من المنامة إلى النجف.. لماذا يغادر شيعة البحرين إلى العراق؟

يوسف العلي | منذ ١٣ ساعة

12

طباعة

مشاركة

مع تصاعد الضغوط التي تمارسها السلطات البحرينية على الطائفة الشيعية في البلاد، عقب وقوف عدد من أبنائها إلى جانب إيران في الحرب التي تخوضها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل منذ 28 فبراير/شباط 2026، بدأت المنامة في اتخاذ إجراءات شملت سحب الجنسية واعتقال عدد منهم بتهم تتعلق بالخيانة.

وفي المقابل، غادر عدد من الأشخاص الذين نالتهم هذه الإجراءات البحرين متجهين إلى العراق الذي سبق أن استضاف أحزابا معارضة وشخصيات دينية شيعية ملاحقة في بلدانها بقضايا مختلفة، يواجه بعض أصحابها أحكاما تصل إلى الإعدام.

تضييق الخناق

تبرر السلطات البحرينية تهمة "الخيانة" التي تلاحق بها العديد من أبناء الطائفة الشيعية بوقوفهم إلى جانب دولة توجه ضربات متكررة إلى أراضي المملكة تحت عنوان "استهداف الوجود الأميركي" فيها، وهو ما دأبت المنامة على نفيه، ووصفت تلك الهجمات بأنها "اعتداء سافر على السيادة".

وفي هذا السياق، كشف مدير المكتب السياسي لـ"ائتلاف 14 فبراير" البحريني المعارض، إبراهيم العرادي، أن السلطات اعتقلت نحو 312 مواطناً ومواطنة، حتى 18 أبريل/نيسان، منذ اندلاع الحرب على إيران.

ونقلت صحيفة "الأخبار" اللبنانية عن العرادي، في 28 أبريل/نيسان، قوله: إن "هؤلاء قد يواجهون محاكمات تصل عقوباتها إلى الإعدام". مشيراً إلى أن النيابة العامة طالبت، في إحدى الجلسات، بتنفيذ حكم الإعدام بحق مجموعة من المعتقلين الذين اتهمتهم بـ"التخابر مع العدو".

وأوضح أن هذه الاتهامات جاءت على خلفية تصوير مواقع استهدفتها صواريخ إيرانية مرتبطة بـ"الأسطول الأميركي الخامس" في منطقة الجفير، وهو ما عدته السلطات البحرينية "جريمة وخيانة عظمى". بحسب العرادي.

وأضاف أن السلطات أعلنت عن توقيف مجموعة تضم خمسة أشخاص، بينهم امرأة وشاب كفيف يدعى جعفر معتوق، كان قد أعرب عن استنكاره لاغتيال المرشد الإيراني السابق علي الخامنئي. لافتاً إلى أن السلطات عمدت إلى التشهير بالموقوفين عبر نشر صورهم وإطلاق حملات إعلامية ضدهم.

ونوه العبيدي إلى أن "غالبية الشيعة في العالم تنظر إلى الوقوف إلى جانب إيران بصفته جزءاً من عقيدتها ونصرة للطائفة، حتى لو أدى ذلك إلى القتال ضد قوات بلدانهم، كما حدث خلال الحرب العراقية الإيرانية، وكذلك عندما لبّى العديد من الحركات الشيعية النداءات الإيرانية للدفاع عن نظام بشار الأسد".

وشملت حملة الاعتقالات الموسيقي والناشط البيئي محمد جواد، والمنشد حسن نوروز، لاعب منتخب البحرين لكرة السلة، إضافة إلى عبدالله العلوي، بعد نشره مقطعاً مصوراً عبّر فيه عن رفضه انخراط بلاده في الحرب.

ولم تقتصر الإجراءات البحرينية على ملاحقة المتضامنين مع إيران، بل شملت أيضاً منع السفر إلى إيران والعراق، مع التلويح باتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين، مبررة القرار بتدهور الأوضاع الأمنية الناجم عما وصفته بـ"العدوان الإيراني الآثم".

وقالت وزارة الداخلية البحرينية، في بيان صادر بتاريخ 2 يونيو/حزيران: إنه "انطلاقاً من الحرص على حفظ أمن الوطن وسلامة جميع المواطنين، تقرر منع سفر المواطنين إلى كل من إيران والعراق حتى إشعار آخر".

ملاذ آمن

وبخصوص ما إذا كان العراق سيشكل بديلاً مستقراً للبحرينيين الشيعة الذين غادروا بلادهم، قال الباحث في الشأن العراقي حامد العبيدي: إن "المدن العراقية، لا سيما ذات الطابع الديني الشيعي مثل كربلاء والنجف، ستكون بالتأكيد ملاذاً آمناً لهم، خصوصاً أن الدولة بكل مؤسساتها مسخّرة لخدمة الشيعة داخل البلاد وخارجها".

وأضاف الباحث، في حديث لـ"الاستقلال"، أن "العراق لم يعد ملاذاً آمناً للمعارضة البحرينية فحسب، بل أيضاً للحوثيين اليمنيين، وحزب الله اللبناني، فضلاً عن المليشيات الأفغانية والباكستانية التي انسحبت من سوريا بعدما كانت تقاتل إلى جانب نظام بشار الأسد".

وتوقع العبيدي أن "تنتهج دول الخليج سياسة مختلفة تجاه العراق، تمارس من خلالها ضغوطاً على السلطات العراقية لمنع تحويل أراضيه إلى منطلق لأنشطة هذه الجهات ضدها، خاصة أن معظم دول الخليج تعرضت خلال السنوات الماضية لهجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية".

وأشار الباحث إلى أن "المعارضة البحرينية الموجودة في العراق تصدر مواقف سياسية مناهضة لبلدها بشكل مستمر، وكان آخرها الانتقاد الذي وجهه رجل الدين الشيعي البارز عيسى قاسم للقرار الملكي البحريني القاضي بتوحيد إدارة الأوقاف الجعفرية (الشيعية) والسنية تحت مظلة واحدة".

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد لوصول الرادود الشيعي البحريني محمد غلوم إلى العراق، بعد إبعاده من البحرين وسحب جنسيته بتهمة الولاء لإيران وخيانة بلاده؛ حيث استقبلته مؤسسة العتبات المقدسة في مدينة النجف العراقية.

وعلى مدى العقد الماضي، تحول العراق إلى موطن لعدد من جماعات المعارضة الخليجية، في مشهد قد يهدد جهود بغداد الرامية إلى تعزيز الاستقرار في علاقاتها مع جيرانها الجنوبيين.

وبعد الحملة الأمنية التي أعقبت احتجاجات المعارضة الشيعية في البحرين عام 2011، ودخول قوات "درع الجزيرة" الخليجية بقيادة السعودية، استقبل العراق عدداً من المنفيين البحرينيين، ومنح بعضهم حق اللجوء السياسي.

وفي أعقاب ذلك، أقدمت السلطات البحرينية على إسقاط جنسية نحو ألف معارض، بينهم 304 أشخاص خلال عام 2018 وحده، فيما وجد العديد من هؤلاء طريقهم إلى العراق.

وفي بيان صدر عام 2018، أعلن "ائتلاف شباب 14 فبراير" البحريني المعارض تأسيس "مجلس سياسي" في بغداد، ندّد خلال مؤتمره التأسيسي بما وصفه بـ"ظلم وبربرية دكتاتورية العاهل البحريني حمد بن عيسى آل خليفة"، مقدرا أن البحرين "تئن تحت الاحتلال السعودي".

نهاية الهامش

في موازاة إجراءات الاعتقال وسحب الجنسية التي أعقبت الحرب على إيران، أصدر العاهل البحريني، في 26 مايو/أيار 2026، مرسوماً ملكياً يقضي بإنشاء "مجلس شؤون الأوقاف الإسلامية" ليتولى إدارة الأوقاف السنية والجعفرية (الشيعية) تحت مظلة مؤسسية موحدة.

وعلى خلفية ذلك، هاجم المرجع الشيعي البحريني المقيم في العراق، عيسى قاسم، السلطات البحرينية، واتهم الجهات التي ستتولى إدارة الأوقاف الجعفرية بأنها "خائنة" وتخدم "الفجور" و"الفساد"، وذلك في تدوينة نشرها عبر منصة "إكس" بتاريخ 27 مايو/أيار.

وقال قاسم: "بقوانين اليوم الأرضية تُنتزع الأوقاف من الأيدي الأمينة إلى الأيدي الخؤونة، ومن خدمة البر والصلاح إلى خدمة الفجور والفساد، ومن اليد الشرعية التي ولاها الواقف على العين التي أوقفها إلى يد لا تحق لها الولاية، وهذا خلاف ما عليه الإسلام".

 

من جهته، قال الكاتب عبد الله البحراني: إن "توحيد الأوقاف يندرج ضمن مشروع لإعادة هندسة المجال الديني في البحرين، عبر تقليص الهياكل التقليدية التي كانت تمنح الطوائف هامشاً من الاستقلالية، واستبدالها بنموذج أكثر مركزية يخضع لإدارة الدولة المباشرة".

ورأى البحراني، في مقال نشرته صحيفة "مرآة البحرين" المعارضة في 29 مايو/أيار، أن القرار يُعد "جزءاً من سياسة تهدف إلى إحكام السيطرة على المؤسسات الدينية والاجتماعية التي لعبت دوراً في الحراك السياسي والاجتماعي، إلى جانب تجفيف أي مصادر تمويل مستقلة قد تدعم هذا الحراك".

وبالنسبة إلى قطاع واسع من الشيعة في البحرين، يمثل توحيد الأوقاف منعطفاً بالغ الحساسية؛ لأنه يأتي بعد سنوات من حل الجمعيات السياسية والمؤسسات الدينية المستقلة، مثل جمعية الوفاق الوطني الإسلامية والمجلس الإسلامي العلمائي، وفقاً للكاتب.

وفي هذا السياق، أكد البحراني أن "الأوقاف الجعفرية كانت تُعد آخر مؤسسة رسمية تعبّر عن الخصوصية الشيعية وتحظى بهامش محدود من الاستقلالية، ولذلك يُنظر إلى دمجها بصفته نهاية لهذا الهامش".

وأعرب الكاتب عن خشيته من أن تنعكس الإدارة الموحدة على الشعائر الحسينية والمواكب الدينية الشيعية، عبر فرض قيود تنظيمية أكثر صرامة، تحول هذه المناسبات من شأن أهلي تديره الطائفة إلى نشاط خاضع للرقابة الحكومية المباشرة.

وتُعد إدارة الأوقاف أحد أهم الملفات في الحياة الدينية والاجتماعية في دول الخليج عموماً، وفي البحرين على وجه الخصوص؛ إذ لطالما شكّلت الأوقاف الجعفرية ملفاً شائكاً وسبباً في كثير من الحراكات السياسية.

وتشير تقديرات إلى أن الإيرادات السنوية للأوقاف الجعفرية تتجاوز تسعة ملايين دينار بحريني (نحو 24 مليون دولار)، فيما تضم أكثر من 2831 عقاراً، إلى جانب أصول واستثمارات تُقدّر قيمتها بمئات ملايين الدنانير.