انشقاق فصائل من "الحشد الشعبي"... تقارب خليجي أم ابتعاد عن إيران؟

"إيران تكرر خطأها في سوريا"
أيا كانت نتيجة الحرب بين إيران وإسرائيل، يرجَّح أن تخرج طهران منها أقوى مما كانت؛ إذ قد ترفع الحكومات الغربية عقوباتها عنها تدريجيا، ويُعاد دمج البلاد في الاقتصاد العالمي، وقد تُكرَّس سيطرتها على مضيق هرمز.
لكن في مكان واحد على الأقل، تركت الحرب إيران أضعف بشكل لافت، هو العراق.
فمنذ الإطاحة بالرئيس الأسبق صدام حسين عام 2003، مارست طهران نفوذا واسعا على جارتها الغربية، وترسخت داخل مؤسستها السياسية الشيعية بعمق، وهو نفوذ بات اليوم على المحك مع تقارب بغداد التدريجي من محيطها الخليجي والعربي.
تصدّع الحشد
هذا ما خلص إليه الباحث كامران بالاني، الزميل الأول ورئيس وحدة سياسات المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في "منتدى الشرق الأوسط للسلام والأمن" بالجامعة الأميركية في كردستان، في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية.
وأوضح أن إيران توسّطت بين الفصائل العراقية المتنافسة، وشكّلت الحكومات المتعاقبة، واستخدمت العراق منفذا للحصول على العملة الصعبة عبر شبكات التهريب وتبادل العملة، ودعمت فصائل شبه عسكرية أسهمت في هزيمة تنظيم الدولة عام 2017.
وأشار بالاني إلى أن العراقيين نمت لديهم ضغينة تجاه النفوذ الإيراني المفرط في بلادهم، لا سيما بعد ضلوع مليشيات موالية لإيران في قمع دام لمحتجين مناهضين للفساد عامي 2019 و2020، ما أورث نقمة استمرت سنوات.
وأضاف أن اضطرابات الأشهر الأخيرة زادت من نفور العراقيين من رغبة إيران في تحويل بلادهم إلى ساحة مقاومة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ما دفع قادة أحزاب وفصائل مسلحة كانت قريبة من طهران إلى الابتعاد عنها تدريجيا.
ففي أوائل يونيو/حزيران، تجمّع مقاتلون من "سرايا السلام"، المليشيا الموالية لمقتدى الصدر، في مدينة سامراء لتسليم أسلحتهم للحكومة، في خطوة شكّلت انسحاب الفصيل من "الحشد الشعبي"، التحالف الفصائلي الذي يضم غالبية المليشيات الشيعية ويوجد داخل الدولة وخارجها معا.
ولم يكن مقاتلو "سرايا السلام" آخر من انسحب من هذا التحالف؛ إذ أعلنت "عصائب أهل الحق"، الفصيل القوي المدعوم من إيران، عزمها الانسحاب أيضا، ورغم ذلك تبقى فصائل أخرى موالية لإيران متمسكة بخدمة مصالحها في العراق والمنطقة.
واعتبر بالاني أن تصدّع "الحشد الشعبي" ضربة حقيقية لإيران، موضحا أن "محور المقاومة"، شبكة وكلاء طهران في المنطقة، مُني بأضرار بالغة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تلاها من حروب.
لكن الفصائل الموالية لإيران في العراق بقيت إلى حد كبير خارج تلك المعارك وحافظت على قوتها، إلا أن الكاتب يرى أن هذا الوضع بدأ ينهار، وأن تلك الفصائل تُدفع تدريجيا نحو هامش السياسة العراقية.
ومع تراخي قبضة طهران، يلوح للعراق أفق مستقبل يتيح له رسم مساره الخاص بعيدا عن توجيه إيران، بحسب الكاتب الذي يرصد أيضا ما جرى في العراق قبيل اندلاع المواجهة الأخيرة بين واشنطن وطهران.
وقد انتهجت الحكومة العراقية، قبل الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على إيران في فبراير/شباط 2026، سياسة توازن قوامها الحفاظ على علاقات مع واشنطن وطهران معا، لكن بالاني أوضح أن القتال الذي أعقب الهجوم جعل هذا الموقف مستحيلا.
مزيد من الزخم
فقد تحوّل العراق إلى مسرح عمليات حين استهدفت إيران والقوى الموالية لها مواقع أميركية داخل البلاد، وبعثات دبلوماسية للإمارات والولايات المتحدة، وبنى تحتية أمنية وطاقوية عراقية، خصوصا في إقليم كردستان ذي الحكم الذاتي.
كما انطلقت من الأراضي العراقية ضربات نحو دول خليجية مجاورة، فيما ردّت واشنطن على الفصائل المدعومة من إيران داخل العراق وحكومته تقف موقف المتفرج، ما اضطر بغداد أخيرا لمواجهة سؤال طالما تجنبته، وهو من يتحكم في استخدام القوة داخل حدودها.
ولفت بالاني إلى أنه على مدى العقد الماضي، سمح العراق للجماعات الموالية لإيران بالاستيلاء على كثير من وظائف الدولة، وأُدمج "الحشد الشعبي" رسميا في المنظومة الدفاعية العراقية عام 2016 كجزء من مؤسسات الدولة الأمنية.
ومن المفترض أن يخضع "الحشد" لإمرة رئيس الوزراء بصفته القائد العام، لكن الفصائل احتفظت بتسلسلاتها القيادية الموجهة غالبا نحو طهران لا بغداد التي سمحت لها بالاستحواذ على موارد الدولة وشرعية تمثيلها، فيما حرمتها من احتكار القوة الذي كان سيمنحها سيادتها الكاملة.
وتشكّلت حكومة جديدة برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي الذي حظي اختياره في مايو/أيار بتأييد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وجعلت من نزع سلاح المليشيات أولوية لها، وشجعت فصائل عدة داخل "الحشد" على مغادرة التحالف والاندماج مع الدولة.
وقدّر بالاني أنه إذا اكتسبت هذه الجهود مزيدا من الزخم، فقد تتمكن بغداد من كبح جماح المليشيات الموالية لإيران، وبسط سيطرة مركزية أوسع على الفصائل شبه العسكرية، وإعادة فرض احتكارها الشرعي لاستخدام القوة.
وذهبت "سرايا السلام" التابعة للصدر أبعد من غيرها؛ إذ التزمت بالاندماج الكامل في القوات المسلحة العراقية، في خطوة يوضح الكاتب أنها تشير إلى نهاية حقبة التمرد المسلح الذي قاده الصدر بعد عام 2003.
كما أعلنت "عصائب أهل الحق"، الفصيل بقيادة قيس الخزعلي، نيتها نزع سلاحها ووضع نفسها تحت إمرة الدولة. ويرى بالاني أن خروج الفصيلين من "الحشد" جزء من محاولة لبناء علاقات أفضل مع بغداد وواشنطن معا.
في المقابل، رفضت فصائل بارزة موالية لإيران نزع سلاحها، أبرزها "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" و"كتائب سيد الشهداء"، وهي عقد رئيسة في محور المقاومة، وتتذرع ببقاء الاحتلال الأميركي لتبرير تمسكها بسلاحها.
لكن بالاني رأى أن تعنّت هذه الفصائل يزيدها عزلة، وأنها، مع اندماج فصائل أخرى في الدولة، باتت تبدو أقرب إلى حالة شاذة تدافع عن مصالح قوة أجنبية منها إلى طليعة وطنية تقود مقاومة حقيقية.

"قضية بلا ثوار"
وخلص الكاتب إلى أن نفوذ إيران في العراق قام على ركيزتين، هما القوة الصلبة لمليشياتها الحليفة، والتغلغل الأعمق في المجتمع والسياسة، مرجحا أن الركيزة الثانية هي ما منح طهران قدرتها الفعلية على الاستمرار.
واستذكر بالاني أن الجماعات المدعومة من إيران قاتلت قبل عقد إلى جانب الجيش العراقي ضد تنظيم الدولة، وهي خطوة حظيت بشعبية انعكست أصواتا لوكلائها في انتخابات 2018 البرلمانية، لكن شعبيتها تراجعت لاحقا بشكل ملحوظ.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2019، أسهمت تلك الجماعات في قمع دام لاحتجاجات مناهضة للفساد أودى بحياة مئات المدنيين، وبعد انطلاق "عملية الغضب الملحمي" في فبراير/شباط 2026، سعت ضرباتها إلى جر العراق مباشرة إلى حرب إيران.
وشدد بالاني على أن ذلك أثار نفورا بلغ حد أن المؤسسة الدينية الشيعية في النجف نأت بنفسها عن الحرب، ورفضت دعوة العراقيين لمساندة إيران، محتكمة إلى القانون الدولي دون إصدار نداء ديني للقتال من أجلها.
ومع ذلك، لا يتوقع الكاتب حل الفصائل المدعومة من طهران كليا، فطالما بقيت إيران قائمة ستواصل دعم وكلائها العراقيين والاحتفاظ بعناصر لها داخل البلاد، ولن تتخلى عن موقعها بعدما شهدت إضعاف حلفائها الرئيسين في سوريا ولبنان.
واستبعد بالاني أن تفرض بغداد نزعا شاملا لسلاح تلك الفصائل؛ إذ قد تفجّر خطوة كهذه اقتتالا شيعيا داخليا لا تريد أي حكومة في هذا البلد ذي الغالبية الشيعية المخاطرة به مهما بلغ الضغط.
لكن ميزان القوى في العراق تحول بحسب الكاتب؛ إذ باتت سلطة الدولة، لا شبكة إيران، هي التي تتقدم، رغم رغبة طهران في أن يترسخ موقعها الإقليمي بفعل النظام الذي سينشأ بعد انتهاء الحرب الحالية.
ويرى أن لهذا الانقلاب تبعات حقيقية؛ إذ إن عراقا تنتزع فيه الدولة السلطة من المليشيات لن يعادي إيران، لكنه سيفكك قبضتها تدريجيا، ويتيح له اندماجا أكبر مع دول الخليج، عبر الاستغناء عن الغاز والكهرباء الإيرانيين والربط بشبكتي الكهرباء الأردنية والخليجية.
واختتم بالاني بأن هذا التحول يشير أيضا إلى إضعاف "محور المقاومة"؛ إذ لن يكون العراق ساحة لاستعراض النفوذ الإيراني كما كان في العقود الأخيرة، وأن طهران، مهما كسبت من حربها، تخسر أرضا في العراق.
وحذّر من أن إيران تكرر خطأها في سوريا؛ حيث خسرت موقعها المهيمن بعد سنوات من دعم نظام غير محبوب، مضيفا أنها إن أخفقت في قراءة إشارات التحذير، فقد تخسر موقعها في العراق أيضا حتى لو نجت من الحرب.

















