هل أصبحت إسرائيل عبئاً على الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط؟

طالما بقيت إسرائيل كيان يؤدي الوظيفة التي تخدم الإستراتيجية الأمريكية فإنها ستظل تحظى بدعم سياسي وعسكري
في أواخر يونيو/حزيران 2026، أجرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب سلسلة اتصالات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، دعا خلالها إلى عدم توسيع المواجهة مع إيران، مفضلاً منح المسار الدبلوماسي فرصة جديدة لتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الاشتباك القائم.
وبعد أيام قليلة، ظهر نتنياهو من جنوب لبنان ليؤكد أن القوات الإسرائيلية “لن تغادر” ما دام حزب الله يحتفظ بسلاحه، في موقف عكس تبايناً واضحاً مع الجهود الأميركية الرامية إلى ضبط التصعيد في أكثر من ساحة إقليمية.
هذا التباين، رغم أنه لا يصل إلى حد القطيعة بين الحليفين، أعاد إلى الواجهة سؤالاً مركزياً ظل حاضراً في النقاشات السياسية والأكاديمية في واشنطن منذ عقود: هل تمثل إسرائيل حليفاً إستراتيجياً استثنائياً للولايات المتحدة، أم أنها إحدى أهم الأدوات التي توظفها واشنطن لحماية مصالحها في الشرق الأوسط وإعادة تشكيل توازناته؟

جدل قديم يتجدد في لحظة إقليمية مضطربة
لا يكاد الجدل حول طبيعة العلاقة الأميركية–الإسرائيلية ينفصل عن تاريخ هذه العلاقة نفسها، الممتد منذ اعتراف الرئيس الأميركي هاري ترومان بإسرائيل في 14 مايو/أيار 1948.
ومنذ تلك اللحظة، انقسمت دوائر السياسة والفكر في الولايات المتحدة بين اتجاهين رئيسين: أحدهما يرى في الدعم الأميركي التزاماً أخلاقياً وسياسياً فرضته تداعيات الحرب العالمية الثانية والمحرقة، واتجاه آخر يرى أن هذا الدعم محكوم في الأساس بتقديرات المصلحة القومية الأميركية في منطقة بالغة الأهمية إستراتيجياً.
ومع مرور العقود، لم يتراجع هذا الجدل بل ازداد تعقيداً، خاصة مع التحولات الكبرى في النظام الدولي. فبعد نهاية الحرب الباردة، ثم بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، تعزز موقع إسرائيل داخل الحسابات الإستراتيجية الأميركية، في وقت كانت فيه واشنطن تعيد تعريف أولوياتها في الشرق الأوسط ومفهوم الأمن القومي خارج حدودها التقليدية.
وفي السنوات الأخيرة، عاد هذا النقاش إلى الواجهة بقوة مع تصاعد الخلافات بين الإدارات الأميركية المتعاقبة والحكومات الإسرائيلية، خصوصاً حكومة بنيامين نتنياهو، بشأن إدارة ملفات غزة ولبنان وإيران، وحدود استخدام القوة العسكرية في الإقليم.
ورغم أن الخطاب السياسي الأميركي الرسمي لا يتخلى عن الإشارة إلى “القيم المشتركة” و”الالتزام التاريخي”، فإن عدداً من منظري العلاقات الدولية يرون أن هذه الأمور لا تكفي وحدها لتفسير عمق واستمرارية التحالف لأكثر من سبعة عقود.
من البعد الأخلاقي إلى منطق القوة
يرى اتجاه واسع في دراسات العلاقات الدولية أن التحالف الأميركي–الإسرائيلي لا يمكن فهمه خارج إطار التحولات البنيوية في السياسة الدولية؛ إذ إن استمرار الدعم الأميركي لإسرائيل تعزز بشكل واضح بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ثم تعمق أكثر بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، في سياق إعادة تشكيل النظام الدولي تحت قيادة الولايات المتحدة.
في المقابل، قدّمت دراسة بارزة لأستاذي العلوم السياسية جون ميرشايمر وستيفن وولت عام 2006 بعنوان “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية” تفسيراً مختلفاً؛ إذ ذهبت إلى أن تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل واشنطن أسهم في توجيه جزء مهم من السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، بما في ذلك دعم سياسات كغزو العراق عام 2003، وتبني مواقف متشددة تجاه إيران.
وأثارت هذه الدراسة جدلاً واسعاً داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية؛ إذ عدها مؤيدون محاولة لفهم دور السياسة الداخلية في تشكيل القرار الخارجي الأميركي، بينما رأى منتقدون أنها تبالغ في تقدير تأثير جماعات الضغط على حساب تقديرات الأمن القومي والبنية الإستراتيجية للولايات المتحدة.
وفي المقابل، يؤكد باحثون ينتمون إلى المدرسة الواقعية أن السياسة الخارجية الأميركية لا تُفسَّر فقط عبر الضغوط الداخلية أو التقديرات الأخلاقية، بل من خلال حسابات القوة والمصلحة والتوازنات الدولية، وهو ما يجعل استمرار التحالف مع إسرائيل مرتبطاً بوظيفتها الإستراتيجية في النظام الإقليمي.

“السلام الأميركي” وإعادة تشكيل الشرق الأوسط
لفهم التحول البنيوي في العلاقة، تعود العديد من الدراسات إلى مرحلة ما بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حين بدأت الولايات المتحدة إعادة صياغة دورها في الشرق الأوسط ضمن ما عُرف لاحقاً في الأدبيات السياسية بـ”الباكس أميركانا” أو “السلام الأميركي”.
فحتى حرب 1967، لم تكن إسرائيل تمثل الحليف الأول لواشنطن في المنطقة؛ إذ سعت الولايات المتحدة آنذاك إلى الحفاظ على توازن دقيق بين دعمها لإسرائيل وبين علاقاتها المتنامية مع الدول العربية، خصوصاً في ظل أهمية النفط خلال الحرب الباردة.
وخلال تلك المرحلة، فرضت واشنطن قيوداً على تصدير السلاح لطرفي الصراع، بينما اعتمدت إسرائيل بشكل أساسي على فرنسا وبريطانيا في بناء قدراتها العسكرية، خاصة خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.
لكن نتائج حرب 1967، وما أعقبها من تحولات في ميزان القوى الإقليمي، ثم حرب 1973، دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في موقع إسرائيل داخل إستراتيجيتها الشرق أوسطية؛ فقد برزت إسرائيل تدريجياً كقوة عسكرية إقليمية قادرة على المساهمة في موازنة النفوذ السوفيتي، وهو ما مهّد لتحولها إلى شريك إستراتيجي طويل الأمد للولايات المتحدة.
ومنذ ذلك الوقت، لم تعد العلاقة مقتصرة على الدعم السياسي والعسكري التقليدي، بل تطورت إلى منظومة شراكة أوسع تشمل الأمن والاستخبارات والتكنولوجيا والتنسيق الإستراتيجي.
اختبار فعالية الدور الإسرائيلي
اعتمدت الإستراتيجية الأميركية على فرضية أساسية مفادها أن وجود إسرائيل قوية يمكن أن يقلل من الحاجة إلى تدخل عسكري أميركي مباشر في الشرق الأوسط، عبر الاعتماد على حليف إقليمي قادر على تنفيذ جزء من مهام الردع وضبط التوازن.
غير أن هذه الفرضية تعرضت لاختبارات متكررة خلال العقدين الأخيرين؛ فقد أثارت حرب لبنان عام 2006 تساؤلات داخل واشنطن حول مدى قدرة إسرائيل على تحقيق حسم عسكري واضح في مواجهة خصوم غير تقليديين، كما أعادت الحروب المتكررة على قطاع غزة النقاش ذاته حول حدود القوة الإسرائيلية في بيئة إقليمية معقدة.
ومع تصاعد التوتر مع إيران وحلفائها في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، دخلت هذه الأسئلة مرحلة جديدة أكثر حساسية، خاصة مع تزايد الحاجة الأميركية إلى منع توسع المواجهات إلى حرب إقليمية مفتوحة.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير إعلامية في يونيو/حزيران 2026 إلى تدخل مباشر من إدارة ترامب لوقف خطط إسرائيلية لتصعيد عسكري واسع ضد لبنان، في إطار مساعٍ أميركية للحفاظ على مسار التهدئة مع إيران ومنع انهيار التوازن القائم.

دعم عسكري واسع ضمن حسابات إستراتيجية
تُعد المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل أحد أبرز أركان العلاقة الثنائية؛ حيث وقّع الجانبان عام 2016 مذكرة تفاهم تنص على تقديم 38 مليار دولار خلال عشر سنوات، ما يجعل إسرائيل من أكبر المستفيدين من المساعدات العسكرية الأميركية في العالم.
ورغم أن هذا الدعم يُقدَّم في الخطاب السياسي بوصفه التزاماً إستراتيجياً طويل الأمد، فإن المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية تنظر إليه بوصفه جزءاً من “استثمار إستراتيجي” يهدف إلى تقليل الكلفة العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط مقارنة بخيارات التدخل المباشر.
فبدلاً من نشر قوات أميركية واسعة كما حدث في حرب الخليج عام 1991 أو غزو العراق عام 2003، تعتمد واشنطن على إسرائيل كقوة إقليمية متقدمة تسهم في الحفاظ على ميزان الردع وموازين القوى.
غير أن هذا الدعم لم يعد معزولاً عن التباينات السياسية؛ إذ باتت المساعدات العسكرية جزءاً من أدوات إدارة العلاقة، يتم توظيفها أحياناً في سياق الضغط غير المباشر أو إعادة ضبط أولويات التحالف بين الطرفين.
نقاش داخل واشنطن حول مستقبل التحالف
في هذا السياق، يطرح عدد من الباحثين تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل لا تزال تمثل “أصلاً إستراتيجياً” ثابتاً في السياسة الأميركية، أم أنها باتت في بعض الملفات تتحول إلى عبء سياسي أو عسكري على حسابات واشنطن.
ويرى الباحث السياسي المقيم في الولايات المتحدة كريم رزق، في حديثه للأناضول، أن إسرائيل لا تزال تمثل ركيزة أساسية في الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه كيان يؤدي وظيفة محددة ضمن منظومة إدارة التوازنات الإقليمية.
ويضيف أن استمرار الدعم الأميركي مرتبط بمدى قدرة إسرائيل على التوافق مع الأهداف الأميركية في المنطقة، مشيراً إلى أن الخلافات الأخيرة بين واشنطن وتل أبيب تعكس اختلافاً في تقدير المصالح أكثر مما تعكس أزمة في بنية التحالف نفسه.
ويخلص رزق إلى أن النقاش الدائر داخل واشنطن لا يتمحور حول إنهاء التحالف مع إسرائيل، بل حول كيفية إعادة ضبطه بما يضمن استمرار دوره كأداة لتعزيز النفوذ الأميركي، دون أن يتحول إلى مصدر أعباء سياسية أو عسكرية غير محسوبة الكلفة.
كيف أصبحت إسرائيل ركيزة للإستراتيجية الأميركية؟
يكاد الجدل حول طبيعة العلاقة الأميركية الإسرائيلية يوازي عمر دولة الاحتلال نفسها؛ فمنذ اعتراف الرئيس الأميركي هاري ترومان بإسرائيل في 14 مايو/ أيار 1948، انقسمت النخب السياسية والأكاديمية في واشنطن بين من رأى في دعمها التزاما أخلاقيا فرضته تداعيات الحرب العالمية الثانية، ومن عده خيارا تحكمه تقديرات المصلحة القومية الأميركية.
لكن هذا الجدل اكتسب زخما جديدا بعد انتهاء الحرب الباردة، ثم عاد بقوة خلال السنوات الأخيرة مع تصاعد الخلافات بين الإدارات الأميركية المتعاقبة وحكومة بنيامين نتنياهو بشأن غزة ولبنان وإيران.
ورغم حضور البُعد الأخلاقي في الخطاب السياسي الأميركي، فإن قطاعا واسعا من منظري العلاقات الدولية يرى أن هذا العامل وحده لا يفسر استمرار التحالف لأكثر من سبعة عقود.
فلو كان الدعم الأميركي نابعا فقط من المسؤولية التاريخية تجاه اليهود بعد المحرقة أو من القيم الديمقراطية المشتركة، لكان من الطبيعي أن تتراجع أهميته مع تغير البيئة الدولية.
إلا أن الواقع سار في الاتجاه المعاكس؛ إذ ازداد التحالف رسوخا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتعزز بصورة أكبر بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وهو ما يشير إلى أن واشنطن رأت في إسرائيل أكثر من مجرد حليف سياسي.
وفي مقابل هذا الطرح، اكتسبت دراسة نشرها أستاذ جامعة شيكاغو جون ميرشايمر وأستاذ جامعة هارفارد ستيفن وولت في مارس/ آذار 2006 بعنوان "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية" شهرة واسعة، بعدما ذهبت إلى أن الدعم الأميركي لإسرائيل لم يعد يعكس المصلحة القومية الأميركية، بل أصبح نتيجة مباشرة لنفوذ جماعات الضغط الصهيونية داخل واشنطن.
ورأت الدراسة أن هذا النفوذ أسهم في دفع الولايات المتحدة نحو غزو العراق عام 2003، كما عزز الاتجاه إلى المواجهة مع إيران، رغم ما حملته تلك السياسات من أعباء على الولايات المتحدة.
غير أن هذا الاستنتاج ظل محل اعتراض داخل المدرسة الواقعية نفسها؛ فعدد من الباحثين رأى أن اختزال التحالف في نفوذ اللوبيات يتجاهل جوهر الواقعية، التي تقيس السياسات بميزان القوة والمصلحة لا بميزان الضغوط الداخلية.
ومن هنا برز سؤال مختلف: إذا جردت العلاقة الأميركية الإسرائيلية من التقديرات الأخلاقية والسياسية الداخلية، فهل تبقى إسرائيل أصلا إستراتيجيا يخدم المصالح الأميركية، أم تتحول إلى عبء عليها؟

كيان يؤدي وظيفة
ويرى الباحث السياسي المقيم في الولايات المتحدة كريم رزق في حديثه "للاستقلال"، أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل دعم إسرائيل، بل لماذا تدعمها، وما الحدود التي يمكن أن يصل إليها هذا الدعم عندما تتعارض المصالح الأميركية مع الحسابات الإسرائيلية.
ويؤكد أن إسرائيل ما تزال تمثل ركيزة أساسية لا غنى عنها للأمن القومي الأميركي؛ لأنها تؤدي، دورا محوريا في الإستراتيجية الأميركية الهادفة إلى إدارة التوازنات في العالم وتحديدا الشرق الأوسط بأقل كلفة ممكنة.
ويقول: إن واشنطن نظرت إلى إسرائيل بصفتها قوة إقليمية مماثلة لها أو ذراع لها قادرة على ردع الخصوم، وحماية ميزان القوى، بتقدير القرب أيضا من مناطق الصراع نحو الصين وروسيا ووسط آسيا.
ويضيف رزق أن هذا لا يعني أن الدعم الأميركي مطلق أو غير خاضع للحسابات؛ لأن السياسة الخارجية الأميركية تحكمها في نهاية المطاف المصلحة القومية.
فطالما بقيت إسرائيل كيانا يؤدي الوظيفة التي تخدم الإستراتيجية الأميركية وتحافظ على الاستقرار الإقليمي من منظور واشنطن، فإنها ستظل تحظى بدعم سياسي وعسكري واسع، وهو ما تحدث عنه المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري في حديثه عن إسرائيل بأنها مجرد دولة وظيفية تؤدي مهام الغرب في الاستعمار.
أما إذا أصبحت سياساتها تفرض على الولايات المتحدة أعباء إضافية، أو تدفعها إلى أزمات وحروب لا تتوافق مع أولوياتها، فإن الإدارات الأميركية ستسعى إلى إعادة ضبط العلاقة بما يحفظ مصالحها، عبر الضغط المباشر على الحكومات الإسرائيلية لا إلى إنهاء التحالف بالطبع. ويشير إلى أن الخلافات الأخيرة بين ترامب ونتنياهو تجسد هذا المنطق بوضوح.
ثم يخلص رزق إلى أن إسرائيل لا تزال تحتفظ بمكانة استثنائية داخل الإستراتيجية الأميركية، لكن هذه المكانة ليست ثابتة بمعزل عن الأداء والنتائج، بل ترتبط باستمرار قدرتها على خدمة المصالح الأميركية.
ويؤكد أن النقاش الدائر اليوم داخل واشنطن لا يدور حول التخلي عن إسرائيل، وإنما حول كيفية الحفاظ على تحالف يجعلها ركيزة تعزز النفوذ الأميركي، لا عاملا يفرض على الولايات المتحدة كلفة سياسية وعسكرية تتجاوز المكاسب التي وفرها هذا التحالف طوال العقود الماضية.
المصادر
- Israel to seek new security deal with the US, FT reports
- Trump reins in Netanyahu over Lebanon after Iran threatens to quit talks
- Trump Struggled to Rein In Netanyahu’s Strikes on Iran
- "الباكس أميركانا"... استراتيجية سلام أم حرب؟
- لماذا تدعم أميركا إسرائيل بشكل لا محدود منذ 70 عاما؟
- العلاقات الإسرائيلية الأمريكية: هل اسرائيل حليف ناكر للجميل؟

















