بين التصعيد والوساطات.. إلى أين تتجه الأزمة الأميركية الإيرانية بعد انهيار "التفاهم"؟

الولايات المتحدة وإيران أعلنتا بشكل رسمي انتهاء مذكرة التفاهم
مع إعلان الولايات المتحدة وإيران انتهاء مذكرة التفاهم التي وقعها الطرفان لوقف إطلاق النار بينهما وإطلاق مسار تفاوضي عقب الهجمات المتبادلة، برزت تساؤلات عديدة بشأن السيناريوهات المحتملة في المرحلة المقبلة، لا سيما ما يتعلق بإمكانية عودة الحرب وإغلاق مضيق هرمز مجددًا.
وفي 18 يونيو/حزيران 2026، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، إلكترونيًا، مذكرة التفاهم المبرمة بين بلديهما لإنهاء الحرب في المنطقة، فيما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف دخول الاتفاق حيّز التنفيذ.
وهدفت مذكرة التفاهم الأولية إلى وقف العمليات العسكرية التي اندلعت في 28 فبراير/شباط عقب قصف أميركي إسرائيلي استهدف إيران، وتهيئة مسار تفاوضي للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يومًا، يجري خلالها رفع الحصار البحري الأميركي المفروض على إيران، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة.

عودة إلى نقطة الصفر
على وقع الهجمات التي استهدفت، في 7 يوليو/تموز، ثلاث ناقلات نفط وغاز في مضيق هرمز قرب سواحل سلطنة عُمان والإمارات، شنت الولايات المتحدة ضربات استهدفت مقرات عسكرية إيرانية، قالت إنها تهدف إلى "تقويض قدرة إيران على تهديد حرية الملاحة في المضيق"، وفق بيان صادر عن القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم".
وأضاف البيان أن واشنطن "تحمّل إيران مسؤولية العدوان غير المبرر على السفن التجارية".
وفي المقابل، رد الحرس الثوري الإيراني بشنّ هجمات صاروخية استهدفت عدداً من دول المنطقة، لا سيما الإمارات والبحرين وقطر والأردن، بزعم أنها طالت قواعد عسكرية أميركية.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ الخيار العسكري بين الطرفين يفرض نفسه بوتيرة متصاعدة، ليضع عملياً حداً لمذكرة التفاهم الموقعة بينهما. فقد أعلنت طهران مجدداً عزمها إغلاق مضيق هرمز، بينما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بلاده ستعيد فرض الحصار البحري على إيران، وستتولى بنفسها حماية المضيق.
وقالت وزارة الخارجية الإيرانية: إن طهران "لن تكون الطرف الذي يبدأ بانتهاك مذكرة التفاهم، بينما تنتهكها واشنطن بشكل متكرر"، مؤكدة أنها "لن تنفذ التزاماتها الواردة في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة ما لم تفِ الأخيرة بالتزاماتها".
وأضافت الخارجية الإيرانية، في بيان صدر في 13 يوليو/تموز، أنها تسعى إلى التوصل لآلية مشتركة مع سلطنة عُمان بشأن إدارة مضيق هرمز، "إلا أن الضغوط الأميركية تعوق هذه الجهود".
من جانبه، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، عبر منصة "إكس" في 12 يوليو/تموز: إن "عهد الصفقات غير المتكافئة قد انتهى"، وذلك في أعقاب ضربات أميركية استهدفت مئات الأهداف الإيرانية خلال الليل.
وفي المقابل، قال ترامب عبر منصة "تروث سوشيال"، في 13 يوليو/تموز: إن "مضيق هرمز مفتوح، وسيظل مفتوحاً، مع إيران أو بدونها". مضيفاً: "نعيد فرض الحصار على إيران الذي سُمي هكذا لأنه يمنع فقط سفن إيران أو وكلائها من الدخول أو الخروج".
وأشار الرئيس الأميركي إلى أن "جميع الدول الأخرى ستتمتع باستخدام عادل ومفتوح للمضيق"، مضيفاً: "ستُعرف الولايات المتحدة الأميركية، من هذه اللحظة فصاعداً، باسم حارس مضيق هرمز، وستتقاضى، من باب العدالة، رسوماً بنسبة 20 بالمئة على جميع البضائع، مقابل التكاليف اللازمة لتوفير السلامة والأمن عبر المضيق، وستبدأ العملية فوراً".
وفي اليوم نفسه، علّق ترامب على مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، خلال مقابلة هاتفية مع قناة "فوكس نيوز"، قائلاً: "كان بيننا اتفاق، لكنهم نقضوه. لقد أبرمنا اتفاقاً نهائياً، ثم تراجعوا عنه. إنهم ينتهكون الاتفاقات دائماً. أبرمنا عشرة اتفاقات مع هؤلاء الأشخاص، لذلك سنضربهم بقوة شديدة".

سيناريوهات محتملة
وبشأن السيناريوهات المحتملة في المرحلة المقبلة، قال الكاتب والمحلل السياسي الأردني حازم عياد: إن "سيناريو العودة إلى الحرب لا يبدو، حتى هذه اللحظة، هو الأكثر ترجيحًا".
وأوضح عياد، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن "الولايات المتحدة لا تميل إلى العودة المكثفة للعمليات العسكرية، وليس من المرجح أن تتخذ قرارًا يدفعها إلى إرسال مزيد من القوات، لا سيما حاملات الطائرات، إلى المنطقة".
وأضاف: "هذه الحرب لا تحظى بتأييد واسع لدى الرأي العام الأميركي، كما أنها تواجه قدرًا من المعارضة داخل الكونغرس، وهو ما تجسد في محاولات جادة للتصويت على مشاريع تهدف إلى تقييد صلاحيات رئيس الولايات المتحدة في العودة إلى الحرب".
وأكد عياد أن "احتمال العودة إلى الحرب لا يزال قائمًا، لكنه ليس السيناريو الأكثر ترجيحًا، كما أن استمرار جولات القتال الطويلة والمكلفة سيشكل عبئًا كبيرًا على دول المنطقة، ولا سيما دول الخليج، فضلاً عن تداعياته السلبية على الاقتصاد العالمي".
ورجح الخبير السياسي أن تتصاعد الضغوط على الإدارة الأميركية من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات، سواء عبر تقديم تنازلات أو التوصل إلى تفاهمات مع الجانب الإيراني، تشمل تخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية والإفراج عن مزيد من الأموال.
وأضاف: "قد يزداد نشاط الوسطاء خلال المرحلة المقبلة لإيجاد مخرج للأزمة، وقد يتزامن ذلك مع سيناريو آخر يتمثل في سعي دول المنطقة إلى بلورة تفاهمات أكثر جدية، إلى جانب دخول أطراف دولية جديدة، مثل روسيا والصين، لفتح قنوات تواصل فعالة بين الدول العربية وإيران".
ولفت إلى أن "مثل هذا المسار قد يشكل ضغطًا على الإدارة الأميركية، ويدفعها إلى إعادة إحياء الإطار العام للمفاوضات استنادًا إلى مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران؛ لأن انهيار هذه المذكرة سيكون مكلفًا للطرفين، ولن يكون من السهل تجاوز تداعياته".
وشدد عياد على أن "ما شهدته الأيام القليلة الماضية يعكس محاولات أميركية لإعادة هندسة المذكرة والمشهد الميداني، بما يؤدي إلى انتزاع واحدة من أهم أوراق القوة الإيرانية، وهي مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات بديلة لحركة السفن، إلا أن هذه المحاولات اصطدمت بالموقف الإيراني الرافض".
وخلص إلى أن "ما يجري يمثل جولة قتال مهمة واختبارًا حقيقيًا لمذكرة التفاهم، لكن لا بديل عنها حتى الآن، سوى الانزلاق إلى حرب واسعة ومكلفة، أو الاستمرار في جولات قتال متقطعة قد تدفع دول المنطقة إلى البحث عن تفاهمات مستقلة مع إيران، وهو سيناريو لا ترغب فيه الإدارة الأميركية".

الإكراه الإستراتيجي
على الصعيد ذاته، قال الكاتب المختص في الشأن الإيراني، فراس إلياس: إن "التحول الجديد في سياق الهجوم الأميركي على إيران لم يعد يقتصر على توجيه ضربات عسكرية، بل بات يستهدف بالدرجة الأولى تجريد طهران من قدرتها على تعطيل الملاحة أو تهديدها في مضيق هرمز".
وأضاف إلياس، في تدوينة نشرها عبر منصة "إكس" في 9 يوليو/تموز، أن هذه الضربات تأتي تمهيدًا للعودة إلى طاولة المفاوضات، ولكن وفق قواعد وشروط جديدة تتعلق بمستقبل مضيق هرمز وآليات إدارته.
ولفت إلى أن "إدارة ترامب توصلت إلى قناعة مفادها أن أي تفاهم مستدام مع إيران لن يكون قابلًا للحياة ما دام الحرس الثوري يحتفظ بأهم أوراق الضغط، والمتمثلة في قدرته على إغلاق مضيق هرمز أو تهديد حرية الملاحة فيه".
وأضاف أن الهدف الأميركي لم يعد يقتصر على ردع إيران، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في مضيق هرمز، عبر استهداف القدرات العسكرية والبحرية الإيرانية، بحيث تدخل طهران أي جولة تفاوضية مقبلة وهي تفتقد إحدى أهم أدوات "الإكراه الإستراتيجي" التي استخدمتها لعقود في مواجهة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
وفي السياق ذاته، نشرت مجلة "بوليتيكو" الأميركية، في 10 يوليو/تموز، تقريرًا قالت فيه إن استئناف الرئيس الأميركي الهجمات ضد إيران يضع الحزب الجمهوري في مأزق حقيقي، ونقلت عن أحد النواب الجمهوريين قوله: إن هذا المسار "يدفعنا نحو الهاوية".
وأضافت المجلة أن إعلان ترامب انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران يجبر أعضاء الحزب الجمهوري على الاختيار بين معارضة رئيسهم أو دعم صراع قد يهدد مستقبل الحزب قبل انتخابات التجديد النصفي.
وتابعت أن "محاولات الرئيس المتكررة لإبرام اتفاق سلام أدت إلى انقسام داخل الحزب الجمهوري، في ظل سعي أعضائه للحفاظ على سيطرتهم على الكونغرس. وبينما أيد قادة الحزب بقوة جهود ترامب لإنهاء الطموحات النووية الإيرانية، فإنهم تعاملوا بحذر مع مذكرة التفاهم الموقعة مع طهران في يوليو، والتي تجاهلت إلى حد كبير الملف النووي".
وفي تقرير آخر نشره موقع "أكسيوس" الأميركي، في 9 يوليو/تموز، أكد أن الإدارة الأميركية تستعد لسيناريو تصعيد عسكري قد يستمر أيامًا أو حتى أسابيع في منطقة مضيق هرمز، بعدما تحولت المواجهة مع إيران من استهداف برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية إلى صراع مباشر حول السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية.
ونقل الموقع عن مسؤول أميركي، لم يسمه، قوله: إن مدة الحملة العسكرية ستتحدد بالكامل وفق الخطوات الإيرانية المقبلة، مضيفًا أن التصعيد "قد يستمر يومًا أو يومين، أو أسبوعًا، أو حتى شهرًا، بحسب ما إذا كانت إيران ستواصل هجماتها على السفن التجارية في مضيق هرمز".
وأوضح المسؤول أن الرسالة الأميركية إلى طهران واضحة، قائلاً: "سنصفعهم قليلًا حتى يفهموا أننا لا نمزح".
وشدد الموقع على أن المسار الدبلوماسي توقف في الوقت الراهن، بينما عاد الخيار العسكري إلى صدارة إستراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عقب انهيار وقف إطلاق النار الذي استمر 60 يومًا، والمنصوص عليه في مذكرة التفاهم.
المصادر
- قاليباف: زمن الاتفاقات الأحادية انتهى.. وإيران توسع ردها
- ترامب يعلن حصار إيران مجددا ويفرض رسوما على العبور في هرمز
- Trump's renewed Iran strikes put Republicans in a bind
- "أيام أو أسابيع".. أكسيوس: إدارة ترامب تستعد لعملية عسكرية مفتوحة ضد إيران
- ترامب: مذكرة التفاهم مع إيران انتهت
- ترامب وبزشكيان يوقعان مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب
- الولايات المتحدة تعلن شنّ ضربات جديدة على إيران، وترامب يلوّح بزيادة شدة الضربات
- هجمات تستهدف 3 ناقلات بمضيق هرمز ورفع مستوى التهديد بالممر المائي















