رئيس البرلمان السوري الجديد.. من هو عبد الحميد العواك؟

"يسعى الرجل لتعزيز دور المجلس وتطوير أدائه التشريعي والرقابي"
انتُخب الدكتور عبد الحميد عقيل العواك رئيسًا لأول مجلس شعب سوري يُشكَّل عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد، ليجد نفسه أمام مسؤولية استثنائية تتجاوز إدارة مؤسسة تشريعية جديدة؛ إذ يُنتظر من المجلس أن يرسم ملامح مرحلة سياسية مختلفة في تاريخ البلاد.
وبطريقة انتخابية ديمقراطية، انتخب أعضاء مجلس الشعب السوري الجديد، في 12 يوليو/تموز 2026، خلال جلسته الأولى في العاصمة دمشق، العواك رئيسًا للمجلس، وذلك عقب فتح "رئيس السن" النائب أسامة العساف باب الترشح لرئاسة المجلس.
وترشح كل من عبد الحميد العواك، ومؤيد القبلاوي، ومحمد كورج لرئاسة المجلس، فيما أدلى أعضاء البرلمان الحاضرون، وعددهم 206 أعضاء من أصل 210، بأصواتهم.
وعقب فرز الأصوات، حصل العواك على 99 صوتًا، فيما نال القبلاوي 75 صوتًا، وحصد كورج 31 صوتًا، بينما كانت هناك ورقة بيضاء واحدة.
ويتألف مجلس الشعب من 210 أعضاء، وسيمارس صلاحياته إلى حين إقرار دستور دائم لسوريا وإجراء انتخابات على أساسه.
واللافت أنه قبل أيام من انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب، أشار كثير من الخبراء والمراقبين السوريين إلى عبد الحميد العواك بصفته الخيار الأنسب لرئاسة المجلس في هذه المرحلة، لما يمتلكه من خبرة قانونية وأكاديمية، ومعرفة بطبيعة المرحلة الانتقالية وتحدياتها، بما يمكن أن يسهم في تعزيز دور المجلس وتطوير أدائه التشريعي والرقابي.
ورغم ذلك، يواجه العواك الذي تشكلت تجربته عند تقاطع القانون والتحولات الكبرى التي مرت بها سوريا، اختبارًا يتمثل في الانتقال من إرث قانوني ارتبط بعقود من حكم الفرد والحزب الواحد، إلى بناء منظومة تشريعية تؤسس لدولة القانون والحقوق والحريات.

المولد والنشأة
ولد عبد الحميد عقيل العواك عام 1966 في محافظة الحسكة، ودرس مرحلتي التعليم الابتدائي والإعدادي، ثم المرحلة الثانوية، في حي غويران بالمحافظة.
ثم انتقل إلى محافظة حلب؛ حيث نال إجازة في الحقوق من جامعة حلب عام 1990، قبل أن يحصل على دبلوم في القانون العام، ثم درجة الماجستير في القانون الإداري من الجامعة الإسلامية في لبنان عام 2009.
وفي إطار استكمال مسيرته الأكاديمية، نال العواك درجة الدكتوراه في القانون الدستوري من جامعة بيروت العربية عام 2014، عن أطروحة بعنوان: "أثر الثورات العربية على المركز القانوني لرئيس الجمهورية - تجربة مصر وتونس".
وانخرط العواك مبكرًا في العمل القانوني؛ حيث شغل منصب مدير الشؤون القانونية في مديرية حوض دجلة والخابور بمحافظة الحسكة بين عامي 1993 و1998.
وانتقل إلى السلك القضائي عام 1998، ومارس القضاء لمدة 16 عامًا في محافظة الحسكة شمال شرقي البلاد.
كما عمل قاضيًا برتبة مستشار في وزارة العدل السورية لمدة عشر سنوات، إلى جانب عمله محاضرًا في كلية الحقوق بجامعة الفرات شرقي سوريا.
وخلال رحلة لجوئه إلى تركيا، عمل العواك أستاذًا مساعدًا في جامعة ماردين أرتقلو منذ عام 2016.
ولم ينقطع عن توظيف خبراته في مجالات متعددة؛ إذ عمل مستشارًا في "وحدة دعم الاستقرار"، وهي منظمة مجتمع مدني سورية تعمل داخل سوريا في مجالات خدمية وتوعوية عدة، وقد تأسست عام 2016 على يد مجموعة من الخبراء السوريين وقادة المجتمع المدني.
كما عمل خلال العقد الأخير على تنفيذ برامج في مجالات الحوكمة والشفافية والمساءلة وكفاءة صنع القرار والإدارة المالية، بالتعاون مع هيئات الحوكمة المحلية ومنظمات المجتمع المدني والشركاء الدوليين.

الانحياز الأخلاقي
في نهاية عام 2014، غادر العواك سوريا بعد استدعائه من قبل فرع "أمن الدولة"، أحد الأفرع الأمنية التابعة لنظام بشار الأسد، بسبب ارتباطاته بالثورة السورية؛ حيث اكتشف حينها وجود محاولة للإيقاع به، فقرر الفرار إلى تركيا والالتحاق رسميًا بمسيرة الثورة السورية.
وشارك العواك لاحقًا في تدريب أعضاء اللجنة الدستورية المعارضة، كما عمل على برامج للتوعية الدستورية وتنظيم حوارات مجتمعية حول شكل الدولة السورية المستقبلية.
وعقب سقوط نظام بشار الأسد، وعندما احتاجت البلاد إلى من يصوغ إعلانها الدستوري لمرحلة ما بعد النظام السابق، تصدر العواك المشهد مترئسًا لجنة الصياغة، ووقف في 13 مارس/آذار 2025 ليتلو الوثيقة التاريخية على السوريين.
وصرح العواك، في مقابلة مع وكالة الأناضول، بأن اللجنة هدفت إلى تأسيس "دولة مواطنة" ترتكز على مبادئ العدالة.
وأوضح أن الإعلان الدستوري يمثل "إطارًا مؤقتًا لتنظيم عمل السلطات، لكنه لا يمكن أن يكون حلًا نهائيًا لكل الأزمات والتحديات التي تواجه البلاد، خلافًا لما قد يُفهم منه أو يُتوقع له".
واليوم، يعود العواك إلى تحدٍّ أكبر، إذ يضعه انتخابه رئيسًا لمجلس الشعب أمام اختبار حقيقي، في وقت يترقب فيه الشارع السوري قدرة رئاسة المجلس الجديدة على تفكيك الإرث القانوني السابق، وتفعيل اللجان النيابية، وتعزيز الدور التشريعي والرقابي للمجلس.
كما تواجه رئاسة البرلمان تحدي قيادة النقاشات المتعلقة بمسودة الدستور الجديد، والانتقال بالمؤسسة التشريعية من عقود الاحتكار الحزبي إلى فضاء التعددية السياسية ودولة القانون.
وبات العواك اليوم على رأس مؤسسة يُناط بها وضع قواعد تحول دون عودة الاستبداد الذي عاشه السوريون منذ عهد حافظ الأسد وابنه بشار (1971-2024)، وتؤسس لدولة تقوم على الحقوق والحريات.
وينظر العواك إلى السنوات التي أعقبت تخرجه في جامعة حلب بوصفها المرحلة التي صنعت منه مزيجًا من الخبرة الإدارية والقضائية، قبل أن يتجه إلى التخصص الأكاديمي في القانون الدستوري.
ويقول في إحدى مقابلاته التلفزيونية: إنه أدرك خلال دراسة الدكتوراه طبيعة العلاقة بين السلطة والنص الدستوري، وكيف تتغير مواقع المؤسسات السياسية خلال مراحل التحول الكبرى.

"مرحلة بناء الدولة"
عندما كان العواك قاضيًا في الحسكة مع اندلاع الثورة السورية، يؤكد في تصريحاته أنه تعامل مع التظاهر بصفته "حقًا للمواطن"، وأنه لم يوقف أي ناشط أو ثائر عُرضت عليه قضيته، بل سعى إلى مساعدة كثير من الموقوفين ضمن الأطر القانونية.
وعندما اختير عضوًا في لجنة صياغة الإعلان الدستوري، لم يعدّ ذلك مفاجئًا من الناحية العلمية، بالنظر إلى مسيرته الطويلة في القانون الدستوري، لكنه رأى فيه مسؤولية استثنائية.
ويشكل مفهوم الشرعية محورًا أساسيًا في فكر العواك؛ إذ يميز بين الشرعية الثورية التي يرى أنها تنشأ عندما يغلق الاستبداد أبواب التغيير أمام المواطنين، والشرعية الدستورية التي تبدأ مع وجود دستور ينظم السلطات وآليات اختيارها.
وبحسب رؤيته، فإن الشرعية الثورية تنتهي بإعلان دستوري ينقل البلاد من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة.
لكنه يؤكد أن انتهاء الشرعية الثورية لا يعني انتهاء أهداف الثورة؛ لأن تحقيق الحرية والكرامة وتداول السلطة يحتاج إلى سنوات من البناء المؤسساتي.
ويرى العواك أن الإعلان الدستوري ليس دستورًا دائمًا، وإنما وثيقة انتقالية جاءت لتنظيم عمل الدولة خلال مرحلة استثنائية.
أما الدستور الدائم، فيحتاج -بحسب رؤيته- إلى بيئة مستقرة، وانتخابات، وهيئة تأسيسية منتخبة، أو حوار مجتمعي واسع ينتهي إلى إرادة شعبية.
ويؤكد العواك، خلال حوار أجراه مع "تلفزيون سوريا" في مارس/آذار 2025، أن سبعة أشخاص، مهما بلغت خبرتهم، لا يستطيعون صياغة جميع تطلعات السوريين أو حسم القضايا الكبرى المتعلقة بهوية الدولة وشكلها النهائي، ولذلك يرى أن بعض الملفات الخلافية ينبغي ترحيلها إلى مرحلة إعداد الدستور الدائم.
ويرفض العواك فكرة بناء الدولة على أساس المحاصصة الطائفية أو العرقية، ويقول خلال المقابلة إن دولة المحاصصة تقوم على توزيع السلطة بين الجماعات وفق حصص محددة، كما في بعض التجارب الإقليمية، بينما تقوم دولة المواطنة على مبدأ المساواة بين المواطنين.
وخلال اللقاء التلفزيوني، طرح الرجل جانبًا من تصوراته القانونية؛ إذ يؤيد انتخاب هيئة تأسيسية تتولى إعداد الدستور الدائم، ثم عرض مشروعه على السوريين للاستفتاء، مؤكداً أن أي لجنة معينة لا تملك صلاحية تغيير المبادئ الكبرى أو حسم القضايا الخلافية نيابة عن ملايين السوريين.
كما يرى أن الخلافات المتعلقة باسم الدولة، ودين رئيسها، ومصدر التشريع، تمثل قضايا رمزية أكثر من كونها جوهر النظام السياسي، ويرى أن المعركة الأساسية يجب أن تتركز على حماية الحقوق والحريات ومنع تغول السلطة.
ويؤكد العواك أن الحرية تحتاج إلى حماية دائمة، وأن السلطات لا تمنح الحقوق من تلقاء نفسها، مشددًا على أن المواطنين يجب أن يدافعوا عن حقوقهم، ويراقبوا تطبيق الدستور، لأن النصوص وحدها لا تكفي لمنع عودة الاستبداد.
















