رحلات عمّان–صنعاء.. ماذا وراء الترحيب السعودي والرفض الحوثي؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أثارت مبادرة الأردن بتسيير رحلات منتظمة من عمّان إلى صنعاء، تساؤلات عدة عن دلالات هذه الخطوة، خصوصا بعد التوتر الذي حصل في اليمن جرّاء استهداف التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية مطار صنعاء، ورد الحوثيين باستهداف مطار أبها.

وفي 13 يوليو/ تموز 2026، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، فيما ذكرت وكالة "فارس" أن طائرة "ماهان" التي تقل وفد الحوثيين العائد من إيران، توجهت إلى مطار الحديدة في غرب اليمن بعد الهجوم على مطار صنعاء.

وأكد رئيس المجلس الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أن "مليشيا الحوثي أصرت على المضي على استقبال رحلة إيرانية جوية جديدة خارج الأطر القانونية والسيادية المنظمة لحركة الطيران المدني"، حسبما نقلت وكالة الأنباء الرسمية (سبا) في 14 يوليو.

مبادرة الأردن

وفي ظل هذه الظروف، أعلنت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية، في 17 يوليو، أن الخطوط الملكية الأردنية ستنفذ مبادرة لتسيير رحلات منتظمة من عمّان إلى صنعاء.

وأوضحت الخارجية الأردنية في بيان أن هذه الخطوة تأتي "استجابة للاحتياجات الإنسانية للأشقاء في الجمهورية اليمنية الشقيقة، ودعماً لجهود المملكة العربية السعودية الشقيقة في دعم مسار السلام في اليمن، وتنفيذاً للتفاهمات السابقة حول تسيير رحلات تجارية بين الأردن واليمن"، وفق وكالة "بترا".

فيما أكدت أنه سيجري العمل على استكمال الإجراءات الفنية واللوجستية لتسيير الرحلات.

من جهتها، رحبت الحكومة اليمنية بالمبادرة الإنسانية التي أطلقها الأردن، معربة عن بالغ تقديرها للموقف الأردني الثابت إلى جانب اليمن على امتداد العقود الماضية، حسب وكالة "سبأ".

وأكدت الحكومة التزامها الكامل بتوفير جميع التسهيلات اللازمة لإنجاح هذه المبادرة، "انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه المواطنين، وإيمانها بأن حماية مصالح اليمنيين وتخفيف معاناتهم تمثل أولوية وطنية قصوى، لا تنفصل عن واجبها الدستوري في صون السيادة الوطنية".

وشددت على أن "هذه المبادرة تنسجم بصورة كاملة مع المبادرات التي سبق أن طرحتها الدولة اليمنية لتشغيل مطار صنعاء بصورة قانونية وآمنة عبر الناقل الوطني، الخطوط الجوية اليمنية، إلى أي وجهة يتم الاتفاق عليها، وبما يكفل خدمة جميع المواطنين دون تمييز، ويحفظ سيادة البلاد".

وجددت الحكومة اليمنية التأكيد على أن "مليشيا الحوثي، كانت وراء إعاقة وإجهاض المبادرات كافة لتشغيل الناقل الوطني شركة الخطوط الجوية اليمنية، وهي اليوم ملزمة بالكف عن الاستمرار في هذا النهج التخريبي، والإفراج عن أموال الشركة، وأصولها المحتجزة".

من جهتها، أعربت وزارة الخارجية السعودية، في اليوم نفسه عن ترحيب المملكة بالمبادرة التي أعلنت عنها الخارجية الأردنية بشأن تسيير رحلات تجارية منتظمة بين عمّان وصنعاء، بما يسهم في تلبية الاحتياجات الإنسانية للشعب اليمني وتيسير حركة المدنيين.

وأوضحت الوزارة في بيان، أن المملكة ترحب بموافقة الحكومة اليمنية على هذه المبادرة، بصفتها خطوة إيجابية تعكس حرصها على تسهيل الإجراءات التي تخدم المواطنين اليمنيين وتدعم الجهود الرامية إلى تخفيف المعاناة الإنسانية، وفق وكالة "واس".

ودعت الخارجية السعودية الحوثيين إلى التفاعل الإيجابي مع هذه المبادرة بدلاً من تكرار قراراتهم السابقة التي تسببت في زيادة معاناة الشعب اليمني والتوقف عن أي ممارسات أو إجراءات تصعيدية تجر اليمن وشعبه لمزيد من المعاناة.

لكن جماعة الحوثي، رفضت مبادرة الأردن، فقد أعلن عبد الواحد أبو راس نائب وزير خارجية حكومة الحوثيين (غير المعترف بها دوليا) أن ما تطالعنا به إعلانات بعض شركات الطيران عن استئناف رحلاتها إلى مطار صنعاء هو شأنها و"مزايدات تافهة في ظرف حساس".

وقال أبو راس: إن الحركة قررت "انتزاع كامل الحقوق وليس الرحلات الجوية فقط وبدون استجداء من أحد"، حسبما قالت وكالة "سبأ" التابعة للحوثيين.

دلالات متعددة

وبخصوص الخطوة الأردنية وتوقيتها، وأسباب رفض الحوثيين لها، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني أحمد الزرقة، إن "المبادرة تحمل مستويين متداخلين، الأول إنساني يتعلق بتخفيف معاناة المدنيين واستئناف حركة السفر، والثاني، سياسي وأمني يرتبط بإدارة تداعيات أزمة طائرة ماهان".

وأضاف الزرقة لـ"الاستقلال" أنه "من الصعب النظر إلى المبادرة بصفتها تحركًا أردنيًا منفصلًا عن السياق الإقليمي، فهي جاءت في إطار تنسيق مع السعودية والحكومة اليمنية، بعد أن تحولت أزمة الطائرة الإيرانية إلى نقطة توتر هددت بإعادة فتح جبهة المواجهة المباشرة بين الحوثيين والرياض". 

وأشار إلى أن "السعودية كانت بحاجة إلى مخرج يحقق معادلة دقيقة: استمرار الرحلات الإنسانية من جهة، ومنع تكريس خط جوي مباشر بين صنعاء وطهران من جهة أخرى".

ورأى الزرقة أن "اختيار الأردن لم يكن اعتباطيا، فعمّان ترتبط بعلاقات سياسية وإستراتيجية وثيقة مع السعودية، كما أنها راكمت خلال السنوات الماضية حضورًا مؤسسيًا في الملف اليمني، كما احتضنت جولات مفاوضات الأسرى بين الحكومة اليمنية والحوثيين، وبذلك أصبحت تمتلك موقعًا يسمح لها بالتحرك".

وأكد أن "توقيت المبادرة لا يمكن فصله عن أزمة (ماهان). فبعد منع الطائرة الإيرانية، وما تبعه من استهداف مدرج مطار صنعاء، ثم رد الحوثيين بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه السعودية، أصبحت الأزمة مرشحة للانتقال من خلاف على رحلة جوية إلى أزمة إقليمية مفتوحة".

ولفت إلى أن "الترحيب السعودي بالمبادرة يعكس عدة تقديرات متداخلة. أولها أنها تسحب من الحوثيين واحدة من أهم أوراقهم الدعائية، وهي اتهام الرياض بإغلاق مطار صنعاء ومنع سفر المدنيين. فحين تتوفر رحلات منتظمة عبر الأردن، يصبح من الأسهل على السعودية القول إن اعتراضها ليس على تشغيل المطار، وإنما على الرحلات الإيرانية غير المنسقة مع الحكومة اليمنية".

وتابع: "ثانيها، أن المبادرة تحقق هدفًا أمنيًا يتمثل في إعادة تنظيم الحركة الجوية ضمن إطار يخضع للإجراءات المعترف بها دوليًا، بما يقلل من فرص استخدام المطار لتعزيز العلاقة العسكرية أو اللوجستية بين الحوثيين وإيران".

أما ثالثها، وفقا للكاتب، فإن "الرياض تبدو معنية بتوسيع قنوات التواصل في الملف اليمني. فمنذ سنوات اعتمدت بصورة كبيرة على الوساطة العُمانية في التواصل مع الحوثيين، لكن إدخال الأردن في هذا الملف قد يفتح قناة عربية إضافية، ولو في الجانب الإنساني والفني، بما يمنح السعودية هامشًا أوسع في إدارة الأزمة ويقلل من اعتمادها على وسيط واحد".

في المقابل، لا يرتبط الرفض الحوثي بالمبادرة فقط لأنها لا تحقق مطالبهم الإنسانية، وإنما لأنها لا تحقق السقف السياسي والأمني والاقتصادي الذي تسعى إليه الجماعة، وفقا للزرقة.

ولفت إلى أن "جماعة الحوثي لم تكن تدافع فقط عن خط جوي مع إيران، بل كانت عن الصورة التي رسمتها لنفسها بصفتها طرفا قادرا على فرض إرادته بالقوة. وكلما ارتفع سقف التهديد، تقلصت مساحة المناورة السياسية، لأن أي تنازل لاحق يحتاج إلى مبررات تحفظ صورة القوة أمام الأنصار".

معادلات جديدة

من جهته، قال عدنان الجبرني الصحفي اليمني المختص في الشؤون العسكرية وجماعة الحوثي، إن "الحكومة الشرعية لا تمانع استئناف الرحلات من وإلى مطار صنعاء عبر الخطوط الجوية اليمنية وفق ترتيبات متفق عليها، فيما يُصر الحوثي على أن يكون فتح المطار عبر الخطوط الجوية الايرانية ومسار صنعاء – طهران".

وأضاف الجبراني خلال تدوينة على "إكس" في 13 يوليو، أن "كلمة السر الأهم تكمن في أن هدف الجماعة ليس فتح المطار وتسهيل سفر المواطنين أو حتى تنفيذ استحقاقات خارطة الطريق؛ وإنما لأن الحوثي أصبح يعتقد أن هذه هي اللحظة المناسبة لفرض معادلات جديدة في المنطقة وهو هدف عام للمحور ككل".

وتابع: "لذلك يتذرع (الحوثي) بالمطار بهذه الطريقة الغريبة، ولكن حتى لو تمت الموافقة على خط صنعاء - طهران مثلا، وكذلك العودة للتفاوض بشأن خارطة الطريق فإن عبدالملك (زعيم جماعة الحوثي) سيجد مبرراً آخر لمواصلة التصعيد والحرب".

من جهتها، قالت ميساء شجاع الدين الباحثة في مركز "صنعاء" للدراسات، إنه "رغم  التصعيد الأخير في اليمن جاء نتيجة وصول طائرتين إيرانيتين غير مصرح لهما إلى مطارات خاضعة لسيطرة الحوثيين، فإن المحفز الحقيقي لهذا التصعيد يكمن في مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران في 18 يونيو الماضي، وفي السياق الإقليمي الأوسع".

وأضافت الباحثة خلال تقدير موقف نشره المركز في 17 يوليو، إنه "منذ توقيع المذكرة، كثفت وسائل الإعلام الحوثية خطابها المناهض للسعودية، مطالبةً بالتنفيذ الفوري لخارطة الطريق والوفاء بالتنازلات السياسية والمالية التي تتوقع الجماعة الحصول عليها من الرياض".

وتنظر إيران وحلفاؤها إلى مذكرة التفاهم بصفتها انتصارًا سياسيًا حاسمًا، فقد استجاب البند الأول منها لأحد أبرز مطالب طهران، من خلال الربط الصريح بين وقف إطلاق النار الثنائي بين الولايات المتحدة وإيران وبين وقف العمليات العسكرية في لبنان. وفقا للباحثة.

نتيجة لذلك، ترى شجاع الدين أن الشعار الإيراني القائم على “وحدة الجبهات” الذي يؤكد التضامن والدفاع المتبادل بين أطراف المحور، حظي بقدر أكبر من الاعتراف، حتى من جانب خصومه.

ولفتت إلى أنه استنادًا لهذا الإنجاز المتصور، سعى الحوثيون إلى استثمار هذا الزخم لتعزيز نفوذهم السياسي، سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي، كما يمثل هذا التصعيد وسيلة فعالة لحشد التأييد الداخلي وصرف الأنظار عن الاضطرابات القبلية في محافظة الجوف، وعن تنامي الغضب الشعبي نتيجة التدهور الاقتصادي في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

وفي 18 يوليو، أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، منع طائرة تابعة لشركة "ماهان" الإيرانية من مواصلة رحلتها إلى العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين)، مؤكدة أن الطائرة لم تحصل على التصاريح الرسمية المطلوبة لدخول الأجواء اليمنية. 

وقال وزير النقل في الحكومة اليمنية، محسن العمري، في تصريحات للتلفزيون الحكومي، إن سلطات الطيران المدني ألزمت الطائرة بالعودة بسبب عدم مرور الرحلة عبر القنوات والإجراءات القانونية المعتمدة لدى الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد في عدن.

وأضاف أن القرار يأتي في إطار تنظيم حركة الطيران والحفاظ على الإجراءات السيادية المتعلقة بإدارة المجال الجوي اليمني. 

ويشهد قطاع الطيران اليمني انقساما في إدارة المطارات والمجال الجوي منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، إذ تخضع مطارات رئيسة، بينها مطار صنعاء الدولي، لسلطة جماعة الحوثيين، بينما تدير الحكومة المعترف بها دولياً هيئة الطيران المدني من العاصمة المؤقتة عدن.