اختبارات قاسية وثقة مفقودة.. إلى أي مدى سيصمد الاتفاق بين واشنطن وطهران؟

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اكتمال الاتفاق مع طهران، برزت تساؤلات بشأن ما إذا كانت هناك بنود غير معلنة لم تُكشف تفاصيلها بعد، ومدى قدرة هذا الاتفاق على الصمود وتحقيق نتائج فعلية، بخلاف تفاهمات سابقة أُعلن عنها دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.

وكتب ترامب، في 14 يونيو/حزيران 2026، عبر منصته "تروث سوشيال": "لقد اكتمل الآن الاتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. تهانينا للجميع. أجيز بشكل كامل فتح مضيق هرمز دون رسوم عبور، كما أعلن الرفع الفوري للحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة".

ودعا الرئيس الأميركي إلى استئناف حركة الملاحة البحرية وتدفق شحنات الطاقة عبر الممر الإستراتيجي، قائلاً: "يا سفن العالم، شغّلوا محركاتكم.. دعوا النفط يتدفق".

وجاء تصريح ترامب بعد دقائق من إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، عبر منصة "إكس" في 14 يونيو/حزيران، توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق سلام يتضمن وقفاً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية.

بنود الاتفاق

وفيما يتعلق بتفاصيل التفاهم الذي تم التوصل إليه بين واشنطن وطهران، كشفت وسائل إعلام إيرانية عن أن مذكرة التفاهم المبدئية تتضمن 14 بنداً تشمل ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية، تمهيداً لانطلاق مفاوضات نهائية بين الجانبين.

وقالت وكالة "مهر" الإيرانية: إن مسودة الاتفاق تنص على إجراء مفاوضات تمتد 60 يوماً بشأن الملف النووي الإيراني وآليات الرفع الكامل للعقوبات المفروضة على طهران.

وأوضحت أن المسودة تستثني البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم طهران لجماعات المقاومة من المفاوضات النهائية، وتحصر النقاشات في الملف النووي والعقوبات المرتبطة به.

ووفقاً للتفاصيل التي أوردتها الوكالة، تنص المذكرة على الإفراج عن 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة خلال فترة التفاوض، على أن يُتاح نصف هذا المبلغ لإيران قبل انطلاق الجولة النهائية من المحادثات.

كما تتضمن تعليق العقوبات المفروضة على صادرات النفط والبتروكيماويات الإيرانية، ورفع الحصار البحري الأميركي بشكل كامل خلال 30 يوماً.

وتنص المسودة كذلك على إعادة فتح مضيق هرمز خلال فترة لا تتجاوز 30 يوماً وفق ترتيبات متفق عليها، إلى جانب التزام الولايات المتحدة وحلفائها بتقديم خطط للمساهمة في إعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.

في المقابل، نقلت وكالة "فارس" الإيرانية شبه الرسمية عن مصدر قريب من فريق التفاوض الإيراني، لم تسمّه، تفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع طهران.

وأوضح المصدر أن جولة جديدة من المناقشات بدأت صباح الأحد 14 يونيو/حزيران عقب وصول الوفد القطري؛ حيث طُرحت ملفات عالقة كان من شأنها تأجيل التوصل إلى اتفاق نهائي.

وأشار إلى أن الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت أدّت إلى تصعيد التوتر، ودفعَت إيران إلى الاستعداد لردّ عسكري واسع على عدة جبهات، الأمر الذي هدد بانهيار المفاوضات.

وأضاف أن ترامب تدخّل مجدداً وقدم حزمة من التنازلات مقابل تجميد الرد الإيراني وإعادة مسار التفاوض إلى سكته، من بينها رفع الحصار البحري فوراً بدلاً من الانتظار 30 يوماً، وإنهاء العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، مع التأكيد على وحدة أراضيه.

وبحسب مصادر أميركية، واجه الاتفاق اختباراً صعباً قبل ساعات من الإعلان عنه، بعدما أثارت الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت مخاوف داخل الإدارة الأميركية من انهيار التفاهم وعودة التصعيد العسكري.

ونقلت شبكة "سي إن إن" عن مسؤولين أميركيين أن هذه التطورات دفعت واشنطن إلى تكثيف اتصالاتها مع الوسطاء القطريين والمسؤولين الإيرانيين لضمان عدم انزلاق الأوضاع نحو مواجهة جديدة والحفاظ على مسار المفاوضات.

كما أكد نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، أن الإدارة الأميركية تلقت تطمينات من الجانب الإيراني بعدم التصعيد العسكري والاستمرار في مسار الاتفاق وصولاً إلى توقيعه رسمياً.

اختبارات قاسية

وبشأن ما إذا كانت هناك بنود غير معلنة لم يكشف عنها الطرفان تجنباً لضغوط داخلية، قال المحلل السياسي المختص في شؤون الشرق الأوسط، حازم عياد: إن "لا توجد حتى الآن معطيات مؤكدة تشير إلى وجود بنود سرية في الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران".

وأضاف عياد، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن "وجود مثل هذه البنود كان سيقلل من حجم الخلافات التي ظهرت خلال المراحل الأخيرة من التفاوض، والتي استدعت تدخلاً قطرياً وإرسال وفد إلى طهران لوضع اللمسات النهائية على صيغة الاتفاق".

وأوضح أن ملف الأموال الإيرانية المجمدة يُعد من أكثر القضايا حساسية؛ إذ يتطلب ضمانات من أطراف ثالثة تتولى آليات تحويل هذه الأموال إلى إيران، فضلاً عن موافقة أميركية واضحة بعدم عرقلة العملية، خاصة إذا كانت قطر ستلعب دوراً محورياً في هذا الملف.

وأشار إلى أن بعض المراقبين يعتقدون أن هناك تفاهمات إضافية لم تُدرج صراحة في متن الاتفاق، وربما يجري التعامل معها عبر ملاحق أو تفاهمات موازية، تجنباً لإحراج الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام خصومه السياسيين، لا سيما أنه سبق أن انتقد الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، متهماً إياها بتقديم تنازلات مالية كبيرة لإيران.

وفي ما يتعلق بالمرحلة الثانية من التفاهمات، المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، رأى عياد أن طهران لا تبدي استعداداً لنقل عمليات تخصيب أو معالجة اليورانيوم إلى خارج أراضيها، مرجحاً أن يجري التفاوض حول الآليات الفنية داخل إيران نفسها، وهو ملف قد لا يُحسم في المرحلة الحالية، وإنما يُرحّل إلى مراحل لاحقة مدعومة بضمانات سياسية أو تفاهمات شفوية.

وإلى جانب هذه الملفات، يبرز الملف اللبناني بوصفه أحد أكثر القضايا حساسية وقابلية لنسف الاتفاق، خاصة بعد التصعيد الإسرائيلي الأخير في 14 يونيو/حزيران، والذي دفع ترامب إلى توجيه انتقادات علنية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متهماً إياه بالتهور والإضرار بمسار التفاهمات الجارية.

ويرى عياد أن الاتفاق سيظل محاطاً بالحذر، سواء بسبب التعقيدات المرتبطة بالجانب الإسرائيلي أو تلك المتعلقة بالإفراج عن الأموال الإيرانية، لافتاً إلى أن الطرفين لم يوقعا الاتفاق رسمياً بعد، وأن آليات التنفيذ قد تواجه عراقيل حتى بعد التوقيع.

وأضاف أن "مجرد توقيع الاتفاق لا يعني نجاحه، بل إن التحدي الحقيقي يبدأ بعد ذلك؛ حيث سيخضع لاختبارات قاسية تتعلق بمدى التزام الأطراف ببنوده وقدرتها على تجاوز الأزمات الطارئة".

وأكد أن عملية الوصول إلى التوقيع نفسها تواجه ضغوطاً كبيرة، سواء من خلال التصعيد الإسرائيلي الميداني أو عبر المعركة الإعلامية المتبادلة بين واشنطن وطهران بشأن طبيعة الاتفاق وصيغته النهائية، وهو ما غذّى التكهنات بوجود تفاهمات غير معلنة لا يرغب الطرفان في الكشف عنها بشكل مباشر.

وشدد عياد على أن أزمة الثقة تبقى العامل الأكثر تأثيراً في العلاقة بين الجانبين، موضحاً أن "انعدام الثقة يهيمن على مسار المفاوضات والاتفاق والهدنة الهشة التي سبقتها، والتي شهدت جولات من التصعيد والاشتباكات الخطيرة".

وأضاف أن الجانب الإيراني لا يزال يستحضر تجارب سابقة عززت شكوكه تجاه واشنطن، بدءاً من انسحاب إدارة ترامب من اتفاق "5+1"، مروراً بالهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، ووصولاً إلى الخروقات التي رافقت وقف إطلاق النار والتطورات المرتبطة بالساحة اللبنانية.

وخلص إلى أن "الشك المتبادل وانعدام الثقة يظلان العامل الحاكم في العلاقة بين الطرفين، وهو ما يفسر استمرار تبادل الاتهامات ومحاولات كل جانب تحميل الآخر مسؤولية أي تعثر محتمل، سواء قبل توقيع الاتفاق أو بعد دخوله حيز التنفيذ، ما يعني أن التحديات ستبقى قائمة ما دامت الثقة غائبة بين واشنطن وطهران".

هدنة مؤقتة

في السياق ذاته، رأى الخبير في الشؤون الإيرانية فراس إلياس أن التوقيع على الاتفاق لا يعني بالضرورة إنهاء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران بصورة مستدامة، واصفاً ما جرى بأنه أقرب إلى "هدنة مؤقتة" يمكن أن تنهار عند أول خلاف جوهري بين الطرفين.

وقال إلياس، في تدوينة نشرها عبر منصة "إكس" بتاريخ 14 يونيو/حزيران: إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حرص طوال الأشهر الماضية على تقديم إيران بوصفها دولة منهكة ومنقسمة، وأن الضغوط العسكرية والاقتصادية المتواصلة دفعتها في نهاية المطاف إلى الجلوس على طاولة المفاوضات وقبول اتفاق يسمح له بإعلان انتصار سياسي أمام الداخل الأميركي وحلفائه.

وأضاف أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في الوصول إلى الاتفاق بحد ذاته، بل في الأسس التي بُني عليها، موضحاً أن "التفاهمات التي تقوم بين طرفين يحملان تصورات متناقضة بشأن معنى الاتفاق وأهدافه النهائية لا تمثل نهاية للأزمة، بل مجرد إدارة مؤقتة لها".

وأوضح إلياس أن واشنطن تنظر إلى الاتفاق بصفته أداة لفرض سلوك إيراني جديد وإعادة صياغة قواعد العلاقة بين الطرفين، في حين تنظر إليه طهران بصفته وسيلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية وكسب الوقت، من دون التخلي عن مرتكزاتها الإستراتيجية الأساسية.

وخلص إلى أن الاتفاقات التي تُبنى على انعدام الثقة وسوء الظن المتبادل غالباً ما تعجز عن الصمود أمام أول اختبار جدي، مؤكداً أن أي حادث أمني أو تصعيد إقليمي أو خلاف سياسي قد يعيد الطرفين سريعاً إلى مربع المواجهة، ويكشف أن ما تحقق لم يكن تسوية دائمة بقدر ما كان هدنة مؤقتة لإدارة الصراع.

في المقابل، تتصاعد المخاوف داخل إسرائيل مع تزايد المؤشرات بشأن قرب التوصل إلى اتفاق جديد بين واشنطن وطهران، وسط تقديرات بأن هذا التفاهم قد يفتح الباب أمام إعادة تمكين إيران إقليمياً عبر تخفيف الضغوط الدولية المفروضة عليها ومنحها مساحة أوسع للتحرك.

وفي هذا الإطار، رأت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية أن الاتفاق المرتقب قد يشكل نقطة تحول مهمة في الشرق الأوسط، محذرة من أنه سيمنح النظام الإيراني شرعية دولية أكبر ويعزز نفوذه الإقليمي، في وقت رأت فيه أنه يمثل خيبة أمل للمعارضة الإيرانية التي كانت تراهن على إضعاف النظام أو إسقاطه.

وقال الكاتب الإسرائيلي بن درور يميني، في مقال نشرته الصحيفة بتاريخ 15 يونيو/حزيران: إن المعطيات المتداولة بشأن الاتفاق تثير قلقاً متزايداً داخل إسرائيل، خاصة أنه لا يتضمن قيوداً تتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني الذي تعدّه تل أبيب أحد أبرز مصادر التهديد لأمنها القومي.

وأضاف أن الاتفاق لا يشمل أيضاً أي ترتيبات تحد من علاقات إيران بحلفائها الإقليميين، الأمر الذي سيتيح لها، وفق الرؤية الإسرائيلية، مواصلة دعم حلفائها في المنطقة، ومن بينهم "حزب الله" في لبنان، و"الحوثيون" في اليمن، والفصائل المسلحة في العراق، وحركة "حماس".

ورأت الصحيفة أن الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه يتناقض مع الخطاب الأميركي السابق الذي شجع المعارضة الإيرانية وأعطاها انطباعاً بأن واشنطن تدعم مساعيها لتغيير النظام، مقدرة أن التفاهم الجديد قد يؤدي عملياً إلى تعزيز موقع طهران بدلاً من إضعافها.

كما أشارت إلى أن الصيغة المتداولة للاتفاق تبدو قريبة من الاتفاق النووي الموقع عام 2015، المعروف بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة"، والذي سبق أن وصفه ترامب بأنه "اتفاق سيئ"، قبل أن ينسحب منه عام 2018 ويفرض عقوبات اقتصادية واسعة على إيران.

وأضافت أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن اتجهت لاحقاً إلى تخفيف الضغوط على طهران، مقدرة أن إدارة ترامب الحالية تعود بصورة أو بأخرى إلى مسار مشابه، سواء من خلال إعادة فتح باب التفاوض أو عبر تخفيف العقوبات الاقتصادية.

وختمت الصحيفة تحذيراتها بالقول: إن رفع القيود الاقتصادية عن إيران قد يمنحها موارد إضافية لتطوير برامجها العسكرية، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ الباليستية، فضلاً عن تعزيز الدعم المالي والعسكري لحلفائها الإقليميين، بما يرسخ نفوذها في المنطقة خلال السنوات المقبلة.