لماذا تعد قمة الناتو بأنقرة محطة فاصلة في تشكيل البيئة الأمنية الدولية؟

"أولويات الناتو تتعارض مع التصور الأمني الإسرائيلي"
لم تكن القمة السادسة والثلاثون لحلف شمال الأطلسي “ناتو” التي عُقدت أخيرا في العاصمة التركية أنقرة، مجرد لقاء دوري لقادة الحلف، بل شكّلت، وفقاً لمركز “أنكاسام” للدراسات، نقطة تحوّل في إعادة صياغة المشهد الأمني الأوروبي والدولي.
وأوضح المركز التركي، في مقال للكاتب محمد إيرول، أن القمة دشّنت مرحلة جديدة داخل الحلف، تقوم على إعادة توزيع أعباء الأمن الجماعي، بما يدفع الدول الأوروبية إلى تحمّل مسؤولية أكبر في الدفاع عن القارة، بالتوازي مع إسناد دور أكثر محورية لتركيا في المنظومتين العسكرية واللوجستية للحلف.
ويرى الكاتب أن البيان الختامي للقمة، إلى جانب التحركات السياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، عكسا تحولاً في الرؤية الغربية تجاه تركيا؛ إذ لم تعد تُعامل بوصفها مجرد دولة عضو في الحلف، وإنما باتت تُنظر إليها بوصفها شريكاً رئيساً في رسم الترتيبات الأمنية الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، تراجعت قدرة إسرائيل جزئياً على التأثير التقليدي في السياسات الغربية المرتبطة بأمن الشرق الأوسط، وهو ما قد يشير إلى بداية مراجعة غربية للنهج الذي منحها، على مدى العقود الماضية، موقعاً مركزياً في الحسابات الأمنية.

موقع إسرائيل
على الرغم من أنّ إسرائيل مرتبطة بحلف الناتو، ضمن إطار علاقات تعاونية باسم "الحوار المتوسطي"، إلّا أنّ هذا الإطار لم يمنحها أيّ دور فعليّ في قمة أنقرة، فقد ظلّت خارج دائرة صناعة القرار هذه المرّة، واكتفت بمحاولات غير مباشرة في التأثير بِمخرجات القمة.
وأشار الكاتب إلى المؤشرات الرئيسة الدالةِ على تراجع النفوذ الإسرائيلي، والتي تمثّلت بدايةً في فشل جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة في التأثير على برنامج زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
فبعد أن أخفقت مساعيها في ثنيه عن المشاركة في القمة، لم تتمكن كذلك من إقناعه بزيارة تل أبيب مباشرة عقب انتهاء اجتماعات أنقرة، مما يدل على تراجع فاعلية الضغوط التقليدية في توجيه القرار الأميركي.
ولفت إلى توقيت انعقاد القمة والتصعيد العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا ولبنان، ورأى أنّ تكثيف العمليات العسكرية، إلى جانب تصاعد التوتر في مضيق هرمز جاء في إطار محاولة تحويل الاهتمام الدولي بعيداً عن النجاح السياسي والدبلوماسي الذي حققته أنقرة باستضافة القمة.
وأضاف أن إلغاء الزيارة التي كان من المقرر أن يجريها وزير الدفاع الأميركي بيت هِيغسيث إلى إسرائيل بعد انتهاء القمة شكّل رسالة سياسية مهمة، خاصة أن الزيارة كانت مخصصة لبحث ملفات إستراتيجية، من بينها التعاون الدفاعي وبرنامج مقاتلات "إف-35" والملف الإيراني الذي عكس تغيراً في أولويات الإدارة الأميركية بعد اجتماعات أنقرة.
وأشار الكاتب إلى أن ردود الفعل داخل إسرائيل عكست حجم القلق من مخرجات القمة؛ إذ وصفت بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية ما جرى في أنقرة بأنه يعكس صعوداً متزايداً للدور التركي، بينما نشرت صحف إسرائيلية تقييمات، رأت أن نتائج القمة مثلت انتكاسة إستراتيجية لإسرائيل.
وأردف أن البيان الختامي للقمة يعد رسالة سياسية تحمل دلالات تتجاوز إطار القضايا العسكرية؛ إذ أكّد على أولوية مكافحة الإرهاب، ومنع انتشار الأسلحة النووية، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، وهي ملفات تعكس بصورة كبيرة أولويات السياسة التركية داخل الحِلف.
في المقابل، فإن هذه الصياغات لم تنسجم مع الرؤية الإسرائيلية التي كانت تتطلع إلى تبني الناتو موقفاً أكثر تشدداً تجاه إيران، بما يشمل توفير غطاء سياسي وعسكري أوسع لأي تحرك أميركي محتمل ضدها.
كما يشير إلى أن الانتقادات التي وجهها ترامب لبعض الحلفاء الأوروبيين، بسبب رفضهم استخدام قواعدهم العسكرية في العمليات ضد إِيران، كشفت استمرار الانقسام داخل الحلف بشأن إدارة أزمات الشرق الأوسط.
كما أظهرت أن الأولوية الحالية للناتو تتمثل في تعزيز الردع الجماعي والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وليس الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة. وهذا هو ما يتعارض مع التصور الأمني الإسرائيلي.

توازن جديد
ويرى الكاتب التركي أن التطورات التي شهدتها قمة أنقرة فتحت الباب أمام إعادة تشكيل العلاقات بين تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، وذلك في ظل ظهور مؤشرات على انتقال ميزان القوى تدريجياً لصالح أنقرة.
فعلى صعيد الصناعات الدفاعية، أبدت واشنطن استعداداً لإعادة النظر في العقوبات المفروضة على تركيا بموجب قانون "كاتسا"، مع فتح الباب أمام استئناف التعاون في برنامج مقاتلات "إف-35".
وهذا التطور يعكس إدراكاً أميركياً متزايداً لِأهمية تركيا العسكرية داخل الحلف، في حين أن إسرائيل تنظر إلى هذه الخطوة بصفتها تهديداً لِتفوقها العسكري النوعي، وتحاول جاهدةً عرقلة جهود تركيا العسكرية.
أما فيما يتعلق بالقيادة الإقليمية، فإن اللقاء الذي جمع ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع برعاية تركية عكس صعود أنقرة بوصفها وسيطاً رئيساً في إدارة ملفات الشرق الأوسط، بينما تراجعت إسرائيل إلى موقع أكثر هامشية في معادلات الإقليم، مع اعتمادها بصورة أكبر على الأدوات العسكرية بدلاً من المبادرات السياسية.
وذكر الكاتب أن الحلف بات ينظر إلى أنقرة بصفتها عنصراً رئيساً في سد الفجوات الأمنية الأوروبية، مستنداً إلى تطور الصناعات الدفاعية التركية واتساع قدراتها الإنتاجية.
واستدرك أنّ ترامب يتبنّى سياسة تقوم على تقليلِ الانخراط العسكري الأميركي المباشر في النزاعات الخارجية، وتجنب استنزاف الموارد المالية والبشرية، وهو ما يجعل الرؤية الإسرائيلية الداعية إلى توسيع المواجهة مع إيران أقل انسجاماً مع أولويات الإدارة الأميركية.
كما أن تركيا تمتلك اليوم قاعدة صناعية دفاعية متطورة، خاصة في مجالات الطائرات المسيّرة والذخائر والأنظمة العسكرية. وهذا هو ما جعلها شريكاً إنتاجياً ولوجستياً مهماً لِلولايات المتحدة والناتو، لا سيما في ظل الضغوط التي تواجهها الصناعات الدفاعية الغربية نتيجة تعدد الأزمات الدولية.
وأضاف الكاتب أن سياسة "أميركا أولاً" تدفع واشنطن إلى إعطاء الأولوية للشركاء القادرين على تقاسم الأعباء الأمنية. غير أنّ استمرار الأزمات المرتبطة بإسرائيل أضر بصورة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي، وضيق هامش حركتها الدبلوماسية.
لكنّ تركيا، عبر الحفاظ على قنوات تواصل مع أطراف متنافسة مثل روسيا وأوكرانيا، وانخراطها في الملف السوري، استطاعت أن تكتسب موقعاً يؤهلها للقيام بأدوار الوساطة، وهو ما يجعلها شريكاً أكثر أهمية لواشنطن في إدارة الملفات الإقليمية.
وأردف أن هذه التحولات ستنعكس أيضاً على مستقبل "اتفاقيات إبراهيم"، إذ إن الظروف التي رافقت إطلاق هذه الاتفاقيات خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب تغيرت بصورة كبيرة، وهو ما يستدعي إعادة تقييمها.
وأضاف أن تبني الولايات المتحدة مقاربة أكثر تدرجاً وواقعية في إدارة العلاقات العربية الإسرائيلية قد يكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار، خاصة بعد أن أدت الحرب في غزة إلى إضعاف الأسس السياسية التي استندت إليها الاتفاقيات، والمتمثلة في ربط التطبيع بفكرة السلام الإقليمي.
واستدرك الكاتب أن نتائج قمة أنقرة تعكس تحولاً في الجغرافيا السياسية للمنطقة التي تمتدّ من شمال وشرق إفريقيا إلى شرق البحر المتوسط والشرق الأوسط؛ حيث إنّ تنامي القدرات العسكرية التركية في شرق المتوسط وتطور صناعاتها الدفاعية، واتساع تعاونها مع الدول الأوروبية، أدى إلى تقليص فاعلية مشاريع الطاقة والتحالفات الإقليمية التي تقودها اليونان وإسرائيل.
كما أسهم حصول تركيا على مقاتلات "يوروفايتر تايفون"، بالإضافة إلى اتفاقياتِها الأمنية مع المملكة المتحدة في تعزيز قدراتها الردعية.
أمّا في الشرق الأوسط، تتجه الولايات المتحدة نحو تقليص حضورها العسكري المباشر، بالتوازي مع تنامي الدور التركي في دعم استقرار الحكومة السورية الجديدة، وهو ما يعكس تحولاً في مقاربة إدارة التوازنات الأمنية الإقليمية، ويعيد رسم معادلات الأمن على الحدود الشمالية لإسرائيل.
أما في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فإن اتساع الحضور العسكري التركي، الذي يمتدّ من الصومال إلى ليبيا، مع اهتمام حلف الناتو بتأمين خطوط الطاقة والممرات البحرية يعزز مكانة أنقرة، وذلك بصفتها أحد أبرز الفاعلين في حماية الممرات الإستراتيجية وإدارة أمنها.
وختم الكاتب مقاله قائلاً: إن قمة أنقرة دشّنت مرحلة جديدة في النظام الإقليمي، والتي تقوم على الواقعية السياسية والاعتماد على القوة الصناعية والعسكرية وإدارة التوازنات.
وتعد تركيا المستفيد الأكبر من هذه التحولات بفضل موقعها الجيوسياسي، وتطور قدراتها الدفاعية والدبلوماسية.
في حين تواجه إسرائيل تضاؤلاً في خياراتها الإستراتيجية مع استمرار هذه المتغيرات، بما قد يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي إذا لم تُراجع الأطراف المختلفة سياساتها.

















