ما فرص نجاح العراق في تقليل اعتماده على مضيق هرمز عبر سوريا؟

مصعب المجبل | منذ ١٣ ساعة

12

طباعة

مشاركة

لم تعد أزمة مضيق هرمز بالنسبة للعراق مجرد احتمال جيوسياسي بعيد أو سيناريو نظري يُناقش في مراكز الدراسات، بل تحولت إلى واقع ضاغط يختبر بصورة مباشرة قدرة الدولة على حماية شريانها الاقتصادي الأهم: النفط. فكل اضطراب في هذا الممر البحري الحيوي ينعكس فوراً على اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على العائدات النفطية.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الإيرانية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية التي اندلعت نهاية فبراير/شباط 2026، باتت حركة الصادرات العراقية عبر الخليج تواجه قيوداً متزايدة، ما وضع الحكومة في بغداد أمام معادلة صعبة بين استمرار التصدير وتجنب المخاطر الجيوسياسية المتنامية.

هذا التحول لا يتعلق فقط بانخفاض كميات النفط المصدرة أو ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، بل يمس جوهر الأمن الاقتصادي العراقي، ويعيد طرح أسئلة قديمة حول هشاشة الاعتماد على منفذ واحد يمر عبر منطقة شديدة الحساسية والتقلبات.

أمام هذا الواقع، تجد بغداد نفسها مضطرة إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى البحث عن حلول إستراتيجية عاجلة، تشمل تنويع مسارات التصدير، وتوسيع خيارات النقل، وتقليل الارتهان لمضيق هرمز الذي طالما شكل نقطة ضعف بنيوية في منظومة الطاقة العراقية.

مسار بديل

برزت سوريا في الآونة الأخيرة بوصفها خياراً إستراتيجياً جديداً ضمن خيارات العراق لتنويع مسارات تصدير النفط؛ إذ يوفر هذا المسار منفذاً مباشراً نحو البحر المتوسط والأسواق الأوروبية، ويمنح دمشق في المقابل فرصة لإعادة تفعيل دور موانئها الحيوي وتعزيز موقعها في معادلات الطاقة الإقليمية.

ويأتي هذا التحول في وقت يواجه فيه العراق تحديات متزايدة في اعتماده التقليدي على مضيق هرمز، الذي يشكل المنفذ الرئيس لصادراته النفطية. فمع تصاعد التوترات الإقليمية عقب اندلاع الحرب في المنطقة، باتت بغداد أمام واقع جديد فرض ضرورة البحث عن بدائل أكثر أماناً واستقراراً لضمان تدفق صادراتها الحيوية.

وفي هذا السياق، وافق مجلس الوزراء العراقي في 2 يونيو/حزيران 2026 على توقيع اتفاق مع سوريا يشمل نقل وتخزين ومناولة خام البصرة الخفيف والمتوسط والثقيل عبر مينائي بانياس وطرطوس على البحر المتوسط، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية في الخليج العربي.

وتؤكد الحكومة العراقية أن هذا المشروع يمثل تحولاً إستراتيجياً في سياسة تصدير النفط، إذ يمنح البلاد مرونة أكبر في مواجهة أي اضطرابات جيوسياسية أو لوجستية قد تؤثر على حركة الملاحة في المنطقة، ويضمن استمرار تدفق العائدات النفطية بصفتها المصدر الأساسي لتمويل الموازنة العامة.

وبحسب بيانات حكومية صدرت في مايو/أيار 2026، تسعى بغداد إلى رفع صادراتها النفطية إلى نحو 770 ألف برميل يومياً عبر المسارات البديلة، بعد أن تسببت الاضطرابات في الخليج في تقليص الاعتماد على المضيق الحيوي كممر رئيس للتصدير.

وكان وزير النفط العراقي باسم محمد خضير قد كشف في وقت سابق أن حجم الصادرات العراقية عبر مضيق هرمز تراجع بشكل حاد من 93 مليون برميل إلى نحو 10 ملايين برميل فقط خلال أبريل/نيسان 2026، ما يعكس حجم التأثر الكبير الذي أصاب قطاع الطاقة في البلاد نتيجة التطورات الأمنية الإقليمية.

وقبل اندلاع الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، كان العراق يعتمد على تصدير نحو 3.5 ملايين برميل يومياً، تمثل قرابة 90% من إيرادات الموازنة العامة، إلا أن هذا الرقم تراجع لاحقاً إلى نحو 1.4 مليون برميل يومياً نتيجة تعطل مسارات التصدير الرئيسة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

ومع استمرار تعثر الملاحة في مضيق هرمز، اتجهت بغداد إلى استخدام مسارات بديلة، من بينها نقل النفط بواسطة شاحنات الصهاريج عبر الأراضي السورية، إلى جانب إعادة تشغيل جزئية لخط الأنابيب الواصل إلى ميناء جيهان التركي، بما يتيح هامشاً محدوداً لتصدير الخام.

وفي مطلع أبريل/نيسان 2026، دخلت أولى قوافل النفط العراقي إلى الأراضي السورية عبر معبر التنف–الوليد الحدودي باتجاه مصفاة بانياس، في خطوة تمثل بداية عملية لإعادة تدوير الخام وإعادة تصديره، حيث ضمت القوافل نحو 299 صهريجاً وفق بيانات الشركة السورية للبترول.

وتشير المعطيات الاقتصادية إلى أن هذا المسار لا يقتصر على كونه حلاً بديلاً للعراق، بل ينعكس أيضاً على الاقتصاد السوري من خلال تنشيط حركة الترانزيت وزيادة إيرادات الموانئ والخدمات اللوجستية، إضافة إلى إعادة تشغيل بنية تحتية كانت شبه متوقفة منذ سنوات.

كما يعزز هذا التعاون من أهمية الموقع الجغرافي لسوريا بوصفها نقطة وصل إستراتيجية بين الشرق والبحر المتوسط، ما يفتح المجال أمام ربط نفط ومشتقات دول الجوار بالأسواق الأوروبية بشكل أكثر مرونة.

وفي تطور لافت يعكس عمق هذا التعاون، أعلنت شركة تسويق النفط العراقية "سومو" في أبريل/نيسان 2026 بدء تصدير أولى شحنات النفط عبر ميناء بانياس باتجاه الأسواق الأوروبية، وسط تقارير تتحدث عن توسع تدريجي في حجم الإمدادات النفطية العراقية المارة عبر الأراضي السورية.

 منفذ تصدير 

ويرى خبراء في قطاع الطاقة أن توجه العراق نحو استخدام موانئ بانياس وطرطوس يمثل خطوة إستراتيجية تمنحه منفذاً إضافياً على البحر المتوسط، ويعزز قدرته على الوصول إلى الأسواق الأوروبية، إلى جانب تقليل الاعتماد على مسار تصدير واحد يمر عبر بيئة جيوسياسية شديدة التقلب. وفي المقابل، تستفيد سوريا من تنشيط مرافقها اللوجستية والبحرية، خاصة في مجالات التخزين والنقل والطاقة على ساحلها.

وفي هذا الإطار، يقول الباحث الاقتصادي رضوان الدبس في حديثه لـ"الاستقلال": إن "العراق بات ينظر إلى سوريا بوصفها جزءاً من منظومة الأمن الطاقي، وليست مجرد مسار بديل عابر لتصدير النفط".

ويضيف الدبس أن "الاعتماد العراقي التقليدي كان يتم عبر ميناء البصرة أو خطوط الأنابيب المتجهة إلى ميناء جيهان التركي، إلا أن هذه المسارات لطالما واجهت اضطرابات مرتبطة بخلافات سياسية وأمنية، سواء داخل إقليم كردستان أو في مناطق العبور، ما يؤدي أحياناً إلى توقف الصادرات بشكل متكرر".

ويشير إلى أن "خطوط التصدير الحالية، رغم أهميتها، لا توفر استقراراً كاملاً، إذ إن خط البصرة مرتبط مباشرة بمضيق هرمز وما يشهده من توترات إقليمية متصاعدة، وهو ما يدفع العراق عملياً إلى البحث عن بدائل أكثر أماناً واستقراراً".

ويلفت الدبس إلى أن "هناك خطوطاً تاريخية مثل التابلاين وخطوط النفط العراقية القديمة، لكنها تحتاج إلى عمليات إعادة تأهيل شاملة بعد سنوات طويلة من التوقف قد تتجاوز 10 إلى 15 عاماً، وهو ما يجعل الاعتماد على النقل البري والبحري المؤقت خياراً أكثر واقعية في المرحلة الحالية".

ويتابع أن "الخطوة الأولى التي اتخذها العراق تمثلت في فتح مسارات تصدير إضافية إلى جانب المسارات التقليدية عبر البصرة أو كردستان، وكان من أبرز هذه المسارات الاتجاه نحو سوريا بوصفها منفذاً بحرياً بديلاً".

أما الخطوة الثانية، بحسب الدبس، فتتمثل في "استئجار وتخصيص مساحات لتخزين النفط العراقي داخل موانئ طرطوس وبانياس، وهو ما يعزز القدرة التشغيلية ويضمن وجود خام عراقي جاهز دائماً للتصدير عبر المتوسط".

ويضيف أن "هذه الآلية تهدف إلى رفع مستوى الاستمرارية في التصدير، بحيث لا يتأثر تدفق النفط العراقي بشكل كامل في حال حدوث أي اضطراب في الخليج أو في خطوط النقل البرية".

ويؤكد الدبس أن "الهدف الأساسي من هذه الإستراتيجية هو تقليل التعرض للمخاطر الجيوسياسية في الخليج العربي، إضافة إلى تجنب الانقطاعات المتكررة المرتبطة بالخلافات مع إقليم كردستان، والتي أثرت في أكثر من مرة على انتظام الصادرات".

ويختم بالقول إن "سوريا، رغم أنها ليست محوراً رئيساً في منظومة تصدير النفط العراقي، فإنها أصبحت أحد العناصر المهمة في معادلة تنويع المنافذ، وتمثل ورقة مساعدة في تعزيز مرونة العراق النفطية في مواجهة المتغيرات الإقليمية".

مرونة إستراتيجية

تشهد المنافذ البرية والبحرية في الجمهورية العربية السورية مرحلة إعادة هيكلة وإعادة تنظيم على المستويين الإداري واللوجستي، في إطار مساعٍ تهدف إلى استعادة كفاءتها التشغيلية بعد سنوات من التراجع الذي رافقه تضرر واسع في البنية التحتية وتحديات متراكمة في الإدارة خلال المرحلة السابقة.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع في 23 أبريل/نيسان 2026، خلال مؤتمر صحفي في برلين إلى جانب المستشار الألماني فريدريش ميرتس، أن سوريا تسعى إلى ترسيخ موقعها كممر بري آمن لسلاسل التوريد وإمدادات الطاقة، مشيراً إلى أن البلاد تمثل حلقة وصل طبيعية بين الشرق والغرب.

وكشف الشرع عن وجود "نقاشات واسعة مع دول المنطقة" تهدف إلى تطوير مسارات آمنة ومستقرة لسلاسل التوريد والطاقة، في إشارة إلى رغبة دمشق في إعادة تموضعها داخل الخريطة الاقتصادية الإقليمية بعد سنوات من التراجع.

وفي ضوء هذه التحركات، فإن عودة الزخم إلى العلاقات الاقتصادية السورية–العراقية تتجاوز مجرد إعادة فتح المعابر الحدودية أو تنشيط حركة النقل البري، لتكشف عن تحولات أعمق تفرضها إعادة تشكيل منظومة الطاقة والتجارة في المنطقة.

ففي ظل الضغوط المتزايدة التي تواجه مسارات التصدير التقليدية، ولا سيما بالنسبة للعراق، برزت سوريا مجدداً بوصفها منفذاً إستراتيجياً نحو البحر المتوسط، بما يعكس اتجاهاً متنامياً نحو إعادة رسم جزء من الخريطة الاقتصادية للمشرق خلال السنوات المقبلة.

ويأتي التوجه العراقي نحو اعتماد المسار السوري ضمن سياق أوسع لإعادة هندسة أمن الطاقة في المنطقة، يقوم على تنويع المنافذ وتقليل الارتهان للممرات البحرية شديدة الحساسية.

وفي هذا الإطار، يوضح الباحث الاقتصادي المتخصص في التخطيط الإستراتيجي وإدارة المخاطر مهند الزنبركجي، في حديث لصحيفة “الثورة السورية” في مايو/أيار 2026، أن أهمية هذا المسار لا تقتصر على الأبعاد التشغيلية المباشرة، بل تكمن أساساً في ما يوفره من "مرونة إستراتيجية" لعمليات التصدير العراقية.

ويشير الزنبركجي إلى أن تكلفة نقل برميل النفط عبر الأنابيب غالباً ما تكون أقل من النقل البحري في الظروف المستقرة، إذ تتراوح بين 2 و4 دولارات للبرميل بحسب المسافة وكفاءة البنية التحتية، في حين ترتفع هذه التكاليف بشكل ملحوظ في حالات التوترات البحرية أو زيادة تكاليف التأمين.

ويضيف أن إنشاء مسار بري–بحري عبر الأراضي السورية باتجاه البحر المتوسط يتيح للعراق خياراً أسرع للوصول إلى الأسواق الأوروبية، مع إمكانية تقليص زمن الشحن لعدة أيام مقارنة بالمسارات التقليدية عبر مضيق هرمز وقناة السويس.

أما على الجانب السوري، فيرى الزنبركجي أن هذا المسار قد يحمل انعكاسات اقتصادية مباشرة، رغم التحديات القائمة، إذ يمكن لرسوم العبور والخدمات اللوجستية أن تولد إيرادات سنوية تتراوح بين 500 مليون ومليار دولار في حال تشغيل الخطوط بطاقة متوسطة، وهو ما يمثل دعماً مهماً لاقتصاد يعاني من انكماش حاد وضغوط هيكلية متراكمة.

الكلمات المفتاحية