"الدبلوماسية التخصصية".. كيف يدير النظام المصري أزمات المنطقة؟

منذ ١٩ ساعة

12

طباعة

مشاركة

في خضمّ الحروب والأزمات التي تشهدها المنطقة، من إيران إلى غزة والسودان، يسعى النظام المصري إلى ترسيخ حضوره بوصفه وسيطا ودبلوماسيا فاعلا. 

غير أن مجلة "زينيت" الألمانية ترى أن "الأسس التي قامت عليها السياسة الخارجية المصرية شهدت تحولا جذريا خلال السنوات الأخيرة".

ضرورة اقتصادية

وأوضحت المجلة أن "ضباط المخابرات المصرية أدوا خلال الأسابيع التي سبقت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في 8 أبريل/ نيسان 2026 دورا تقليديا لطالما سعت القاهرة إلى الاضطلاع به، يتمثل في نقل الرسائل بين أطراف لا ترغب في الظهور علنا".

وتابعت: "حافظ الضباط على قنوات اتصال مفتوحة مع الحرس الثوري الإيراني، وأوضحوا الخطوط الحمراء والحدود المقبولة بين واشنطن وطهران، كما نسقوا مع أنقرة وإسلام آباد لضمان عدم تعارض الرسائل المتبادلة بين الجانبين".

وعقّبت المجلة على الدور المصري: "رغم الجهود الدبلوماسية المتزايدة التي تبذلها وزارة الخارجية في ملفات غزة والسودان والحرب الإيرانية، فإن دور القاهرة يتجاوز أحيانا مجرد الوساطة".

في هذا السياق، لفتت إلى أنه في مايو/ أيار 2026، كشف رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي "عن وجود مقاتلات رافال في الإمارات، فيما تحدثت تقارير عن تزويد الجيش السوداني بالذخائر والمعلومات الاستخباراتية والطائرات المسيرة".

كما أن "وزارة الخارجية المصرية أصدرت بين أغسطس/ آب 2024 وأبريل 2026 ما مجموعه 417 بيانا وزاريا، بمعدل يقارب 20 بيانا شهريا، فيما ارتفع عدد البيانات من نحو 15 بيانا شهريا أواخر عام 2024 إلى 33 بيانا في ديسمبر/ كانون الأول 2025".

ورغم أن المقال يحذر من المبالغة في تفسير عدد البيانات الصادرة عن الوزارة، فإنه يقدر أن "هذا النشاط يعكس، عند النظر إليه بالتوازي مع جدول تحركات وزير الخارجية بدر عبد العاطي، جهازا دبلوماسيا يتحرك بوتيرة متسارعة ومتنامية".

ولفهم الخلفية التاريخية لهذا التوجه، عادت المجلة إلى مرحلة ما بعد يوليو/ تموز 1952، موضحة أن "الرئيس الراحل جمال عبد الناصر سعى إلى وضع مصر في قلب ثلاث دوائر رئيسة: العربية والإفريقية والإسلامية، مع طموح لقيادة هذه الدوائر مجتمعة".

وأضافت أن "هذه الرؤية الجيوسياسية استمرت حتى بعد تراجع المشروع الناصري نفسه؛ إذ ما تزال ظلال تلك الدوائر الثلاث تنعكس على أبرز ساحات التحرك الدبلوماسي المصري اليوم".

وتابعت موضحة: "فغزة تقع ضمن الدائرة العربية، والسودان ونهر النيل ضمن الدائرة الإفريقية، وإيران ومنطقة الخليج ضمن الدائرة الإسلامية".

حسابات اقتصادية

غير أن المقال يرى أن "ما كان يُنظر إليه في عهد عبد الناصر بصفته مجالا للقيادة الإقليمية، بات يُنظر إليه اليوم بصفته محيطا أمنيا يجب الدفاع عنه وحمايته".

وبحسبه، فإن "الفارق بين الطموح التاريخي والواقع الراهن يعكس المسافة بين إرث مصر السياسي من جهة، وبين الحسابات الاقتصادية الصعبة والقدرات المحدودة من جهة أخرى".

ومن هذا المنطلق، أكدت المجلة أن "انخراط مصر في ملفات المنطقة لا ينبع من طموحات توسعية أو أيديولوجية، بل من تقديرات اقتصادية مباشرة".

بعبارة أخرى، "مصر لا تمارس دور الوسيط رغم أزمتها الاقتصادية، بل تمارس هذا الدور بسبب هذه الأزمة تحديدا".

واستشهد على ذلك بتصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الذي أقر بعد تثبيت وقف إطلاق النار في أبريل بأن فاتورة واردات الغاز الشهرية ارتفعت من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار.

ومن ثم، قدرت المجلة أن "دولة تعتمد ميزانيتها بدرجة كبيرة على عائدات قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين العاملين في الخارج؛ لا تستطيع الوقوف مكتوفة الأيدي أمام تهديد متزامن لهذه المصادر الحيوية، أو عدّ ما يجري مجرد حروب تخص الآخرين".

وفي هذا السياق، أشار المقال إلى أن "وزارة الخارجية المصرية تبرر هذا النهج بمفهوم (التوازن الإستراتيجي)، وهو مصطلح يبدو في ظاهره مبدأ سياسيا، لكنه في جوهره، تعبير عن ضرورة اقتصادية وأمنية".

وأوضح أن "الواقع الذي يقف خلف هذا المفهوم يتمثل في دين خارجي يتجاوز 150 مليار دولار، وبرنامج تمويل مع صندوق النقد الدولي تلتزم القاهرة بشروطه شكليا أكثر من التزامها بروحه، فضلا عن استمرار النفوذ الواسع للمؤسسة العسكرية داخل الاقتصاد".

واستطرد: "إذن، السياسة الخارجية المصرية في المرحلة الراهنة لا تُدار انطلاقا من تقديرات أيديولوجية بقدر ما تحكمها حسابات مالية واقتصادية مباشرة، لدرجة أن السياسة الخارجية للقاهرة تبدو في جوهرها امتدادا لإدارة المالية العامة للدولة".

توازن مرن

وترى المجلة أن "أكثر ملفات السياسة الخارجية المصرية حساسية يتمثل في العلاقة مع إيران، وهي علاقة ظلت مقطوعة على المستوى الدبلوماسي منذ عام 1980، حين توقف البلدان عن تبادل السفراء".

وأشارت إلى أن "هذه القطيعة استمرت 46 عاما، قبل أن تبدأ بوادر الانفراج نتيجة التقارب السعودي الإيراني الذي رعته الصين عام 2023، أكثر من كونها نتيجة مبادرة مصرية مباشرة".

وتابعت: "هذا التقارب لم يكن مضي عليه سوى أقل من عامين عندما اندلعت الحرب الأخيرة، لتجد القاهرة نفسها أمام اختبار جديد لعلاقتها الناشئة مع طهران".

"وفي هذا السياق، استضافت مصر في سبتمبر/ أيلول 2025 توقيع اتفاق بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، بحضور وزير الخارجية عبد العاطي ونظيره الإيراني عباس عراقجي والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي"، قالت المجلة.

وأكملت: "إن مجرد انعقاد مثل هذا الاجتماع في القاهرة كان أمرا يصعب تخيله قبل سنوات قليلة؛ إذ وفر لمصر قناة اتصال مباشرة مع طهران لم تكن متاحة لمعظم العواصم العربية الأخرى".

وأضافت أن "هذه القناة اكتسبت أهمية خاصة بعد مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني جراء غارة إسرائيلية في 17 مارس/ آذار 2026، وهو ما دفع القاهرة إلى محاولة إعادة فتح مسارات التفاوض".

ووفقا لها، "تولى جهاز المخابرات المصري في ذلك الوقت التواصل مع الحرس الثوري لإعادة فتح قنوات الاتصال، إذ طرحت القاهرة عبر هذه القنوات مقترحا لوقف إطلاق النار لمدة خمسة أيام".

واستطردت: "ورغم عدم قبوله، فإنه ربما أسهم في تهيئة الأجواء للمحادثات التي جرت لاحقا في إسلام آباد".

من زاوية تحليلية أوسع، ترى المجلة أن القاهرة "اضطرت خلال هذه الأزمة إلى الموازنة بين أربعة مواقف متعارضة في وقت واحد".

وتابعت موضحة: "فمن جهة، لم يكن بوسعها توجيه انتقادات مباشرة إلى الولايات المتحدة؛ لأنها كانت بحاجة إلى تدخلها لإنهاء الحرب، كما لم تكن قادرة بالتبعية على ممارسة ضغوط كبيرة على إسرائيل".

ومن جهة أخرى، فضلت قيادة النظام المصري، بحسب المقال، "الحفاظ على موقف حذر أملا في الحصول على دعم أميركي في ملفات تعدها أكثر إلحاحا، مثل قطاع غزة وسد النهضة الإثيوبي والأزمة السودانية".

وفي الوقت نفسه، “كان عليها مراعاة حلفائها الخليجيين الذين يدعمون تقويض البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني، مع الإبقاء في المقابل على قنوات التواصل مفتوحة مع طهران”.

وبحسب المجلة، فقد "حاولت القاهرة إدارة هذا التوازن عبر استمرار الاتصالات مع إيران، وإرسال قوات إلى الإمارات، مع ترك مهمة توجيه الانتقادات لبعض وسائل الإعلام المقربة من الدولة".

وشددت على أن "العامل المشترك الذي يحكم جميع هذه التحركات هو الضغوط الاقتصادية المتزايدة، ورغبة مصر في الحفاظ على مكانتها لدى صناع القرار في واشنطن".

من منظور إقليمي، ترى المجلة أن "وساطة القاهرة في الحرب الإيرانية تندرج ضمن سياق أكبر وأكثر اتساعا؛ فلعام كامل التقى وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر، والذين انضمت إليهم قطر أخيرا، بوتيرة مكثفة دفعت المراقبين إلى الحديث عن تشكل (كتلة) سياسية".

وتابعت: "وفي منتدى أنطاليا الذي عقد في أبريل، قدم الوزراء الصورة الجماعية التقليدية: أربعة رجال يبتسمون أمام كاميرات التصوير".

وهو مشهد عده المقال "يعكس واقعا متكررا في دبلوماسية المنطقة؛ حيث تكون الصورة الجماعية أحيانا أبرز ما تخرج به القمم، في حين تبقى مخرجاتها العملية محدودة".

ومع ذلك، قدر أن "مستقبل هذا التقارب لا يزال غير واضح، خصوصا أن الرياض والقاهرة، وهما الأكثر ارتباطا بواشنطن، تبدوان الأقل حماسة لاختبار حدود هذا التنسيق أو تحويله إلى تحالف دائم".

وأردف: "ما يجمع هذه الدول حاليا هو شعور مشترك بالقلق من التحديات الإقليمية، وهو عامل قد يؤدي إما إلى قيام تحالفات طويلة الأمد أو إلى تفاهمات مؤقتة سرعان ما تتلاشى بزوال الظروف التي أوجدتها".

وسيط متغلغل

في غضون ذلك، أكد المقال أنه "لا يمكن قراءة أي من هذه التطورات الأخيرة بمعزل عن ملف غزة، وهو الملف الذي دفع بالقاهرة، على عكس تفضيلاتها، إلى صدارة الدبلوماسية الإقليمية مجددا".

وتابع موضحا: "فمصر تسيطر على معبر رفح، وتحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات مع إسرائيل وحركة حماس والسلطة الفلسطينية، وهو ما منحها موقعا محوريا في جهود الوساطة".

واستطرد: "لعبت القاهرة دورا أساسيا في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مطلع عام 2025، غير أن الاتفاق لم يصمد إلا بقدر استمرار الدعم الأميركي له".

وتعتقد المجلة أن نقطة تحول النهج المصري تجاه إسرائيل جاءت "بعد سيطرة الأخيرة على محور فيلادلفيا عام 2024".

فبحسب تقديرها، “بدأت القاهرة منذ ذلك الحين، تنظر إلى إسرائيل بصفتها مصدر تهديد أكثر منها شريكا، وهو تقييم قال إن ”معهد تشاتام هاوس البريطاني عده حقيقيا وذا مصداقية".

وفي هذا الإطار، "دفعت مصر بتعزيزات عسكرية إلى شبه جزيرة سيناء بأعداد تتجاوز ما كان يسمح به اتفاق السلام مع إسرائيل"، وفقا لما أوردته المجلة.

ومع ذلك، أشارت إلى أن القاهرة "لم تنسحب من مسار التفاوض، بل استضافت قمما عربية وقدمت مبادرات لإعادة إعمار قطاع غزة بدلا من إفراغه من سكانه".

من جهتها، تصف إسرائيل مصر بأنها "وسيط متغلغل"، وبحسب المقال فإن "هذه الحقيقة تحديدا هي ما يمنح القاهرة أهميتها؛ فوسيط يخاطر بالكثير لا يمكن أن يكون محايدا بالكامل، لكنه في الوقت نفسه يصبح طرفا يصعب الاستغناء عنه أو استبداله".

وترى المجلة أن "السودان يمثل الساحة التي يفقد فيها وصف الوسيط قدرا كبيرا من مصداقيته عندما يتعلق الأمر بالدور المصري".

وعزت ذلك قائلة: "فالقاهرة، وفقا لتقارير موثوقة، تقدم دعما مباشرا للجيش السوداني يشمل الطائرات والذخائر والتدريب العسكري".

وفي الوقت ذاته، تجلس مصر ضمن مسار اللجنة الرباعية على طاولة واحدة مع السعودية والولايات المتحدة والإمارات، والأخيرة هي الدولة التي تدعم الدعم السريع.

في هذا السياق، يرى المقال أنه "من الطبيعي أن تدخل هذه الآلية في حالة من الجمود، إذ إن عضوين من أعضائها منخرطان في دعم أطراف الحرب نفسها التي يفترض أن يعملا على إنهائها".

وبحسبه، فإن "المصالح المصرية في السودان ترتبط بعدة تقديرات إستراتيجية، من بينها أمن نهر النيل، وسد النهضة الإثيوبي، والخشية من انهيار الدولة السودانية أو قيام كيان مسلح موال لقوى أخرى على الحدود الجنوبية لمصر".

ولذلك يرى أن "الانخراط المصري في السودان تحركٌ تحكمه المصالح الذاتية بالدرجة الأولى، ولا يتحول إلى دور بنّاء إلا في بعض المراحل والظروف".

دبلوماسية متخصصة

في المحصلة، قالت المجلة: إن "هذا السلوك لا يعكس مجرد رد فعل ظرفي، بل يكشف عن نهج متكامل بات يشكل جزءا من السياسة الخارجية المصرية".

وتابعت: "تبدو القاهرة وكأنها تتبنى ما يمكن تسميته بدبلوماسية متخصصة، أي توظيف عناصر القوة التي يصعب على المنافسين تقليدها أو تعويضها".

وأضافت أن "من بين هذه العناصر قناة السويس، والحدود مع قطاع غزة، والمكانة الدينية للأزهر، وشبكات العلاقات التي تديرها أجهزة الاستخبارات، فضلا عن الثقل الديمغرافي والسياسي الذي تتمتع به مصر بوصفها أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان".

ووفق وجهة نظرها، فإن "الهدف من توظيف هذه الأوراق هو ضمان وجود مصر على طاولة أي ملف إقليمي مؤثر، بصرف النظر عما إذا كانت تملك الموارد الكافية التي تؤهلها لهذا الدور أم لا".

وبحسبها، فإن "وزير الخارجية عبد العاطي الذي تلقى جانبا من تكوينه الدبلوماسي في بروكسل وأروقة حلف شمال الأطلسي، يوفر اللغة السياسية لهذا التوجه، بينما يمده الدبلوماسي المخضرم رمزي عز الدين رمزي مستشار السيسي للشؤون الخارجية المعين حديثا، بالخبرة المؤسسية والتراكم المعرفي".

رغم ذلك، حذر المقال من أن "الرهان الذي تستند إليه هذه الإستراتيجية هو في الوقت ذاته نقطة ضعفها الأساسية".

وأوضح مقصده: "فأي وساطة تفترض وجود أطراف لا تزال راغبة في الحوار والتفاوض، لكن هذا الشرط بات أكثر هشاشة من أي وقت مضى".

فوفق تقديره، "تتجه دول الخليج تدريجيا نحو مواقف أكثر صدامية، فيما تواصل إسرائيل الضغط على الترتيبات الأمنية التي شكلت لعقود أحد أعمدة الأمن المصري، كما أن الضمانات الأمنية الأميركية لم تعد تتمتع بالثقل نفسه الذي كانت تملكه قبل عقد من الزمن".

بمعنى آخر، يعتقد أن "تراجع الرغبة في التفاوض يهدد بتحويل الوسيط، مهما كانت أهميته، إلى طرف يحتفظ بقنوات اتصال لا تؤدي إلى أي نتائج فعلية".

وفي ختام المقال، أكدت المجلة مجددا على "مفهوم (الدوائر الثلاث) الذي ارتبط بجمال عبد الناصر، مقدرة أن هذه الدوائر عادت لتفرض نفسها مجددا على السياسة المصرية، ولكن بصورة معاكسة تماما لما كانت عليه في الماضي".

وفسرت حديثها: "فالدوائر العربية والإفريقية والإسلامية لم تعد تشكل مسرحا لتوجيه الأوامر، بل تحولت إلى خطوط مواجهة تتطلب الدفاع عنها".

علاوة على ذلك، لفتت إلى أن "هذه الدوائر الثلاث باتت تمارس ضغوطها في الوقت نفسه على خزينة الدولة في وقت لا تسمح فيه الإمكانات الاقتصادية بتمويل نزاع واحد، فضلا عن التعامل مع ثلاثة ملفات إقليمية معقدة في آن واحد".

وعليه، خلصت المجلة إلى أن "قيام القاهرة بالردّ على هذا الوضع عبر انخراط أكثر عمقا وتسارعا على الجبهات كافة، لا يعبر عن جرأة سياسية، بل يعكس ببساطة غياب أي خيار بديل".


المصادر