سوريا الجديدة تطوي صفحة الوصاية على لبنان.. ما الذي تغير؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

نشرت مؤسسة "سيتا" التركية للأبحاث والدراسات ورقة بحثية للباحث اللبناني صهيب جوهر، الزميل البحثي المقيم في "معهد السياسة والمجتمع"، تناول فيها أسباب رفض دمشق العودة إلى دورها السياسي والأمني السابق في لبنان رغم الضغوط الأميركية.

وذكر جوهر أن الجدل حول دور سوريا في لبنان عاد إلى الواجهة وسط تحولات جيوسياسية عميقة تعيد تشكيل الشرق الأوسط.

وأكد أن السؤال المحوري لم يعد ما إذا كانت القيادة السورية الجديدة تعتزم استعادة نفوذها السياسي والأمني الذي مارسته قبل عام 2005، بل ما إذا كانت تنظر إلى لبنان بالعدسة الإستراتيجية نفسها التي وجّهت السياسة السورية لعقود.

وأوضح الباحث أن هذا الجدل يتجاوز العلاقات الثنائية اللبنانية-السورية؛ إذ يعكس تنافسا أوسع على هندسة مستقبل بلاد الشام.

فمن جهة تقف رؤية إسرائيلية تسعى لإعادة تنظيم المنطقة عبر ترتيبات أمنية ثنائية ومسارات دبلوماسية مجزأة، ومن جهة أخرى تبرز رؤية إقليمية بديلة تقوم على تعاون بين الدول وتكامل اقتصادي يضم سوريا وتركيا والسعودية وقطر ومصر.

وأشار جوهر إلى أن سوريا أعادت تموضعها عمدا ضمن هذا المشهد المتحول؛ إذ باتت دمشق تقدّم نفسها طرفا في مشروع تكامل إقليمي أوسع قائم على علاقات سيادية بين الدول لا على الوصاية السياسية، بدل السعي لاستعادة نفوذها التقليدي في لبنان.

وأضاف أن هذا التحول الإستراتيجي بات جليا منذ تولي الرئيس أحمد الشرع الحكم، وتجسّد علنا خلال زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى بيروت في يوليو/تموز 2026، حين رفضت دمشق باستمرار مقترحات كان يمكن أن تعيدها إلى الديناميكيات السياسية والأمنية الداخلية اللبنانية.

جدل يتجاوز بيروت ودمشق

وأوضح جوهر أن هذا الجدل المتجدد لم ينطلق من بيروت أو دمشق، بل من إعادة تقييم إستراتيجي أوسع جرت في واشنطن وعواصم إقليمية أخرى عقب الحرب الإقليمية الأخيرة؛ إذ بات لبنان يُنظر إليه جزءا من بنية أمنية إقليمية أوسع لا ساحة داخلية معزولة.

ولفت الباحث إلى أن المنطق الأميركي بدا مباشرا؛ فسوريا تتشارك مع لبنان أطول حدود برية له، وتبقى مرتبطة عميقا ببيئته الاقتصادية والأمنية، ومارست تاريخيا نفوذا كبيرا في شؤونه.

وأضاف أن ذلك دفع بعض صانعي القرار لاستنتاج أن أي ترتيب أمني دائم في لبنان، لا سيما بشأن ضبط الحدود وتهريب السلاح ومستقبل حزب الله وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، يستلزم ضلوعًا سوريًا ما.

واستدرك جوهر بأن هذا الافتراض استند إلى قراءة قديمة للتفكير الإستراتيجي السوري، عكست إرث النظام الإقليمي لما قبل عام 2005، حين عدت دمشق لبنان مكونا حيويا لنفوذها الإقليمي.

وذكر الباحث أن الحسابات الإسرائيلية عزّزت هذا التصور، إذ سعت إسرائيل منذ اندلاع الحرب الإقليمية لإعادة تصميم مشهد بلاد الشام عبر ترتيبات ثنائية منفصلة مع كل دولة مجاورة، بدل تشجيع تنسيق إقليمي جماعي.

وأضاف أن التكهنات حول عودة سورية محتملة إلى لبنان خلقت حالة من عدم اليقين الداخلي، وغذّت تنافسا بين بيروت ودمشق على المسارات الدبلوماسية المقبلة، وعزّزت انطباعا بأن التطبيع الإقليمي يمكن أن يمضي عبر اتفاقات ثنائية مجزأة لا أطر إقليمية منسقة.

واستدرك الباحث بأن هذا الرفض ليس تكتيكيا ولا مؤقتا، بل يعكس إعادة تقييم شاملة لأولويات سوريا الإقليمية وعقيدتها الأمنية الوطنية.

ورأى أن رفض دمشق التدخل مجددا في لبنان لا ينبغي تفسيره سياسة لبنانية بحتة، بل جزء من إستراتيجية سورية أوسع لإعادة التموضع ضمن نظام إقليمي جديد قائم على الترابط الاقتصادي والتنسيق السياسي بدل التنافس الجيوسياسي.

وأوضح جوهر أن الافتراض الأميركي بأن سوريا قد تكون مستعدة لإعادة فرض نفوذها في لبنان قلّل من حجم إعادة تعريف دمشق لأولوياتها الإستراتيجية بعد سقوط نظام الأسد.

وبيّن أن القيادة السورية لم تعد تنظر إلى النفوذ الإقليمي عبر عدسة الوصاية السياسية أو الهيمنة الأمنية، بل باتت تقيس نجاحها الإستراتيجي بقدرتها على استعادة قدرة الدولة وجذب الاستثمار وتطبيع العلاقات الإقليمية.

وذكر الباحث أن هذا التحول متجذر في إعادة تقييم أوسع لتجربة سوريا السياسية الحديثة، فلعقود ثلاثة تقريبا شكّل لبنان مكانة مركزية في الإستراتيجية الإقليمية السورية، وعُدّ النفوذ السياسي في بيروت امتدادا للأمن القومي السوري.

 نظام إقليمي لم يعد قائما

لكن ذلك النموذج، بحسب جوهر، بُني على نظام إقليمي لم يعد قائما، وتغيّرت البيئة الجيوسياسية التي مكّنت سوريا من إدارة لبنان عبر النفوذ المباشر تغيرا جذريا.

وأضاف أن التحدي الرئيس أمام القيادة السورية الجديدة لم يعد الحفاظ على النفوذ خارج حدودها، بل إعادة بناء السلطة داخلها؛ إذ تركت سنوات النزاع سوريا تحت ضغوط اقتصادية ومؤسسية واجتماعية هائلة.

وأوضح أن إعادة الإعمار والإصلاح المؤسسي وإعادة الاندماج الاقتصادي الإقليمي باتت في صميم سياسة الحكومة، على حد قوله.

ولفت جوهر إلى أن تحمّل مسؤولية الديناميكيات السياسية الداخلية اللبنانية لن يعزز مكانة سوريا الإقليمية، بل سيحوّل رأس المال السياسي والموارد المالية بعيدا عن أولويات تُعد أساسية للتعافي الوطني طويل الأمد.

وأضاف أن دمشق باتت ترى استقرار لبنان هدفا إستراتيجيا بحد ذاته، لا ساحة تتطلب إدارة سياسية.

وأكد الباحث أن تقييم سوريا للتكاليف الإقليمية المرتبطة بأي تدخل متجدد لا يقل أهمية؛ إذ إن العودة إلى لبنان ستحيي حتما الشكوك التاريخية لدى الفاعلين السياسيين اللبنانيين.

وأضاف أنها ستعقّد أيضا تقارب سوريا مع الدول العربية، وتعرّض دمشق لرقابة دولية متجددة في وقت تسعى فيه بنشاط إلى التطبيع الدبلوماسي والاندماج الاقتصادي.

وخلص جوهر إلى أن هذه التكاليف، من منظور القيادة الحالية، تفوق كثيرا أي ميزة إستراتيجية محدودة قد يوفرها استعادة النفوذ السياسي في لبنان.

وهذا ما يفسر رفض دمشق المستمر لمقترحات دور أمني سوري متجدد هناك، حتى حين بدت متوافقة مع الجهود الأميركية الأوسع لتثبيت استقرار الساحة اللبنانية.

وتابع الباحث أن صانعي القرار السوريين باتوا يعتقدون أن الاستقرار المستدام لا يتحقق باستعادة الوصاية الخارجية على لبنان، بل بتعزيز القدرة المؤسسية للدولة اللبنانية نفسها، وأن سوريا تسعى للمساهمة في استقرار لبنان بصفتها دولة جارة لا حكما سياسيا.

زيارة الشيباني إلى بيروت

ورأى جوهر أن زيارة الشيباني إلى بيروت قدّمت أوضح تعبير علني عن هذا التحول الإستراتيجي، خلال لقاءاته مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام.

وشدد الوزير السوري، بحسب الباحث، على أن العلاقات بين بيروت ودمشق ستُدار حصرا على أساس التعامل بين دولتين.

وأضاف الباحث أن مضمون الزيارة عزّز هذه الرسالة؛ إذ ركّزت المباحثات على إدارة الحدود والتعاون الاقتصادي وشبكات النقل والربط الطاقوي والتجارة والتنسيق الأمني، وهي مجالات تتقاطع فيها المصالح المشتركة دون أن تتحمّل سوريا مسؤولية التوازن السياسي الداخلي اللبناني.

ولفت جوهر إلى أن دمشق تجنبت عمدا تقديم نفسها وسيطا بين الفصائل اللبنانية أو ضامنا للتوازنات الداخلية، مؤكدا أن مسؤولين سوريين شددوا مرارا على أن مستقبل حزب الله وتنفيذ اتفاق الطائف مسائل يحلّها اللبنانيون أنفسهم عبر حوار وطني ومؤسسات دستورية.

وأشار الباحث إلى أن دمشق أشارت أيضا إلى استعدادها لإعادة معايرة علاقاتها مع فاعلين سياسيين وقفوا سابقا على الجانب الآخر من الصراع السوري.

وأضاف أن تصريحات الشيباني المدروسة بشأن إمكان حوار مستقبلي مع حزب الله، إن خدم ذلك مصلحة الطرفين، عكست مقاربة دبلوماسية أوسع تسعى لإدارة الخلافات دون إعادة بناء تحالفات الماضي الإقليمية.

وأضاف جوهر أن هذا يعكس سياسة خارجية باتت مدفوعة أكثر بمصالح الدولة لا بالتوافقات الأيديولوجية أو الولاءات التاريخية، مشددا على أن رفض سوريا التدخل مجددا في لبنان لا ينبغي فهمه انسحابا إستراتيجيا، بل إعادة تعريف متعمدة لمفهوم النفوذ ذاته.

وختم الباحث بأن دمشق لم تتخلَّ عن بيروت، بل تخلّت عن افتراض أن حماية المصالح السورية تستلزم تشكيل النظام السياسي الداخلي اللبناني.

وأضاف أنها تسعى بدل ذلك لبناء علاقة قائمة على التعاون المؤسسي والترابط الاقتصادي والمصالح الأمنية المشتركة، بما يتسق مع إستراتيجية سوريا الإقليمية الأوسع أكثر من نموذج التدخل الذي ميّز حقبة سابقة.