بعد اتفاق واشنطن وطهران.. لماذا لوّحت إيران بحزام أمني جديد في المنطقة؟

قادة إيرانيون طرحوا ورقة باب المندب كورقة قوية بيد إيران
لم تمض سوى ساعات على إعلان التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ينهي حالة الحرب ويعيدهم إلى طاولة المفاوضات، حتى فجّر قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني، جدلا واسعا بعد تصريحاته عن نية "محور المقاومة" إنشاء حزام أمني جديد في المنطقة.
وفي 14 يونيو/ حزيران 2026، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، على حسابه في منصة "إكس" أن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى اتفاق سلام، يتضمن إنهاء فوريا ودائما للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.
بعدها بدقائق، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصته "تروث سوشال": إن الاتفاق اكتمل الآن مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. تهانينا للجميع، معلنا فتح مضيق هرمز دون رسوم مرور، ورفع الحصار البحري الذي تفرضه بلاده على إيران بشكل فوري.

"حزام أمني"
على وقع هذا الإعلان وتأكيده من الجانب الإيراني، تناقلت وسائل إعلام إيرانية، تصريحات لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري العميد إسماعيل قاآني، قال فيها: إن "جبهة المقاومة" نجحت في إشعال دوامة القلق في الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي.
وفي مقابلة مع التلفزيون الإيراني في 15 يونيو، قال العميد قاآني: إن "جبهة المقاومة تقف بثبات، في وجه العدو الأميركي الإسرائيلي، في أصعب الظروف، وأطرافها في طليعة التصدي للعدوان الأخير".
وتابع: "الحرب المفروضة الأخيرة سرعت من عملية انهيار الكيان الإسرائيلي، ورغم أن غزة دُمّرت بالكامل، لكن الشعوب الحرة في العالم تعلم أن أبناء المقاومة الفلسطينية منتصرون في هذه المعركة".
في تهديد جديد، قال قاآني: إن "باب المندب هو أحد أوراق النصر لجبهة المقاومة، وإذا لزم الأمر، فسيتم الكشف عن أوراق أخرى". مقدرا أن "باب المندب هو تحت سيطرة أنصار الله (جماعة الحوثي) وحتى بعض أبناء المقاومة من غير اليمنيين".
وأشار إلى أن بعض السفن الأميركية الأكثر تجهيزا، والتي كانت تنوي عبور البحر الأحمر خلال الحرب، أمضت قرابة أسبوعين بين اليمن وجدة في التردد بين العبور من عدمه، لكنها في النهاية لم تجرؤ على العبور.
ولفت قاآني إلى أن الحرب قد أطاحت بسمعة أميركا، وقال: "إن عملية انهيار الكيان الصهيوني قد تعززت بعد الحرب الثالثة المفروضة". موضحا أنه "سيتم إنشاء حزام أمني جديد للمقاومة، يمتد من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب قبالة سواحل اليمن، ومن الخلج إلى البحر الأحمر".
وأكد أن فريق التفاوض الإيراني تعامل مع العدو بحزم فور وقوع العدوان الإسرائيلي على لبنان، وقال: "إن الثبات في القضية اللبنانية أثبت أن رجال الميدان العسكري والدبلوماسية هم من جوهر المقاومة".
وعلى صعيد الملف اللبناني، شدد قاآني على أن حزب الله وقف إلى جانب إيران، وتصدى للعدوان، "ولا يستطيع أحد الوقوف في وجه حزب الله، وأنه لا يمكن تفكيك سلاحه ولا أحد يستطيع الوقوف في وجهه".
وأشار إلى ما وصفه بـ"تألّق" محور المقاومة بأكمله بقوة في الحرب الأخيرة، لافتا إلى أن "حزب الله قاتل إلى جانب إيران لمدة 104 أيام في الحرب المفروضة الثالثة".
وأكد قاآني أن حزب الله "يمثل الطائفة الشيعية بأكملها، وجزءا كبيرا من المجتمع غير الشيعي في لبنان، وأن ما رأيتموه من حزب الله ليس إلا رأس جبل الثلج".
وتابع: "سواء كان إخواننا وراء منصات الإطلاق أو على طاولة المفاوضات، فإن طبيعتهم هي المقاومة"، كاشفاً أن "الليلة الماضية (14 يونيو)، كانت إيران مستعدة لمهاجمة الكيان الصهيوني. لقد صمدنا بقوة، واتخذنا موقفاً لم يرغب الطرف الآخر في قبوله".
وبموازاة ذلك، حذر علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، من أن محور المقاومة يمتلك القدرة على إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، واضعًا الإسرائيليين والأميركيين أمام خيار حاسم بين "وقف العدوان أو مواجهة التحكم المنسق في كلا الممرين المائيين الحيويين".

"خنق مزدوج"
وبخصوص مدى منطقية استخدام إيران لمضيق باب المندب ورقة للضغط ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد ذكرت دراسة أعدها "مركز المخا" اليمني للدراسات، أن إغلاق إيران مضيق هرمز الحيوي للاقتصاد العالمي، وضع الحوثيين في باب المندب أمام معضلة إستراتيجية وجودية.
وأوضح المركز خلال دراسته التي نشرها في 17 يونيو، أن هذه المعضلة جعلت جماعة الحوثي اليمنية، تفاضل بين خيار مواصلة العمليات العسكرية تضامنًا مع حليف مضعف، أو الانكفاء التكتيكي لتفادي الضغوط الميدانية المتراكمة.
وتبعًا لذلك، جرت عملية تحول نوعي لأزمة "باب المندب" من مرحلة يمثل فيها تهديدًا للملاحة التجارية إلى مرحلة تعد جزءًا من منظومة "الخنق المزدوج" التي تستهدف الاقتصاد العالمي من محورين متزامنين: هرمز من الشرق، وباب المندب من الغرب، وفقا للدراسة.
لكن وضع الحوثيين ليس كما كان في المرحلة الأولى من الحرب؛ إذ تظهر التقييمات الإستراتيجية لمطلع عام 2026 وضعًا حوثيا مزدوجا يجمع بين التدهور العملياتي والصمود الاستراتيجي.
ورأت الدراسة أن الهجمات الأميركية والإسرائيلية عام 2025 أسفرت عن أضرار بالغة بالبنية التحتية العسكرية والاقتصادية، وأدت إلى تراجع عملياتي ملموس بفعل تراكم تأثير تلك الهجمات والعقوبات الأميركية والدولية المشددة على الحركة.
وهو تفسير يرى الحوثيون أنه غير صحيح؛ إذ يزعمون أن ورقة باب المندب مؤجلة خشية التصعيد الدولي ضد إيران والجماعة، خاصة مع محاولة طهران استثمار الخلاف الأميركي/الأوروبي حول الحرب لصالحها. فإغلاق الممرين يعني اللعب بورقة تصعيد كبيرة تجعل انخراط الأوروبيين والخليجيين في الحرب أمرا حتميا.
وفي خطوة تعكس تمسك الجماعة بأوراق الضغط الإستراتيجية رغم الاستهداف المتكرر، أعلن الحوثيون في 8 يونيو 2026 فرض "حظر ملاحة كامل" على السفن الإسرائيلية كافة في البحر الأحمر، وعدّ تحركاتها أهدافًا عسكرية مشروعة.
وفي الوقت نفسه أعلن الإيرانيون أن أي تصعيد إسرائيلي ضد بلادهم سيؤدي إلى إغلاق مضيق باب المندب، بوصفه ورقة مؤجلة لمواجهة التصعيد الغربي ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وبحسب الدراسة، فإنه يجري البناء على اتفاق في مفاوضات إسلام أباد بين إيران والولايات المتحدة، تشارك فيه قطر، وأعلن عنه يوم 15 يونيو 2026. ومن شأنه أن يوقف العمليات العسكرية في كل الجبهات، بما في ذلك لبنان، ويرفع الحصار البحري عن إيران مقابل فتح مضيق هرمز.
وهنا، ترى الدراسة أن الحوثيين يريدون أن يتضمن أي اتفاق أوسع بين إيران والولايات المتحدة نصًا بوقف العقوبات الاقتصادية ورفع تصنيفهم كجماعة إرهابية ضمن البنود المتعلقة بمحور المقاومة الذي تؤكد عليه إيران.
لذلك كان واضحًا أن بيان هجمات 8 يونيو 2026 يربط بين الحصار المفروض على غزة ولبنان والحصار الاقتصادي والسياسي المفروض على اليمن، مبررًا العمليات العسكرية بوصفها وسيلة ضغط لكسر هذا الاختناق المحلي.
وهي طبقا للدراسة، محاولة لإيجاد الحوثيين مبررا محليا للدخول في الحرب دعمًا لحزب الله وإيران، بتقدير أن ذلك يمثل ورقة ضغط في الاتفاق الأشمل الذي سيضم ما يعرف بـ"محور المقاومة".

تصريحات تصعيدية
وعن دلالات ما صدر عن القادة الإيرانيين، والحديث عن إنشاء حزام أمني، قال الكاتب والمحلل السياسي الأردني، منذر الحوارات، إنها "تصريحات تصعيدية بامتياز ولا تأخذ في الحسبان مصالح دول الجوار ولا مكانتها الإستراتيجية، ويفترض أن إيران انتصرت بالحرب وتريد أن تضع الشروط".
وأضاف الحوارات في حديث لـ"الاستقلال" قائلا: "رغم أن هذا الحديث يدرج ضمن سياق العنجهية الإيرانية، لكنه يحمل رسالة تفاوضية؛ لأن قاآني لا يتحدث عن جغرافيا عسكرية، وإنما الأخطر من ذلك هو حديثه عن ممرين بحريين في منتهى الخطورة على الاقتصاد العالمي".
وتابع: "طهران تريد القول لواشنطن وتل أبيب إن الضغط عليها لن يبق محصورا داخل حدود إيران ومضيق هرمز، بل إنه يمكن أن يتحول إلى ضغط شامل على أمن الطاقة الملاحة العالمي".
ورأى الحوارات أن "التصريحات لا تنسجم مع مسار التهدئة الحالي، وإنما مع أسلوب إيران في التفاوض، فهي غالبا تفاوض وهي ترفع سقف التهديد، وأنها عندما تدخل مسار التهدئة لا تريد أن تبدو وكأنها تتخلى عن أدوات القوة، وأن مضيق هرمز كان واحدا من أهم هذه الأدوات لها".
ورأى الخبير السياسي أن "التصريح يوجه رسالتين، الأولى لأميركا، مفادها بأن أي اتفاق يجب أن يأخذ مصالح إيران الإقليمية في الحسبان، فإن طهران تريد أن تضع أجندة للمصالح الإيرانية وتحاول فرضها على الولايات المتحدة".
أما الرسالة الثانية من تصريحات قاآني، فإنها- بحسب الحوارات- موجهة للداخل الإيراني ومحورها في المنطقة بأن طهران لم تتراجع بعد الحرب والضربات القاسية التي وجهت إليها.
وبشأن مستقبل ما يعرف بـ"محور المقاومة" بعد الاتفاق الأميركي- الإيراني، قال الحوارات: إن هذا المحور سيبقى لكن ليس كالسابق؛ لأنه لن يختفِي بسهولة، كونه ليس تحالفا عسكريا فقط، وإن كان عمليا بدأ التفكيك التحالف العسكري بالتدريج بدءا من سوريا ولبنان والعراق، إضافة لليمن.
وبيّن الحوارات أن "هذا المحور ليس عسكريا بالدرجة الأولى، وإنما هو شبكة نفوذ سياسي أمني عقائدي بَنَتْها إيران خلال عقود طويلة، لكن اللافت هو أنه بعد طوفان الأقصى عام 2023، قلّ تماسكه عما كان عليه".
وأوضح أن "حزب الله اللبناني تلقى ضربات قاسية، وأن الساحة السورية أخرجت من اللعبة، وبالنسبة للفصائل في العراق، فإن هناك ضغطا أميركا بضرورة انضوائها في سياق الدولة العراقية، بالتالي كانت ثلاث جبهات، واحدة أخرجت، وبقيت اثنتين في سياق الإضعاف".
وتابع: "لكن تبقى جهة الحوثي في اليمن، هي الورقة البحرية الأكثر أهمية والأبرز بالنسبة لإيران، رغم أن للحوثيين حساباتهم الخاصة وليس بالضرورة كلها حسابات إيرانية".
وأعرب عن اعتقاده بأن "إيران أدركت أن الجبهة البرية من طهران إلى بغداد مرورا بدمشق وصولا إلى بيروت أصبحت مكشوفة ومكلفة، لذلك تحاول تعويض ذلك بجبهة بحرية أقل كلفة تمتد من هرمز إلى باب المندب".
ورأى الحوارات أن "هذا الأمر شديد الخطورة، ويعطي الحوثيين أهمية كبيرة؛ لأنهم يمنحون إيران ورقة ضغط على البحر الأحمر والملاحة الدولية، وبالتالي تضغط طهران بمضيق هرمز وباب المندب".
وعلى الصعيد الإستراتيجي، أكد الحوارات، أنها "محاولة لإعادة تعريف الردع الإيراني بعدما أصاب المحور من تصدع، فإن إيران تريد القول إنه حتى لو ضربت أذرعنا في لبنان وسوريا والعراق، فإننا ما زلنا نملك القدرة على تهديد الممرات الإستراتيجية".

















