إنسولين على حافة النفاد.. موت صامت يلاحق مرضى السكري في غزة

عدم توفر حقن الإنسولين يفاقم الحالة الصحية لنحو 11 ألف مريض بغزة
تحت الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر وانهيار المستشفيات وسلاسل التبريد، تحولت جرعة الإنسولين في قطاع غزة إلى معادلة بقاء لعشرات آلاف مرضى السكري.
فالمريض الذي كان يحتاج متابعة منتظمة ودواء محفوظًا، صار يطارد قلم إنسولين أو شريط قياس سكر الدم، وسط نزوح طويل وانعدام كامل للكهرباء ومرافق صحية متهالكة.
في أحدث صورة للأزمة، حذرت وزارة الصحة بغزة في مايو/أيار 2026 من أن عدم توفر حقن الإنسولين يفاقم الحالة الصحية لنحو 11 ألف مريض يعتمدون عليها بانتظام.
وفي الوقت نفسه، تتحدث تقديرات أممية عن نحو 71 ألف مريض سكري في غزة، بينهم قرابة 2500 مريض من النوع الأول (المعتمد بالكامل على الإنسولين)، مع نقص في مخزون هذا العلاج وأجهزة القياس وشرائط الفحص.

أجساد تدفع الثمن
يروي فارس محمد (65 عامًا)، وهو مريض سكري من النوع الثاني ويعيش مع المرض منذ 20 عامًا، كيف تحولت المتابعة اليومية إلى سلسلة طوارئ متكررة.
يقول لـ"الاستقلال": إن غياب شرائط الفحص تركه عاجزًا عن معرفة مستوى السكر في جسمه، فبدأت المضاعفات تتراكم مع ارتفاعات متكررة لم يكن قادرًا على رصدها في وقتها.
ومع استمرار هذه الحالة، أُصيبت شرايينه بانسدادات مرتبطة بتدهور ضبط السكر، واضطر أكثر من مرة للذهاب إلى المستشفى من أجل خفض السكر وأخذ حقن إنسولين سريع.
وخلال الشهرين الأخيرين، أصبح الحصول على الإنسولين سريع المفعول أمرًا شديد الصعوبة، مع نفاد كمياته بفعل القيود الإسرائيلية على دخول الأدوية والمستهلكات الطبية، فاكتفى محمد بالإنسولين القاعدي رغم حاجته إلى تدخل أسرع عند الارتفاعات الحادة.
يوضح أن غياب شرائط القياس يجعل المريض يتحرك في الظلام، وانقطاع الإنسولين سريع المفعول يدفعه إلى المستشفى عند كل ارتفاع كبير، بينما يفترض أن تمنعه المتابعة اليومية من الوصول إلى هذه المرحلة.
ويتضاعف الخطر عند المصابين بالسكري من النوع الأول الذي يظهر غالبًا في سن مبكرة (لدى الأطفال والشباب)؛ إذ يصبح الإنسولين بالنسبة إليهم شرط بقاء يومي لا يمكن تأجيله أو تقليل جرعاته بلا عواقب خطيرة.
حسن بسام أحد الفتيان المصابين بهذا النوع من السكر، يعيش في خيمة نزوح ويحتاج جرعة منتظمة وفحصًا قبل الطعام وبعده، لكن أسرته لا تملك شرائط قياس كافية.
تراقب والدته عطشه وتعرقه ودوخته بدل قراءة رقم واضح على الجهاز، وتحاول تقدير الجرعة بحسب ما يتوفر من طعام بعد أن كان يعيش على نظام غذائي صارم ومتابعة طبية منتظمة، كما تخبر “الاستقلال”.
دخلت الأسرة حالة طوارئ مع بدء فصل الصيف لإيجاد حلول لمشكلة حفظ الإنسولين من بينها محاولة توفير الثلج أو أدوات تبريد أخرى؛ حيث يفسد هذا الدواء مع درجات الحرارة العالية.
كما تخفف العائلة الجرعة أحيانًا لإطالة عمر قلم الإنسولين، مع إدراكها أن ذلك قد يفتح الطريق إلى ارتفاع حاد في السكر أو حماض كيتوني سكري، وهو حالة خطرة ترتبط بنقص الإنسولين أو تراجع فعاليته.
فارتفاع السكر يتفاقم عندما لا تكفي الجرعة أو عندما يتناول المريض طعامًا من دون ضبط، كما أن هبوط السكر يزداد مع الجوع وعدم انتظام الوجبات، وقد يؤدي إلى فقدان الوعي والموت.

منظومة متهالكة
تكشف الأرقام المتاحة أن غزة دخلت الحرب وفيها عشرات آلاف مرضى السكري، فقد قدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة "أوتشا" وجود نحو 71 ألف مريض سكري بالقطاع، بينهم نحو 2500 مصاب بالنوع الأول، الأكثر ارتباطًا بالحاجة اليومية إلى الإنسولين.
وقال المكتب خلال تقرير له في 21 أغسطس/آب 2025 إن هؤلاء يواجهون نقصًا في العلاج، وإن مخزون الإنسولين المتبقي كان يكفي شهرًا واحدًا فقط، بينما كانت أجهزة قياس السكر والشرائط غير متوفرة.
وذكر أن الاحتياج الشهري قبل الحرب كان يقارب 30 ألف وحدة إنسولين، مبينا أن بعض الشحنات تدخل إلى غزة، لكنها تبقى متقطعة.
في 28 يناير/كانون الثاني 2025، أفاد أوتشا بإرسال نحو 370 منصة من الأدوية إلى مرافق وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الأونروا، بينها حقن إنسولين تكفي أكثر من 17 ألف شخص لمدة ثمانية أشهر.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قال أوتشا: إن آخر شحنة إنسولين موثقة إلى مستشفيات غزة كانت بين 19 و23 أكتوبر/تشرين الأول، وبلغت 22 ألفًا و991 قارورة.
غير أن وصول شحنة بهذا الحجم لا يصنع استقرارًا علاجيًا وخاصة مع غياب شرائط الفحص وتضرر المرافق وانقطاع الكهرباء وتوقف المتابعة وإمكانية فساد الإنسولين.
في بعض الفترات، وصل المرضى إلى مرحلة استخدام المخزون الخطر، فقد قال أوتشا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إن بعض المرضى اضطروا إلى استخدام جرعات منتهية الصلاحية بسبب محدودية الإنسولين.
وسادت تحذيرات من أن الدواء الذي يفقد صلاحيته أو يتعرض لتخزين سيئ قد يترك المريض أمام جرعة لا يعرف مدى فعاليتها. ومع غياب الفحص، لا يستطيع المريض قياس أثر الجرعة إلا من أعراض جسده، وهي لحظة متأخرة طبيًا.
وتوضح دراسة منشورة عام 2025 في مجلة شرق المتوسط الصحية التي تصدر عن المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، عمق الخلل عند الأطفال.
تابعت الدراسة 29 طفلًا من مرضى السكري من النوع الأول داخل غزة خلال يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2024، ووجدت أن 79.3 بالمئة لم يحصلوا على رعاية سكري كافية، و75.9 بالمئة لم يحصلوا على كامل أدويتهم كما قبل الحرب.
كما وجدت أن 58.6 بالمئة لم يستطيعوا إجراء فحص منزلي للسكر، و96.6 بالمئة عانوا مضاعفات مرتبطة بالسكري.
وسجلت الدراسة انعدام أمن غذائي لدى 79.3 بالمئة من الأسر، وانعدام تنوع غذائي لدى 96.6 بالمئة، ما يجعل ضبط الجرعات مهمة شبه مستحيلة لدى كثير من العائلات.

سلسلة التعطيل
بعد ترتيبات وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، استمرت القيود الإسرائيلية على الشأن الإنساني والمعابر، بما شمل تقليص أو تعطيل دخول أصناف من الأدوية والمستهلكات الطبية.
في مايو/أيار 2026، قالت منظمة أطباء بلا حدود: إن السلطات الإسرائيلية منعت شاحنات التبريد الخاصة بالأدوية الحساسة للسلسلة الباردة، ومنها الإنسولين، وحذرت من أن نقص زيوت المحركات وقطع الغيار يهدد تشغيل المولدات التي تعتمد عليها المرافق الصحية.
وقبلها بشهر، أفاد مكتب أوتشا بأن شركاء القطاع الصحي سلّموا وزارة الصحة في غزة وشركاء آخرين أدوية للأمراض غير السارية بينها الإنسولين، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى استمرار النقص الحاد والقيود على الوقود وقطع الغيار والمستلزمات.
وأُغلقت المعابر منذ 28 فبراير/شباط باستثناء كرم أبو سالم التجاري جنوب قطاع غزة، بما حدّ من دخول الإمدادات وأوقف الإجلاءات الطبية وذلك بذريعة الحرب على إيران.
في الأثناء، كان أكثر من 18 ألفًا و500 مريض بحاجة إلى علاج منقذ للحياة خارج غزة، وبينهم مرضى مزمنون تتراكم مضاعفاتهم كلما طال إغلاق معبر رفح.
وخلال الحرب على غزة، واجه سكان القطاع عمليات تجويع طويلة منع فيها إدخال الأغذية الصحية المفيدة وسمح بإدخال السكريات بكثرة ما أثر على مرضى السكر بالخصوص.
ولم يعد كثيرون قادرين على الحصول على وجبات منتظمة أو مناسبة لحساب جرعاتهم، ما جعل الإنسولين أقل قابلية للاستخدام الآمن حتى عند توفره.
وتعود جذور الانسداد إلى الشهور الأولى من الحرب، ففي يناير/كانون الثاني 2024، قالت منظمة الصحة العالمية: إن 26 بالمئة فقط من احتياجات الإمدادات الطبية وصلت إلى غزة.
وبعدها، قال منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة إن مواد طبية، بينها أقلام الإنسولين للأطفال، “يبدو أن الإسرائيليين يحظرونها”.
وفي مايو 2024، شرحت أطباء بلا حدود أن الشحنات الطبية تخضع لسلسلة فحوص إسرائيلية، وأن رفض عنصر واحد قد يعيد الشحنة كاملة، وأن ثلاجات ومجمدات ضرورية لحفظ أدوية مثل الإنسولين ظلت تنتظر خمسة أشهر قبل السماح بإدخالها.
ثم جاء إغلاق معبر رفح بعد الاجتياح الإسرائيلي له في مايو 2024 ليضرب أحد أهم مسارات الإمداد بالأدوية وإجلاء المرضى والجرحى، بينما كانت المستشفيات تتعرض للقصف.
وقالت منظمة الصحة العالمية: إن 19 مستشفى فقط من أصل 36 بقيت عاملة في غزة، وإن 94 بالمئة من المستشفيات كانت متضررة أو مدمرة، ما ضيّق قدرة القطاع الصحي على تقديم المتابعة والفحوص والرعاية الطارئة لمرضى السكري وسائر أصحاب الأمراض المزمنة.
المصادر
- Humanitarian Situation Update #315 | Gaza Strip
- The near impossible task of getting lifesaving supplies into Gaza
- Five things to know about life for Palestinians in Gaza and the West Bank
- Health system at breaking point as hostilities further intensify in Gaza, WHO warns
- Humanitarian Situation Update #259 | Gaza Strip
- الصحة بغزة تحذر: التدهور الخطير في المستهلكات الطبية يهدد حياة آلاف المرضى


















