اللاذقية.. عنوان بداية مرحلة جديدة في الشراكة العسكرية التركية السورية

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أجرى قائد القوات البحرية التركية الأدميرال أَرجومنت تاتلي أوغلو زيارة في منتصف يوليو/ تموز 2026، إلى مدينة اللاذقية على متن الفرقاطة التركية “تي سي جي إسطنبول”.

وتفاعلا مع الحدث، ذكرت وكالة الأناضول في مقال للكاتب التركي "حسين أَلبتيكين"، أن الزيارة تدل على ما هو أكثر من زيارات عسكرية تقليدية، فهي تعكس انتقال التعاون بين البلدين إلى مرحلة أكثر عمقاً ومؤسسية. 

فقد جاءت في سياق إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية؛ وذلك نظراً لأنّ تركيا تسعى في دعم عملية إعادة الاستقرار داخل سوريا، بالشكل الذي يمنحها أبعاداً تتعلق بإعادة رسم التوازنات الأمنية في شرق البحر المتوسط.

ويشير اختيار الفرقاطة التركية "تي سي جي إسطنبول"، التي تمثل إحدى أحدث القطع البحرية المصنعة محلياً في تركيا، إلى أن أنقرة سعت إلى توجيه رسالة سياسية وعسكرية، تؤكد فيها استعدادها لتوظيف قدراتها الدفاعية وخبراتها البحرية في بناء شراكة طويلة الأمد مع دمشق. 

كما أن استقبال قائد القوات البحرية السورية للوفد التركي، وعقد سلسلة من الاجتماعات العسكرية، يعكس وجود توجه لتأسيس آليات تعاون منتظمة، تتجاوز الطابع البروتوكولي نحو شراكة إستراتيجية في المجال البحري.

استعادة القدرات

وذكر الكاتب أن هذه الزيارة تُظهِرُ إدراكاً مشتركاً لدى أنقرة ودمشق بأن إعادة بناء سوريا لا تقتصر على إعادة تأهيل مؤسساتها البرية فحسب، وإنما تشمل أيضاً استعادة قدراتها البحرية التي تعرضت لتدمير واسع خلال سنوات الحرب، لا سيما بعد الضربات التي استهدفت القوات البحرية والجوية السورية عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.

في هذا السياق، تمتلك تركيا مقومات تؤهلها للعب دور رئيس في إعادة هيكلة البحرية السورية، سواء من خلال برامج التدريب العسكري، أو تطوير منظومات القيادة والسيطرة، أو تحديث قوات خفر السواحل، أو إنشاء أنظمة متطورة للمراقبة البحرية وتأمين السواحل والموانئ. 

يستند هذا الدور إلى الخبرة المتراكمة التي اكتسبتها البحرية التركية خلال السنوات الأخيرة، وإلى التطور الكبير الذي حققته الصناعات الدفاعية التركية في مجال السفن والمنظومات البحرية.

ولفت الكاتب النظر إلى أنّ أهمية هذا التعاون لا تقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي أيضاً، خاصةً في ظل تزايد الاهتمام باستثمار حقول الطاقة الواقعة قبالة الساحل السوري في شرق البحر المتوسط؛ حيث إنّ إعلان دمشق نيتها فتح هذه الحقول أمام الاستثمارات الدولية جذب اهتمام عدد من شركات الطاقة العالمية.

لكنّ نجاح هذه الخطط يبقى مرهوناً بقدرة الدولة على توفير بيئة بحرية آمنة ومستقرة. وتعد حماية الموانئ، وتأمين منصات استخراج الطاقة، وضمان سلامة خطوط الملاحة البحرية، من أبرز المعايير التي تعتمد عليها الشركات الدولية عند تقييم جدوى الاستثمار في مشاريع الطاقة الكبرى. 

لذلك، فإن بناء منظومة متكاملة للأمن البحري يمثل شرطاً أساسياً لتحويل الموارد الطبيعية السورية إلى مشاريع اقتصادية قابلة للتنفيذ، وليس مجرد خيار دفاعي.

وأردف الكاتب التركي بأنّ تجربة مشروع "إيست ميد" تُعَزّز هذه الفرضية، فقد أظهرت أن نجاح مشروعات الطاقة في شرق المتوسط لا يرتبط فقط بتوافر الموارد، وإنما يتطلب أيضاً بيئة أمنية مستقرة تحمي عمليات الإنشاء والإنتاج والنقل. 

من هذا المنطلق، فإن الدعم التركي لتطوير البحرية السورية يمكن أن يسهم في خلق مناخ أكثر استقراراً للاستثمارات، ويعزز الثقة في مستقبل قطاع الطاقة السوري، بشكلٍ ينعكس على حركة التجارة البحرية والتنمية الاقتصادية في المنطقة بأسرها.

كما تكتسب الزيارة أهمية إضافية بالنظر إلى مكان انعقادها؛ إذ يعد ميناء اللاذقية أحد أهم الموانئ الإستراتيجية في شرق البحر المتوسط، ويحتل موقعاً جيوسياسياً بالغ الحساسية. 

فقد ظل لسنوات جزءاً من شبكة النفوذ العسكري الروسي في سوريا، إلى جانبه كانت أيضاً قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية. بالإضافة إلى أنّه يشرف على مسارات بحرية، ترتبط بمشاريع الطاقة والتحالفات الإقليمية التي تقودها إسرائيل واليونان وجنوب قبرص.

ومن ثمّ، فإن إعادة تأهيل القدرات البحرية السورية انطلاقاً من اللاذقية لا تعني فقط استعادة جزء من القوة العسكرية السورية، بل تمثل أيضاً عنصراً مؤثراً في إعادة صياغة معادلات النفوذ البحري في شرق المتوسط.

شبكة أمنية

وأوضح الكاتب أن توقيت الزيارة اكتسب دلالة خاصة؛ إذ جاءت بعد أيام قليلة من انعقاد قمة حلف الناتو في أنقرة، والتي شهدت مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع. وهي خطوة عكست تقدماً ملحوظاً في جهود إعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي.

وإنّ تركيا، منذ التغيير السياسي في سوريا، تسعى إلى لعب دور محوري في إنهاء عزلة دمشق، ودعمها في تجاوز تداعيات عقود من حكم حزب البعث، فضلاً عن المساهمة في إعادة بناء مؤسسات الدولة التي تضررت بفعل الحرب. 

في هذا الإطار، تمثل الشراكة العسكرية أحد أهم أدوات هذا الدعم؛ وذلك نظراً لكونها مدخلاً لإعادة بناء مؤسسات الأمن والدفاع بصورة تدريجية.

كما حمل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش قمة الناتو مؤشرات سياسية مهمة، إذ عده مراقبون خطوة عززت فرص انفتاح سوريا على المجتمع الدولي، وحدّت من محاولات عرقلة هذا المسار أو إعادة دمشق إلى دائرة العزلة.

وأضاف أنّ زيارة اللاذقية تأتي أيضاً ضمن سياق أوسع؛ حيث تعكس الزيارة تطور الإستراتيجية التركية في شرق البحر المتوسط. فبعد أن كانت السياسة البحرية التركية تتركز بصورة رئيسية على حماية مصالحها المرتبطة بجمهورية شمال قبرص التركية، بدأت أنقرة خلال السنوات الأخيرة في بناء شبكة أوسع من الشراكات الإقليمية، شبكةٌ تقوم على التعاون الأمني والاقتصادي.

في هذا السياق، يبرز اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين تركيا وليبيا عام 2019، والذي أسس لشراكة إستراتيجية بين البلدين في شرق المتوسط، إضافة إلى المناورات البحرية المشتركة بين تركيا ومصر التي حملت اسم "بحر الصداقة التركي-المصري" في سبتمبر/أيلول 2025، والتي عكست التحسن المتواصل في العلاقات الثنائية والتعاون العسكري بين الجانبين.

ومع انضمام سوريا إلى هذا المسار، تبدو أنقرة وكأنها تعمل على بناء شبكة تعاون تضم عدداً من الدول المطلة على شرق المتوسط، بشكلٍ يعزز قدرتها على إدارة التوازنات الإقليمية من خلال الشراكات، بدلاً من الاعتماد على التحركات الأحادية.

في هذا الإطار، يُعَدّ التعاون العسكري التركي السوري جزءاً من مشروع أوسع، حيث يهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي في شرق المتوسط، وحماية طرق التجارة والطاقة، بالإضافة إلى خلق توازن إقليمي جديد في مواجهة التحالفات والمشروعات التي استبعدت تركيا خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها مشروع "إيست ميد".

وختم الكاتب مقَاله قائلاً: إنّ زيارة القوات البحرية التركية إلى اللاذقية لا تبدو مجرد خطوة لتعزيز العلاقات الثنائية بين أنقرة ودمشق، وإنما تمثل مؤشراً على تشكل معادلة إقليمية جديدة، تتداخل فيها التقديرات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية. 

فمن خلال توسيع شبكة شَراكاتها مع سوريا وليبيا ومصر، تسعى تركيا إلى ترسيخ موقعها كفاعل رئيس في شرق البحر المتوسط، والمساهمة في بناء نظام إقليمي أكثر استقراراً. نظامٌ يقوم على التعاون الأمني، وحماية المصالح المشتركة، وإعادة صياغة توازنات القوة بما يواكب التحولات التي تشهدها المنطقة.