدد من المحللين الإسرائيليين أن يقدم نتنياهو، مع اقتراب نهاية مسيرته السياسية واحتمال توجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة، على خطوات غير محسوبة في قطاع غزة أو الضفة الغربية، خاصة في ظل الدعوات المتصاعدة داخل حكومته لاحتلال غزة بالكامل وفرض إدارة عسكرية مباشرة عليها، أو تسريع مشاريع الضم وفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
وفي هذا السياق، حذر المحلل الإسرائيلي أوري مسغاف، في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" بتاريخ 18 يونيو/حزيران 2026، من خطورة المرحلة التي يمر بها نتنياهو، مقدرا أن الخطر الحقيقي يكمن في استعداده لجر إسرائيل نحو خيارات كارثية من أجل الهروب من استحقاقات المرحلة المقبلة.
وقال مسغاف إن نتنياهو قد يكون مستعدا لدفع البلاد نحو سيناريوهات شديدة الخطورة قبل مغادرته المشهد السياسي، مضيفا أن ثمن حروب السابع من أكتوبر/تشرين الأول وتداعياتها سيُدفع في نهاية المطاف داخل صناديق الاقتراع، وهو ما قد يدفعه إلى محاولة تأجيل هذا الاستحقاق أو الالتفاف عليه عبر إبقاء حالة الحرب والتوتر قائمة لأطول فترة ممكنة.
وأشار الكاتب الإسرائيلي إلى أن من بين السيناريوهات المطروحة إمكانية دفع الضفة الغربية نحو انتفاضة جديدة من خلال تصعيد عنف المستوطنين، وتأجيج التوتر في البلدة القديمة بمدينة الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمي، فضلا عن الإبقاء على جبهات التوتر مفتوحة في غزة ولبنان، وربما الذهاب إلى مغامرات عسكرية جديدة ضد إيران.
ويشبه بعض المراقبين هذه التوجهات بما يُعرف في الأدبيات العسكرية بمحاولات "الهجوم الأخير" التي تلجأ إليها القيادات السياسية والعسكرية عندما تقترب من الفشل أو الهزيمة، أملا في تغيير موازين القوى أو تأجيل السقوط السياسي.
من جانبه، قدم الباحث الفلسطيني رمزي بارود قراءة مختلفة لدوافع التصعيد الإسرائيلي، مقدرا أن التجربة التاريخية أثبتت أن إسرائيل تلجأ غالبا إلى تعويض إخفاقاتها في جبهة معينة عبر تصعيد موازٍ في جبهة أخرى أقل كلفة سياسيا وعسكريا.
وفي مقال نشره موقع "كومن دريمز" الأميركي في 19 يونيو/حزيران 2026، أشار بارود إلى أن الفلسطينيين قد يتحولون مجددا إلى الحلقة الأضعف التي تتحمل تبعات الإخفاقات السياسية والعسكرية التي يواجهها نتنياهو على المستويين الداخلي والإقليمي.
وأوضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نجح خلال السنوات الأخيرة في تحويل حالة الحرب الدائمة إلى أداة رئيسية لضمان بقائه السياسي، وهو ما انعكس في استمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة، والتوترات المتواصلة على الحدود اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، الأمر الذي دفع المنطقة بأسرها إلى حافة انفجارات متكررة.
وأشار التقرير إلى أن نتنياهو يواجه حاليا واحدة من أكثر المراحل هشاشة في حياته السياسية، في ظل تزايد الانتقادات داخل إسرائيل وخارجها بشأن نتائج الحروب الأخيرة. كما نقل عن مسؤولين إسرائيليين سابقين اعترافات صريحة بفشل الاستراتيجية الإسرائيلية في عدد من الملفات، من بينهم وزير العدل الأسبق حاييم رامون، الذي قال إن إسرائيل لم تحقق نصرا حاسما لا في لبنان ولا في إيران ولا في مواجهتها مع حركة حماس.
ويرى مراقبون أن هذا الوضع منح وزراء اليمين المتطرف داخل الحكومة مساحة أوسع لفرض أجنداتهم السياسية، مستفيدين من حاجة نتنياهو المستمرة إلى دعمهم لضمان بقاء حكومته.
وفي مقدمة هؤلاء يبرز وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، اللذان يدفعان باتجاه سياسات أكثر تشددا تجاه الفلسطينيين، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية.
وفي هذا الإطار، طرح سموتريتش خططا تهدف إلى ضم نحو 82 بالمئة من أراضي الضفة الغربية المحتلة، في خطوة يرى مراقبون أنها تعكس انتقال مشاريع الضم من مستوى التصريحات السياسية إلى مرحلة التنفيذ العملي على الأرض.
كما كشفت تقارير إسرائيلية، بينها ما نشرته مجلة "ذي ماركر"، أن سموتريتش قام خلال الأشهر الأخيرة بتحويل مخصصات مالية ضخمة إلى المستوطنات والمجالس الاستيطانية، في محاولة لترسيخ وقائع جديدة قبل أي تغيير محتمل في المشهد السياسي الإسرائيلي.
ووفقا لهذه التقارير، شملت هذه التحويلات زيادة موازنات مخصصة لمشاريع الاستيطان وبرامج ما يسمى "تعزيز الهوية اليهودية"، بمئات ملايين الشواكل، في خطوة يراها منتقدو الحكومة جزءا من عملية متسارعة لفرض واقع ديموغرافي وسياسي جديد في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يعتقد عدد من المحللين أن التصعيد الإسرائيلي المتواصل في غزة والضفة الغربية لا يمكن فصله عن الأزمة السياسية التي يعيشها نتنياهو وحكومته، ولا عن محاولات اليمين الإسرائيلي استثمار اللحظة الراهنة لتكريس مشاريع الضم والاستيطان، مستفيدا من الانشغال الدولي بالأزمات الإقليمية الأخرى وتراجع الضغوط الخارجية على إسرائيل مقارنة بمراحل سابقة.

أين الوسطاء؟
رغم مرور أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم تواجه إسرائيل أي تبعات سياسية أو دبلوماسية جدية نتيجة خروقاتها المتواصلة للاتفاق. بل تشير الوقائع الميدانية إلى أن الانتهاكات تصاعدت بصورة تدريجية، سواء عبر عمليات القصف والاغتيال أو توسيع مناطق السيطرة العسكرية داخل القطاع، في وقت تتهم فيه جهات فلسطينية الوسطاء الدوليين والإقليميين بالعجز عن إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها.
ويرى مراقبون أن الحكومة الإسرائيلية لم تتعامل مع وقف إطلاق النار بصفته نهاية للحرب، بل كمرحلة مؤقتة ضمن استراتيجية أوسع ما تزال أهدافها السياسية والعسكرية قائمة. وتشير تقارير دولية إلى أن تل أبيب واصلت سياسات التهجير والتضييق الميداني والاستيلاء على مزيد من الأراضي، دون أن ينعكس الاتفاق على سلوكها العسكري بصورة ملموسة.
وفي المقابل، يواجه الوسطاء العرب انتقادات متزايدة بسبب ما يعده فلسطينيون غيابا لأي إجراءات عملية لوقف الخروقات الإسرائيلية، والاكتفاء بمواقف سياسية وبيانات إدانة لم تنجح في ردع الاحتلال أو إجباره على احترام بنود الاتفاق.
وتزامنا مع ذلك، برزت تسريبات ومعلومات متداولة حول طبيعة المفاوضات الجارية بين الوسطاء وقيادة حركة حماس، وسط اتهامات بأن الضغوط تركزت بصورة أكبر على الطرف الفلسطيني بهدف دفعه إلى تقديم تنازلات إضافية، بدلا من الضغط على إسرائيل لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقا.
ويتهم مفاوضون فلسطينيون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب مسؤولين مرتبطين بما يعرف بمجلس السلام التابع لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بمحاولة تجاوز اتفاق وقف إطلاق النار الأصلي الذي تم التوصل إليه في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وطرح إطار تفاوضي جديد يشترط نزع سلاح المقاومة الفلسطينية بصورة كاملة كمدخل لتنفيذ بقية بنود الاتفاق.
وأكدت مصادر فلسطينية مطلعة لصحيفة "الاستقلال" أن الحديث المتكرر عن "أجواء إيجابية" خلال جولات المفاوضات التي عقدها وفد حركة حماس في القاهرة لا يعكس بالضرورة حقيقة ما يجري خلف الأبواب المغلقة. وأوضحت المصادر أن المفاوضات شهدت ضغوطا كبيرة مورست على الوفد الفلسطيني، كان أبرزها من قبل ممثل الإدارة الأميركية، غير أن الحركة رفضت الاستجابة للمطالب المتعلقة بسلاح المقاومة، ما دفع الوسطاء إلى إعادة صياغة بعض المقترحات أكثر من مرة.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن الوفد الفلسطيني برئاسة خليل الحية أبدى مرونة في عدد من الملفات الإنسانية والإدارية والسياسية، لكنه تمسك بموقفه الرافض لأي بحث يتعلق بنزع سلاح المقاومة أو التخلي عن حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم. كما طالب الوسطاء بإلزام إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق الموقع قبل الانتقال إلى بحث الملفات الأخرى.
وفي السياق نفسه، نقل الكاتب عز الدين دويدار عن مصادر فلسطينية حديثها عن "ضغوط وتهديدات خطيرة" تمارس على وفد التفاوض الفلسطيني في القاهرة، بالتوازي مع استمرار عمليات القصف والاغتيال داخل غزة، في محاولة لدفع المقاومة نحو تقديم تنازلات تتعلق بالسلاح والبنية العسكرية.
وأشار دويدار، نقلا عن مصدر وصفه بالخاص، إلى أن المقاومة أبلغت الوسطاء استعدادها لإبداء المرونة في مختلف القضايا المرتبطة بتخفيف معاناة السكان وتحسين الأوضاع الإنسانية، لكنها ترفض بشكل قاطع أي نقاش يتعلق بتسليم السلاح أو التخلي عن قدراتها العسكرية.
وتربط بعض القراءات السياسية بين استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية وبين مسار المفاوضات الجارية، إذ يرى أصحاب هذه القراءة أن استهداف عدد من القيادات العسكرية والسياسية في الحركة يندرج ضمن محاولات التأثير على عملية صنع القرار داخل المقاومة وإجبارها على تقديم تنازلات خلال التفاوض.
وفي هذا الإطار، أثار اغتيال عدد من الشخصيات المرتبطة بقيادة الحركة جدلا واسعا حول توقيت هذه العمليات وأهدافها السياسية. كما تداولت وسائل إعلام ومصادر فلسطينية معلومات عن تعرض بعض القيادات لضغوط غير مباشرة خلال جولات التفاوض، في ظل تمسك الحركة بمواقفها الأساسية.
لكن في المقابل، برزت روايات أخرى تنفي ممارسة بعض الوسطاء ضغوطا مباشرة على الوفد الفلسطيني. فقد نقل الصحفي المصري المختص بالشأن الفلسطيني محمد خيال عن رئيس حركة حماس في غزة خليل الحية تأكيده أن الوسيط المصري لا يمارس ضغوطا على المفاوض الفلسطيني فيما يتعلق بقبول تعديلات أو تنازلات محددة، بل يعمل على تقريب وجهات النظر والبحث عن صيغ توافقية تساعد في الوصول إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.
كما عبّر الحية، وفق ما نقله خيال، عن تقديره للدور المصري في إدارة ملف المفاوضات، مؤكدا أن أي تباينات في وجهات النظر بشأن بعض التفاصيل التفاوضية تنطلق من اجتهادات مختلفة حول كيفية تحقيق المصلحة الفلسطينية، وليس من محاولات لفرض شروط أو إملاءات على المقاومة.
وفي ظل استمرار المفاوضات وتعثر التوصل إلى اتفاق نهائي، يبقى السؤال مطروحا حول قدرة الوسطاء على لعب دور أكثر فاعلية في إلزام جميع الأطراف بتنفيذ التزاماتها، وحول ما إذا كانت الضغوط السياسية ستتجه مستقبلا نحو الطرف الأقوى عسكريا، أم ستبقى مركزة على الطرف الفلسطيني الذي يواجه حربا مستمرة منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام.
مفاوضات خادعة
تحدث قادة في المقاومة الفلسطينية إلى موقع "دروب سايت" الأميركي، في 22 يونيو/حزيران 2026، عما وصفوه بـ"المفاوضات الخادعة" والضغوط المتواصلة الهادفة إلى انتزاع سلاح المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.
ونقل الصحفي الأميركي جيريمي سكاهيل عن قيادات بارزة في حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" قولهم إن إسرائيل، بدعم من ما يسمى "مجلس ترامب للسلام"، تسعى إلى فرض شروط جديدة لم توافق عليها المقاومة الفلسطينية مطلقا، وفي مقدمتها نزع سلاح الفصائل، في وقت تواصل فيه القوات الإسرائيلية احتلال أجزاء واسعة من قطاع غزة وانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار بشكل يومي.
وأكدت القيادات الفلسطينية أن "مجلس السلام" الذي شكلته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعاد صياغة اتفاق وقف إطلاق النار بصورة أحادية، في محاولة لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة على الفلسطينيين، وإجبارهم على التخلي عن مشروعهم الوطني التحرري، بما يكرس الهيمنة الإسرائيلية على مستقبل القطاع.
وبحسب تلك المصادر، فقد استدعي مسؤولون من حركة حماس منذ منتصف مارس/آذار 2026 إلى سلسلة اجتماعات شارك فيها مسؤولون أميركيون ووسطاء إقليميون إلى جانب ما يعرف بـ"الممثل السامي لغزة" الذي عينته إدارة ترامب، حيث تعرضت الحركة لضغوط متواصلة للموافقة على نزع سلاحها، مع التلويح بإمكانية استئناف هجوم إسرائيلي واسع النطاق إذا رفضت ذلك.
ورغم هذه الضغوط، شددت القيادات الفلسطينية على أن هذه المحاولات لن تنجح، مؤكدة أن أي محاولة لفرض الاستسلام السياسي على المقاومة ستقود في النهاية إلى عودة المواجهة المسلحة.
وقال القيادي البارز في حركة حماس أسامة حمدان إن "الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على احتلال قطاع غزة، بل يتجاوز ذلك إلى إنهاء الوجود الفلسطيني فيه"، مضيفا أن إسرائيل تسعى إلى إيصال رسالة للفلسطينيين مفادها أن لا مستقبل لهم في أرضهم، وأن خيارهم الوحيد هو الرحيل.
من جهته، أكد محمد الهندي، أحد أبرز قادة حركة الجهاد الإسلامي، أن الظروف الإنسانية والمعيشية في قطاع غزة بالغة الصعوبة في ظل استمرار القتل والدمار، لكنه شدد على أن إسرائيل لم تحقق نصرا حاسما، وأن المعركة ما تزال مفتوحة.
وأضاف أن سلاح المقاومة "ليس ملكا للفصائل الفلسطينية حتى يتم التفاوض عليه أو التنازل عنه، وإنما هو سلاح الشعب الفلسطيني في مرحلة التحرر الوطني"، مؤكدا أن أي نقاش يتعلق بهذا الملف لا يمكن أن يتم إلا ضمن إطار سياسي شامل يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية.
وأشار إلى أن الموقف الفلسطيني الرسمي للمقاومة ينص على ضرورة تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بصورة كاملة قبل الانتقال إلى أي نقاشات تتعلق بالمرحلة الثانية أو الملفات السياسية والأمنية الأخرى.
وتؤكد الوقائع أن مسألة نزع السلاح لم تكن جزءا من اتفاق المرحلة الأولى الموقع في أكتوبر/تشرين الأول 2025، والذي اقتصر على وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وفتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية وبدء خطوات أولية لإعادة الإعمار، فيما جرى تأجيل القضايا السياسية والأمنية الكبرى إلى مراحل لاحقة لم يبدأ التفاوض بشأنها رسميا حتى الآن.
ورغم ذلك، واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل الترويج لرواية مفادها أن حركة حماس وافقت على شروط جديدة تتعلق بنزع السلاح، وهو ما تنفيه الحركة بشكل متكرر، مؤكدة تمسكها بالنصوص الأصلية للاتفاق الذي رعته واشنطن نفسها.

مندوب ترامب.. عقبة في المفاوضات
وتؤكد مصادر فلسطينية قريبة من وفد التفاوض لـ"الاستقلال" أن المبعوث الأميركي نيكولاي ملادينوف، الذي يتولى دورا محوريا في ما يسمى "مجلس سلام غزة"، بات يمثل إحدى أبرز العقبات أمام تقدم المفاوضات، نظرا لتبنيه وجهة النظر الإسرائيلية بالكامل، ومحاولته فرض تصورات جديدة تتجاوز ما تم الاتفاق عليه سابقا.
وتقول المصادر إن ملادينوف يركز بصورة أساسية على ملف سلاح المقاومة والأنفاق العسكرية، رغم أن هذه القضايا أرجئت إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، في حين أن إسرائيل لم تنفذ حتى الآن التزاماتها المتعلقة بالمرحلة الأولى.
وفي أبريل/نيسان 2026، قدم ملادينوف إلى حركة حماس ما عرف بـ"خارطة الطريق ذات البنود الخمسة عشر"، والتي تضمنت اشتراطات واضحة تربط إعادة إعمار قطاع غزة وانسحاب القوات الإسرائيلية بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية.
ورأت حركة حماس في تلك الوثيقة محاولة لتبني الشروط الإسرائيلية بصورة مباشرة، ووصفتها في بيان رسمي بأنها "محاولة مشبوهة" لتكريس مطالب الاحتلال تحت غطاء سياسي ودبلوماسي.
وخلال جولة مفاوضات عقدت في القاهرة مطلع مايو/أيار 2026، مارس ملادينوف، بحسب مفاوضين فلسطينيين تحدثوا إلى "دروب سايت"، ضغوطا كبيرة على وفد الحركة للموافقة على ترتيبات نزع السلاح، إلا أن الوفد الفلسطيني تمسك بموقفه الرافض لأي نقاش في هذا الملف قبل استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق.
وفي المقابل، جدد رئيس وفد حماس المفاوض خليل الحية تأكيد موقف الحركة القائم على أن أي بحث في مستقبل سلاح المقاومة يجب أن يكون جزءا من عملية سياسية شاملة تؤدي إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وليس شرطا مسبقا لوقف الحرب أو إعادة إعمار القطاع.
وأكد الحية أن الحركة مستعدة للانتقال إلى مناقشة تفاصيل المرحلة الثانية فور التزام إسرائيل الكامل ببنود المرحلة الأولى، مشددا على أن الالتفاف على الاتفاقات الموقعة ومحاولة فرض شروط جديدة لن يؤدي إلا إلى تعقيد المشهد وإطالة أمد الأزمة.
المصادر
- In Campaign to Seize More of Gaza, Israel Expands Attacks on Palestinians Near “Yellow Line”
- Palestinians May Pay the Price for Netanyahu’s Defeat in Iran
- Israel Is in the Dangerous Twilight Days of Netanyahu's Rule
- “The Occupation’s Conditions”: Trump’s Board of Peace Demands that Hamas Surrender to Netanyahu’s Gaza Agenda
- Netanyahu directs Israeli forces to expand Gaza control to 70 percent
- بالوثائق... «الشرق الأوسط» ترصد أبرز نقاط وتعديلات ملادينوف على رد «حماس» والفصائل

















