اتفاق لبنان وإسرائيل.. هل يصمد أمام الانقسام الداخلي أم يلقى مصير 17 أيار؟

اتفاق واشنطن يمنح إسرائيل نفوذا واسعا على المسار الأمني في لبنان
ما بين مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية، التي تضمنت 14 بندا، والاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي الذي وُقّع بعد نحو عشرة أيام برعاية أميركية، وضم العدد ذاته من البنود، برزت مقارنات واسعة بشأن طبيعة المكاسب التي حققها كل طرف في الاتفاقين.
ففي حين خلصت تقديرات نشرها موقع "بلومبيرغ إيكونوميكس" إلى أن إيران حققت مكاسب في 9 من أصل 14 بندا، مقابل بندين فقط لصالح الولايات المتحدة، مع تعادل الطرفين في ثلاثة بنود، رأى سياسيون ومحللون لبنانيون أن الاتفاق المبرم مع إسرائيل يصب بدرجة كبيرة في مصلحة تل أبيب.
ويرى منتقدو الاتفاق أن أخطر بنوده يتمثل في ربط انتشار الجيش اللبناني في الجنوب بآليات إشراف وتنسيق تشارك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى اشتراط نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وفي مقدمتها "حزب الله"، مقابل الانسحاب الإسرائيلي، وهو ما يرون أنه يمنح تل أبيب هامشا واسعا للتحكم في وتيرة تنفيذ الاتفاق.
وحسب هؤلاء، فإن الاتفاق يتيح لإسرائيل الإبقاء على وجودها العسكري في بعض المناطق إلى حين اعتبارها أن التهديدات الأمنية قد زالت، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير انسحابها الكامل وعودة السكان إلى قراهم في الجنوب.
كما يرى معارضون أن بعض البنود قد تثير إشكالات دستورية، لكونها تربط انتشار الجيش اللبناني بترتيبات خارجية، وهو ما يعدونه متعارضا مع الدستور الذي يحصر قيادة القوات المسلحة وصلاحياتها بالمؤسسات اللبنانية.
ويضيف المنتقدون أن البنود المتعلقة بعدم اللجوء إلى المحاكم أو الهيئات الدولية للمطالبة بحقوق أو تعويضات قد تثير جدلا قانونيا بشأن مدى انسجامها مع مبدأ السيادة وضرورة موافقة المؤسسات الدستورية اللبنانية على أي التزامات من هذا النوع.

الرئيس والجيش طوع إسرائيل
تشير قراءات وتحليلات لبنانية لبنود الاتفاق الإسرائيلي اللبناني المؤلف من 14 بندا، إلى أن 9 منها تميل، بحسب هذه القراءات، لصالح إسرائيل، مقابل 3 بنود لصالح لبنان، فيما عد بندان متوازنين أو مشتركا المصلحة بين الطرفين.
وبناء على ذلك، وصفت وسائل إعلام لبنانية وقوى سياسية، من بينها “حزب الله” وحركة أمل وتيارات سياسية أخرى، الاتفاق بأنه يميل بدرجة كبيرة لصالح المطالب الإسرائيلية.
ويرى هؤلاء أن اتفاق واشنطن يمنح إسرائيل نفوذا واسعا على المسار الأمني في لبنان، ويضع السلطات اللبنانية، بما فيها رئاسة الجمهورية والجيش، في موقع تنفيذ ترتيبات أمنية مرتبطة بالشروط الإسرائيلية، دون ضمانات واضحة للانسحاب الكامل.
وبحسب هذه القراءات، ينص الاتفاق على انتشار الجيش اللبناني في الجنوب ومنع أي وجود لقوى مسلحة غير الدولة، بما يشمل “حزب الله”، في إطار ترتيبات مرتبطة بعملية الانسحاب الإسرائيلي.
كما يتضمن الاتفاق آلية تعاون وتنسيق بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، برعاية واشنطن، بحيث يتم الانسحاب الإسرائيلي تدريجيا مقابل تنفيذ ترتيبات أمنية موازية، وهو ما يثير جدلا حول طبيعة هذا التوازن وشروطه.
وينص أيضا على تشكيل “مجموعة تنسيق عسكري” تضم ممثلين عن الطرفين وبمشاركة أميركية، إضافة إلى “آلية مراقبة دولية”، ما يعده منتقدون مدخلا لوضع القرار الأمني اللبناني تحت إشراف خارجي.
وبحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت” في 27 يونيو/حزيران 2026، يتضمن الاتفاق ملحقا عسكريا غير معلن يحدد آليات التنفيذ.
كما كشف تقرير للقناة 12 الإسرائيلية في 28 يونيو/حزيران 2026 عن تفاصيل تتعلق بهذا الملحق، من بينها ربط انسحاب القوات الإسرائيلية بتقييمات ميدانية بدلا من جدول زمني ثابت، بما قد يفسر استمرار العمليات العسكرية في بعض المناطق.
وفي السياق نفسه، أشارت صحيفة “معاريف” إلى بحث إنشاء خط اتصال مباشر بين هيئة الأركان الإسرائيلية والجيش اللبناني في الجنوب، إضافة إلى لقاءات وتنسيقات عسكرية جرت في واشنطن خلال المفاوضات.
وقال الصحفي اللبناني حسن عليق، المعروف بقربه من حزب الله، إن إنشاء لجنة تنسيق أمنية مشتركة قد يؤدي إلى وضع الجيش اللبناني في موقع إشرافي غير مباشر من قبل الجانب الإسرائيلي، من خلال آليات التحقق من تنفيذ الالتزامات، واصفا ذلك بأنه “اتفاقية شبيهة بالتبعية الأمنية”.
وأضاف أن بعض هذه الترتيبات قد تعني، وفق قراءته، تقييد حركة القرار العسكري اللبناني في الجنوب، وربطه بالالتزامات المتفق عليها ضمن الإطار الدولي.
وفي المقابل، حذر محللون لبنانيون من أن أي التزام داخلي بتنفيذ بنود تتعلق بنزع سلاح حزب الله بالقوة، قد يؤدي إلى توترات داخلية خطيرة، في ظل حساسية التوازنات الطائفية والسياسية في البلاد.
ويشير هؤلاء إلى أن حزب الله لا يُنظر إليه كتنظيم مسلح فقط، بل كجزء من تمثيل طائفي واسع يشكل نحو 30% من السكان، ما يجعل أي مواجهة مباشرة معه ذات انعكاسات داخلية واسعة.
من جانبه، رأى ممثل حزب الله في البرلمان حسن فضل الله أن الاتفاق يتضمن بنودا تتعارض مع الدستور اللبناني، مشيرا إلى أن “المادة 52” من الدستور لا تتيح لأي جهة التنازل عن حالة العداء مع إسرائيل.
وأضاف أن أي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل تتعارض، بحسب رأيه، مع الثوابت الدستورية اللبنانية، ولا تمنح أي طرف صلاحية تغيير طبيعة العلاقة معها من جانب واحد.

"فخ المادة الرابعة"
تنص المادة الرابعة من الاتفاق، بحسب ما ورد في نصه، على استعادة الحكومة اللبنانية ممارسة سيادتها الكاملة على جميع أراضيها، واحتكار الدولة لاستخدام القوة، إضافة إلى تحقيق نزع السلاح الكامل والقابل للتحقق من جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.
كما تنص المادة على منع هذه الجماعات من الاضطلاع بأي دور عسكري أو أمني، أو امتلاك أي قدرات مسلحة داخل الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع التأكيد على “ضمان دعم الشركاء الدوليين، ولا سيما الشركاء العرب، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية” لتحقيق هذه الأهداف.
وتقرأ أوساط سياسية وتحليلية لبنانية هذه الصياغة على أنها تفتح الباب أمام تدخل أطراف خارجية في تنفيذ بنود داخلية تتعلق بالأمن اللبناني، بما قد يثير تساؤلات حول حدود السيادة الوطنية وآليات تطبيق الاتفاق.
وبحسب هذه القراءات، فإن الإشارة إلى “دعم الشركاء الدوليين والعرب” في ملف يتعلق بنزع سلاح جماعات داخلية، تطرح إشكاليات تتصل بطبيعة الدور الخارجي وحدوده، وبمدى ارتباطه بالمسار الأمني في لبنان.
كما تثير هذه التقديرات تساؤلات حول هوية الأطراف العربية والدولية المعنية بهذا الدعم، وطبيعة التنسيق مع الولايات المتحدة، في ظل غياب توضيحات تفصيلية بشأن آليات التنفيذ.
وفي السياق نفسه، حذرت بعض التحليلات من أن هذه الصياغة قد تفتح الباب أمام أدوار إقليمية ودولية واسعة في الشأن الأمني اللبناني، بما ينعكس على توازنات الداخل.
كما ربطت بعض القراءات بين هذا البند وبين نقاشات إقليمية ودولية سابقة حول مستقبل ترتيبات الأمن في لبنان، غير أن هذه التقديرات تبقى محل جدل ولم تصدر بشأنها تأكيدات رسمية واضحة.

إنقاذ مجرمي الحرب
أثار البند رقم 13 من الاتفاق الإسرائيلي الأميركي اللبناني جدلاً واسعاً، بعد أن نص، بحسب ما ورد في نص الاتفاق، على “وقف جميع الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية والقانونية الدولية، والعمل على البحث عن الرفات وإعادتها، والإفراج عن المحتجزين”.
ويرى منتقدون أن هذا البند قد يترتب عليه تقييد التحركات القانونية والدبلوماسية للأطراف المعنية، بما في ذلك الحد من اللجوء إلى المحاكم الدولية أو تقديم شكاوى تتعلق بانتهاكات أو جرائم حرب مزعومة.
وبحسب هذه القراءات، فإن الصياغة الواردة قد تُفهم على أنها تتضمن التزاماً بعدم تصعيد المسارات القانونية في المحافل الدولية، بما في ذلك الهيئات القضائية أو الحقوقية، وهو ما يثير نقاشاً حول مدى انعكاس ذلك على جهود المساءلة الدولية.
كما يذهب بعض المراقبين إلى أن هذا النوع من البنود قد يحدّ من إمكانية الاستمرار في الإجراءات القانونية القائمة أو المستقبلية أمام محاكم دولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، فيما يتعلق باتهامات بارتكاب انتهاكات خلال النزاعات السابقة.
وفي هذا السياق، قال الباحث في منظمة “هيومن رايتس ووتش” رمزي قيس، إن أي إطار سياسي جديد بين لبنان وإسرائيل قد يفرض قيوداً على متابعة المسارات القانونية والدبلوماسية المتعلقة بالانتهاكات السابقة، بحسب تعبيره.
وأضاف أن “مثل هذا التوجه قد يؤدي إلى إغلاق مسارات مساءلة مرتبطة باتهامات بجرائم حرب موثقة من قبل منظمات حقوقية دولية، بما فيها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية”.
وفي تعليق نشره عبر منصة “إكس”، رأى قيس أن أي تنازل عن هذه المسارات “يمس بحقوق ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في الوصول إلى العدالة”، على حد قوله.
من جانبه، رأى الصحفي اللبناني حسن عليق، المعروف بقربه من حزب الله، أن البنود المتعلقة بعدم متابعة إسرائيل قانونياً أو دبلوماسياً بشأن أي انتهاكات سابقة أو مستقبلية قد تُفهم على أنها تمنح حماية قانونية ضمنية، تحد من إمكانية ملاحقتها أمام المحافل الدولية.

هل الهدف إشعال حرب أهلية؟
لأن إسرائيل تعلم أن “حزب الله” سيرفض الاتفاق، ومع ذلك سعت إليه مع حكومة بيروت، فقد رأى لبنانيون أن الهدف الإسرائيلي يتجاوز مجرد توقيع اتفاق، خاصة وأنه، وفق هذا التصور، اتفاق تعلم إسرائيل أنه قد لا يكون قابلاً للتطبيق وسينهار، على غرار اتفاق مايو/أيار 1983 الذي وُقّع تحت ضغط الاحتلال ثم سقط لاحقاً.
وأشار هؤلاء إلى أن الهدف الإسرائيلي، بحسب قراءتهم، قد يكون أوسع من البعد الأمني المباشر، ويتجه نحو إشعال فتنة أو توتر داخلي في لبنان، بما يكفي – وفق هذا الطرح – لتخفيف العبء العسكري على إسرائيل، وتمكينها من تثبيت وجودها في الجنوب، في ظل تباين المواقف الداخلية بين مكونات لبنانية مختلفة، بينها أطراف شيعية رافضة للاتفاق، وأطراف أخرى مسيحية أو سياسية مؤيدة له أو متحفظة عليه.
وقد عزز هذا التوجه، بحسب ما ينقله أصحاب هذا الرأي، تقرير نشرته القناة 13 الإسرائيلية، إلى جانب قراءات لعدد من المحللين الإسرائيليين الذين رأوا أن الاتفاق قد يندرج ضمن “إدارة الصراع” أو محاولة إعادة تشكيل البيئة الأمنية في لبنان، مع اختلاف التفسيرات حول هذه الطروحات.
وفي هذا السياق، تحدث المعلق الإسرائيلي رفيف دروكر عبر شاشة “القناة 13” عن أن بعض القراءات داخل إسرائيل ترى أن الهدف من الاتفاق قد يرتبط بمحاولة التأثير على التوازنات الداخلية في لبنان، بينما أشار المراسل العسكري ألون بن ديفيد، المعروف بقربه من المؤسستين العسكرية والأمنية، إلى أن التعامل مع ملف “حزب الله” يشكل أحد محاور التفكير الأمني الإسرائيلي، وفق ما ورد في تحليلاته.
في المقابل، يرى محللون لبنانيون أن الرهان على اندلاع حرب أهلية أو فتنة داخلية واسعة في لبنان يبقى محدود الاحتمال، نظراً لطبيعة التركيبة اللبنانية المعقدة، وتشابك القوى السياسية والطائفية، إضافة إلى أن معظم القوى اللبنانية، رغم اختلافاتها، لا تبدو مستعدة للانخراط في صراع داخلي شامل.
ويستشهد هؤلاء بمواقف عدد من القوى السياسية والدينية، من بينها “الجماعة الإسلامية” و“هيئة علماء المسلمين” في لبنان، التي أعلنت رفضها للاتفاق بصيغته الحالية، مع التأكيد في الوقت ذاته على رفض الانزلاق إلى أي فتنة داخلية أو حرب أهلية.
فقد شددت “الجماعة الإسلامية” على أن أي بحث في مسألة حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة لا يجوز أن يتم تحت ضغط الاحتلال أو التهديد، وإنما عبر حوار وطني جاد يفضي إلى إستراتيجية دفاعية شاملة تعزز قدرة الجيش على حماية الحدود والمواطنين.
وحذرت الجماعة من خطورة ربط الانسحاب الإسرائيلي بشروط أمنية قابلة للتأجيل أو التأويل، أو تفسير أي بند بطريقة تقيد حق لبنان في الدفاع عن سيادته، مؤكدة أن الاحتلال يجب أن ينتهي بوصفه احتلالاً.
ودعت الجماعة الحكومة اللبنانية إلى الشفافية في عرض تفاصيل الاتفاق، وكشف نصوصه وملحقاته، خصوصاً الملحق الأمني وآليات التحقق وجدول إعادة الانتشار، مع ضرورة عرض أي التزامات كبرى على المؤسسات الدستورية المختصة.
وأكدت أن موقفها يقوم على “رفض انفعالي يعيد لبنان إلى الحرب والعزلة، ولا قبول متسرع يمنح العدو ما لم يحصل عليه بالقوة”، مقدرة أن معيارها هو مصلحة لبنان العليا، بما يشمل السيادة الكاملة، والانسحاب الكامل، ودولة قوية، وجيش قادر، ووحدة وطنية، وعودة آمنة، وإعادة إعمار عادلة، مع رفض كل أشكال الاحتلال والعدوان.
ودعت جميع القوى السياسية والمرجعيات الوطنية والدينية إلى تجنب الخطاب التحريضي والانقسامي، والتمسك بموقف جامع يحمي الدولة ويصون الحقوق، ويدعم الجيش ويجنب البلاد الفتنة، ويرفض الاحتلال دون أن يفتح الباب أمام حرب جديدة.
كما أعلنت “هيئة علماء المسلمين” في لبنان رفضها الاتفاق الموقع مع إسرائيل، مقدرة أن أي اتفاق لا يضمن الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، ولا يرفض التطبيع مع الاحتلال، لا يمكن القبول به ولا يلبي متطلبات حماية السيادة اللبنانية.
وشددت على رفض أي صيغة من شأنها أن تمهد لتطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، داعية مجلس النواب إلى إسقاط الاتفاق وعدم إقراره.
كما رفضت أي صيغة تعدها بمثابة “وصاية خارجية” على الدولة اللبنانية، مؤكدة أن السيادة الوطنية يجب أن تبقى بعيدة عن أي تدخل أو إشراف خارجي.
وفي المقابل، شهدت بيروت احتجاجات عقب توقيع السلطات اللبنانية الاتفاق، رفضاً لما عده معارضون ترسيخاً لوجود إسرائيل في جنوب لبنان، حيث خرج شبان مؤيدون لحزب الله إلى الشوارع، وأغلقوا طرقاً وأشعلوا إطارات في عدد من المناطق.
كما أعلنت “هيئة علماء المسلمين” في لبنان رفضها الاتفاق، مقدرة أن أي اتفاق لا يضمن الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، ولا يرفض التطبيع مع الاحتلال، لا يمكن القبول به ولا يلبي متطلبات حماية السيادة اللبنانية.
وشددت على رفض أي صيغة من شأنها أن تمهد لتطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، داعية مجلس النواب إلى إسقاط الاتفاق وعدم إقراره.
كما رفضت أي صيغة تعدها بمثابة “وصاية خارجية” على الدولة اللبنانية، مؤكدة أن السيادة الوطنية يجب أن تبقى بعيدة عن أي تدخل أو إشراف خارجي.
وكانت “دار الفتوى” السنية اللبنانية قد حاولت، بحسب ما ورد، إعطاء السلطة غطاءً شرعياً “سُنياً” للتطبيع عبر بيان صادر عنها.
كما يستبعد لبنانيون أن تنساق أطراف وأحزاب وشخصيات من المكونات المسيحية، بما فيها أحزاب بارزة مثل تيارات فرنجية وجنبلاط، وكذلك “الثنائي الشيعي” (حزب الله وحركة أمل)، نحو الانخراط في فتنة أو حرب أهلية تخدم هذا السيناريو.
وفي هذا السياق، وصف رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، في اتصال هاتفي مع نظيره محمد باقر قاليباف، الصفقة الإسرائيلية اللبنانية بأنها “مؤامرة وفتنة”، مشيراً إلى أن إسرائيل تحاول تجاوز السيادة اللبنانية بوسائل أخرى.
كما يرى هؤلاء أن الرهان على انخراط التيارات المسيحية، ولا سيما ما يوصف بالتيار “الماروني الانعزالي”، في أي صدام داخلي واسع، يبقى ضعيفاً، في ظل وجود قوى مسيحية ترفض الانجرار إلى حرب أهلية، إضافة إلى أن القوى السياسية مثل حزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب، بحسب هذا الطرح، لا تملك القدرة أو الرغبة في الدخول في مواجهة شاملة مع “حزب الله” أو باقي الأطراف.
من جانبه، ندد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم بالاتفاق، وعده “سقطة مريعة” و“تنازلاً عن السيادة”، مؤكداً أن الحزب سيتعامل معه على أنه “منعدم الوجود”.
ودعا قاسم السلطات إلى التراجع عما وصفه بـ“الخطيئة الكبرى” المتمثلة في التخلي عن السيادة لمصلحة إسرائيل، معتبراً أن الاتفاق قد يؤدي إلى تكريس بقاء الاحتلال لفترة طويلة، وربما إلى تثبيت وقائع ميدانية جديدة على الأرض.
هل يلقى مصير “اتفاق 17 أيار”؟
أثارت ردود الفعل المختلفة حول الاتفاق تساؤلات بشأن مدى قدرته على الاستمرار، وسط مقارنات يجريها بعض المراقبين مع “اتفاق 17 أيار” الذي وُقّع بين لبنان وإسرائيل عام 1983، قبل أن يسقط لاحقا.
ويشير هؤلاء إلى أن الاتفاق الحالي قد يواجه تحديات سياسية وشعبية مشابهة، بما قد يهدد استمراريته، في حال تعمّقت الخلافات الداخلية حول بنوده أو آليات تنفيذه.
وكان “اتفاق 17 أيار” قد وُقّع في 17 مايو/أيار 1983 بين لبنان وإسرائيل، عقب الغزو الإسرائيلي لبيروت خلال الحرب مع منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك برعاية أميركية، ضمن مفاوضات وُصفت حينها بأنها جرت في ظل اختلال كبير في موازين القوى، في ظل وجود عسكري إسرائيلي على الأراضي اللبنانية.
وصادق مجلس النواب اللبناني على الاتفاق في 14 يونيو/حزيران 1983، بأغلبية 65 نائباً، مقابل معارضة نائبين، وامتناع أربعة نواب عن التصويت، إضافة إلى مقاطعة 12 نائباً للجلسة، من بينهم رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي.
غير أن الاتفاق لم يدم طويلاً، إذ واجه رفضاً سياسياً وشعبياً واسعاً، وتفاقمت ضده التحركات الداخلية، وصولاً إلى انتفاضة 6 فبراير/شباط 1984، التي أدت إلى إسقاطه لاحقاً من قبل مجلس النواب اللبناني، عبر رئيسه آنذاك حسين الحسيني، الذي تولى المنصب خلفاً لكامل الأسعد، أحد المؤيدين للاتفاق في حينه.
ويستند بعض المراقبين إلى هذه التجربة التاريخية في قراءة مستقبل الاتفاق الحالي، مرجحين أن مصيره سيعتمد على مدى قدرته على الصمود أمام الانقسام الداخلي والتطورات السياسية والأمنية في البلاد.

















