"أميركا أولاً" في مواجهة "إسرائيل أولاً".. الحرب تعيد رسم حدود التحالف التاريخي

إسماعيل يوسف | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

كانت لحظة توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على وثيقة الاتفاق مع إيران في قصر فرساي الفرنسي الشهير لحظة مشبعة بالرمزية السياسية والتاريخية، بما يجعلها مؤشرا مهما على التحولات الجارية في الشرق الأوسط والنظام الدولي.

فقصر فرساي لم يكن مجرد مقر لاستضافة اتفاق جديد بين واشنطن وطهران، بل فضاء ارتبط تاريخيا بلحظات مفصلية شهدت صعود قوى كبرى وأفول أخرى، واحتضن معاهدات اعتقد أصحابها أنهم رسموا من خلالها ملامح المستقبل لعقود طويلة، قبل أن تثبت الأحداث لاحقا أن موازين القوة أكثر تقلبا من أي اتفاق مكتوب.

وسواء نظر الباحثون والمحللون إلى الاتفاق بصفته تراجعا إيرانيا تحت ضغط الحرب والعقوبات، أو رأوا فيه تعبيرا عن عجز الولايات المتحدة عن فرض شروطها كاملة بعد أشهر من المواجهة، فإن قاسما مشتركا برز في معظم القراءات الإستراتيجية: الحرب وما انتهت إليه كشفت عن تغيرات عميقة في بنية النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، وفتحت الباب أمام إعادة تشكيل النظام الإقليمي الذي ظلت واشنطن تديره منذ نهاية الحرب الباردة وحرب الخليج عام 1991.

ولا يمكن تجاهل دلالة المكان في هذا السياق؛ ففي قصر فرساي نفسه، وفي شهر يونيو/حزيران 1919، فُرضت على ألمانيا معاهدة عدها كثير من المؤرخين معاهدة إذلال سياسي وإستراتيجي، أراد المنتصرون من خلالها تثبيت نتائج الحرب العالمية الأولى وإغلاق صفحة ألمانيا كقوة أوروبية كبرى.

وفي القصر ذاته، وبعد واحد وعشرين عاما فقط، عاد أدولف هتلر في يونيو/حزيران 1940 ليقلب المشهد رأسا على عقب، عندما أجبر فرنسا على توقيع استسلامها بعد سقوط باريس، في واحدة من أكثر لحظات الانتقام الرمزي حضورا في التاريخ الأوروبي الحديث.

واليوم، يعود اسم فرساي مجددا إلى واجهة الأحداث الدولية، ولكن في سياق مختلف؛ إذ يرى عدد من المحللين أن الاتفاق الأميركي الإيراني لا يعكس فقط نهاية جولة عسكرية وسياسية بين الطرفين، بل يكشف أيضا حدود القدرة الأميركية على فرض ترتيبات إقليمية أحادية كما كان الحال خلال العقود الماضية.

وتنبع أهمية الاتفاقات التي شهدها قصر فرساي عبر التاريخ من أنها لم تكن مجرد وثائق سياسية، بل محطات أسهمت في إعادة تشكيل موازين القوى والعلاقات الدولية، وأعلنت في كثير من الأحيان بداية مرحلة جديدة ونهاية مرحلة أخرى.

ومن هذا المنطلق، ركزت دراسات وتقارير صادرة عن مراكز أبحاث ودوريات أميركية خلال الأشهر الأخيرة على فرضية مفادها أن الحرب مع إيران كشفت تآكل جزء من النفوذ الأميركي التقليدي في الشرق الأوسط، وأن الترتيبات الإقليمية التي تشكلت بعد الحرب الباردة باتت تواجه تحديات غير مسبوقة مع صعود قوى إقليمية جديدة وتراجع قدرة واشنطن على إدارة الأزمات بالآليات نفسها التي استخدمتها خلال العقود الثلاثة الماضية.

وبغض النظر عن توصيف الاتفاق باعتباره انتصارا لهذا الطرف أو ذاك، فإن المؤكد أن ما جرى في فرساي عام 2026 قد يسجل مستقبلا باعتباره إحدى اللحظات الفاصلة التي كشفت عن بداية تحول أوسع في موازين القوى الإقليمية والدولية، أكثر من كونه مجرد اتفاق لوقف حرب بين الولايات المتحدة وإيران

تآكل النظام الإقليمي

لم تكن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مجرد جولة عسكرية انتهت بتسوية سياسية، بل تحولت في نظر عدد من الباحثين إلى حدث مفصلي سرّع عملية تآكل النظام الإقليمي الذي أدارته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية عام 1991.

فالحرب أعادت رسم خريطة التوازنات في المنطقة، ليس فقط بسبب نتائجها العسكرية المباشرة، بل لأنها هزّت الأسس التي قام عليها النظام الإقليمي الذي صاغته واشنطن خلال العقود الثلاثة الماضية.

هذا ما أشارت إليه تحليلات ودراسات نشرتها دوريات ومراكز أبحاث بارزة، من بينها "فورين أفيرز" و"فورين بوليسي" ومعهد كارنيغي للسلام الدولي والمجلس الأطلسي (Atlantic Council)، والتي خلصت إلى أن الحرب كشفت حدود الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط، وأعادت فتح النقاش حول مستقبل النظام الإقليمي الذي تشكل بعد حرب الخليج الثانية، من دون أن يعني ذلك انهياره الكامل حتى الآن.

وتساءلت عدة مراكز أبحاث غربية عما إذا كان النظام الإقليمي الذي بنته واشنطن منذ تسعينيات القرن الماضي قد دخل بالفعل مرحلة التفكك التدريجي.

فهذا النظام كان يعاني أصلاً من مظاهر تآكل متراكمة خلال السنوات الأخيرة، وجاءت حرب إيران عام 2026 لتكشف حدود قدرته على الاستمرار بالصيغة ذاتها، وتُسرّع اتجاهات إعادة تشكيله.

وقد مثلت الحرب نقطة تحول إستراتيجية أظهرت حدود النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، ودفعت عدداً من القوى الإقليمية إلى إعادة حساباتها الأمنية، كما فتحت المجال أمام أدوار أوسع لقوى إقليمية ودولية منافسة.

والأكثر أهمية أنها أبرزت هشاشة منظومات الردع والتحالفات التقليدية، بما يشير إلى انتقال تدريجي من نظام إقليمي أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة إلى مشهد أكثر تعددية وتنافساً.

كما عززت الحرب مكانة إيران بوصفها لاعباً إقليمياً يصعب تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، ليس فقط بسبب برنامجها النووي، وإنما أيضاً بفعل قدراتها الصاروخية ونفوذها الجيوسياسي وموقعها المشرف على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الإستراتيجية للطاقة والتجارة العالمية.

فبعد عقود من الهيمنة الأميركية، أظهرت الحرب تراجع قدرة واشنطن على فرض قواعد اللعبة منفردة، وأطلقت مرحلة جديدة تتنافس فيها القوى الإقليمية والدولية على إعادة صياغة موازين النفوذ والأمن في المنطقة.

وفي هذا السياق، كتب إيان بريمر، مؤسس ورئيس مجموعة "أوراسيا غروب"، وفراس مقصد، الباحث في المجموعة ذاتها، في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" بتاريخ 17 يونيو/حزيران 2026، أن الحرب تمثل "أخطر خطأ ارتكبه ترامب في السياسة الخارجية".

ورأى الكاتبان أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تحولت إلى اختبار حقيقي للنظام الإقليمي الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، وأن تداعياتها كشفت تغيرات عميقة في شبكة التحالفات الإقليمية وحدود الردع الأميركي والعلاقة مع إسرائيل، فضلاً عن صعود أدوار قوى إقليمية جديدة.

فالحرب بدأت بأهداف كبرى تمثلت في تغيير النظام الإيراني، وتحجيم البرنامج النووي، وتقويض القدرات الصاروخية، وإضعاف شبكة الحلفاء الإقليميين لطهران.

لكنها انتهت بتسوية محدودة أعادت فتح مضيق هرمز مقابل تفاهمات اقتصادية وسياسية، في حين بقي النظام الإيراني قائماً، واستمرت معظم أدوات النفوذ الإقليمي التي كانت واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى تقويضها.

ومن هنا، تجاوز النقاش سؤال: من انتصر ومن خسر؟ إلى سؤال أوسع يتعلق بما فعلته الحرب بثقة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، خصوصاً في ظل ما اعتبره بعض المراقبين تذبذباً في المواقف الأميركية وتناقضاً في الرسائل السياسية الصادرة عن إدارة ترامب.

وفي ظل هذه التحولات، بدأت ملامح اصطفافات جديدة بالظهور داخل الشرق الأوسط.

فمن جهة، يبرز ما يمكن وصفه بـ"الائتلاف الإبراهيمي" الذي تقوده إسرائيل والإمارات وتسعى أطرافه إلى توسيع شبكة الشراكات الإقليمية المرتبطة باتفاقات التطبيع.

ومن جهة أخرى، تتحدث بعض التحليلات عن تبلور محور إقليمي أوسع يضم السعودية وتركيا وباكستان، مع أدوار متزايدة لمصر، في إطار سعي هذه الدول إلى تعزيز استقلاليتها الإستراتيجية وتوسيع خياراتها الأمنية.

وبحسب هذه القراءات، استخلصت الرياض من الحرب أن الاعتماد الحصري على المظلة الأميركية لم يعد كافياً، ما دفعها إلى تعزيز شراكاتها مع قوى إقليمية أخرى مثل تركيا وباكستان ومصر.

وفي دراسة نشرها معهد بروكينغز في 10 يونيو/حزيران 2026 بعنوان "كيف ستغير الحرب الإيرانية الشرق الأوسط؟"، أشار الباحثون إلى أن الحرب قد تدفع دول الخليج إلى تسريع سياسة تنويع الشراكات الأمنية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة كمصدر وحيد للحماية.

كما رجّحت الدراسة أن تتعرض القوة الناعمة الأميركية في المنطقة لمزيد من التراجع، وأن تسعى دول الخليج إلى هامش أكبر من الاستقلالية في سياساتها الخارجية والأمنية، رغم استمرار الحاجة إلى الشراكة مع واشنطن.

وتشير هذه التحولات إلى أن الحرب لم توحد المنطقة ضد إيران كما كان متوقعاً في بعض التقديرات الغربية، بل عمقت الانقسام حول أدوار كل من إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وأضعفت قدرة واشنطن على لعب دور الضامن الوحيد للنظام الإقليمي.

وهو ما يفتح الباب أمام انتقال تدريجي نحو بيئة أقرب إلى مفهوم "G-Zero"، أي عالم لا توجد فيه قوة واحدة قادرة أو راغبة في إدارة النظام الدولي بمفردها، مع ازدياد استقلالية القوى الإقليمية وصعود أدوار دول مثل الصين والهند وباكستان في معادلات النفوذ الإقليمي.

وخلصت تقارير وتحليلات غربية عدة إلى أن أولى النتائج المباشرة للحرب ستكون إعادة ترتيب التحالفات داخل الشرق الأوسط، وزيادة توجه القوى الإقليمية نحو بناء شراكات أمنية واقتصادية مباشرة فيما بينها، بالتوازي مع ارتفاع الإنفاق العسكري وتراجع الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة.

وبذلك، قد تكون الحرب قد دشنت بداية نهاية مرحلة تاريخية كانت واشنطن خلالها اللاعب المهيمن والضامن الأمني الأول في الشرق الأوسط، من دون أن يعني ذلك خروجها من المنطقة، بل انتقالها إلى موقع مختلف داخل نظام إقليمي أكثر تعقيداً وتعددية

تقلص النفوذ الأميركي

وحاول توماس رايت الذي شغل سابقًا منصب المدير الأول للتخطيط الإستراتيجي في مجلس الأمن القومي خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، رصد ما وصفه بـ"ثمن الهزيمة في إيران"، في مقال نشره موقع "ذا أتلانتيك" بتاريخ 19 يونيو/حزيران 2026، معتبرًا أن التداعيات الأكثر أهمية للحرب لا تتعلق ببنود الاتفاق نفسه، بقدر ما تتصل بتآكل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط.

وأشار رايت إلى أنه عندما أطلقت الولايات المتحدة "مشروع مارشال" لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، كان الهدف منه تثبيت انتصار أميركي وترسيخ نظام دولي جديد تقوده واشنطن.

لكن الأموال التي تعهدت بها إدارة ترامب ضمن التفاهم مع إيران، والتي قُدرت بنحو 300 مليار دولار، تمثل -بحسب وصفه- "خطة مارشال للنظام الإيراني"، غير أنها هذه المرة لا تأتي لترسيخ نصر أميركي، بل لإدارة تداعيات حرب انتهت بنتائج مغايرة لما كانت واشنطن تطمح إليه.

ويرى أن المكسب الأكثر أهمية الذي حققته طهران لا يكمن في البنود الاقتصادية المعلنة، بل في احتمال إضعاف إرادة الولايات المتحدة للاستمرار في لعب دور الضامن الأمني الرئيس في الشرق الأوسط.

ويضيف أن الاتفاق قد يُسجل تاريخيًا بوصفه إحدى اللحظات الفاصلة التي سرعت اتجاه الانسحاب الأميركي من المنطقة، في ظل تنامي تيار داخل الولايات المتحدة بات ينظر إلى الشرق الأوسط باعتباره "ثقبًا أسود إستراتيجيًا" يستنزف الموارد الأميركية دون عوائد تتناسب مع حجم الكلفة.

ويشير إلى أن الحرب أظهرت أيضًا هشاشة القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في المنطقة، بعدما تعرض عدد منها لأضرار مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشًا متصاعدًا داخل المؤسسات الأميركية بشأن جدوى استمرار الانتشار العسكري الواسع في الشرق الأوسط.

وإذا ترسخ هذا المزاج داخل دوائر صنع القرار الأميركي، فإن المنطقة قد تشهد خلال السنوات المقبلة تراجعًا تدريجيًا للدور الأميركي التقليدي الذي تشكل منذ حرب الخليج الثانية عام 1991، وهو ما يعني عمليًا دخول النظام الإقليمي الذي قادته واشنطن طوال العقود الثلاثة الماضية مرحلة إعادة تشكيل عميقة.

لكن رايت يحذر في المقابل من أن الانسحاب الأميركي لن يقود بالضرورة إلى شرق أوسط أكثر استقرارًا، بل قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من التنافس والصراعات الإقليمية.

فمع تراجع المظلة الأميركية، قد يتصاعد التنافس بين إسرائيل وإيران بصورة أكبر، كما قد تتكرر أزمات إغلاق مضيق هرمز وما يرافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية.

وفي الوقت نفسه، يتوقع أن تتوسع مساحات التنافس بين قوى إقليمية أخرى، وفي مقدمتها تركيا وإسرائيل، بينما ستسعى قوى دولية مثل الصين وروسيا إلى استثمار الفراغ النسبي لتعزيز حضورها الإستراتيجي في المنطقة.

وكان جيمس جيفري، الباحث في معهد واشنطن ونائب مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، والسفير السابق لدى العراق وتركيا وألبانيا، قد توقع قبل توقيع الاتفاق حدوث تحولات كبرى في توازنات المنطقة.

وكتب في صحيفة "جيروزاليم ستراتيجيك تريبيون" خلال مارس/آذار 2026 أن الصراع مع إيران "سيُحدث تغييرات جذرية في الشرق الأوسط والولايات المتحدة والعالم"، مشيرًا إلى أن نتائجه ستتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وأضاف أن الحرب ستعيد طرح أسئلة أساسية تتعلق بقدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها، وحدود القوة الأميركية، ومدى قدرة الدول ذات المشاريع الأيديولوجية على إرباك النظام الدولي وفرض كلفة مرتفعة على خصومها حتى في ظل اختلال موازين القوة التقليدية.

وختم بالقول: إن الولايات المتحدة ستجد نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم حجم الموارد السياسية والاقتصادية والعسكرية التي يمكن تخصيصها للشرق الأوسط، وهي مراجعة قد تفضي إلى تغيير عميق في شكل حضورها الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.

نهاية الاحتكار

في أعقاب حرب الخليج الثانية عام 1991، ومع انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، تشكل في الشرق الأوسط نظام إقليمي جديد قادته الولايات المتحدة بصورة شبه منفردة، مستفيدة من غياب المنافس الدولي القادر على موازنة نفوذها.

واستند هذا النظام إلى عدة ركائز رئيسة، أبرزها بناء شبكة واسعة من الشراكات الأمنية مع دول الخليج ومصر والأردن، واحتواء العراق وإيران عبر منظومات العقوبات والردع، وتكريس التفوق العسكري الأميركي من خلال انتشار القواعد العسكرية في المنطقة، إلى جانب ضمان أمن إسرائيل بصفتها الحليف الإستراتيجي الأول لواشنطن في الشرق الأوسط.

وخلال العقود اللاحقة تعزز هذا النظام تدريجيا، قبل أن يحصل على دفعة إضافية مع توقيع اتفاقيات التطبيع العربية الإسرائيلية عام 2020، التي روّجت لها واشنطن بصفتها نواة لبنية أمنية إقليمية جديدة قادرة على مواجهة التحديات المشتركة، وفي مقدمتها إيران.

لكن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عام 2026 وضعت أحد أهم أعمدة هذا النظام أمام اختبار غير مسبوق.

فالقواعد الأميركية المنتشرة في الخليج، والتي طالما قُدمت بصفتها صمام أمان للاستقرار الإقليمي، تعرضت خلال الحرب لهجمات مباشرة وغير مباشرة، نالت منشآت عسكرية وأنظمة رادار ومرافق تشغيلية حساسة، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول حدود فاعلية المظلة الأمنية الأميركية في بيئة إقليمية تتغير بسرعة.

وبغض النظر عن حجم الأضرار العسكرية الفعلية، فقد كشفت الحرب أن التفوق العسكري التقليدي لم يعد وحده كافيا لإدارة التوازنات الإقليمية بالطريقة التي سادت خلال العقود الثلاثة الماضية.

كما أظهرت أن احتكار واشنطن لدور الضامن الأمني الرئيس في الشرق الأوسط لم يعد أمرا مسلما به كما كان في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، في ظل صعود قوى إقليمية أكثر استقلالية وتنامي قدراتها العسكرية والتكنولوجية.

وفي هذا السياق، أثارت الحرب أيضا نقاشا متزايدا داخل عدد من دول الخليج بشأن الكلفة الأمنية والسياسية لاستضافة القواعد الأجنبية، بعدما تحولت بعض هذه المنشآت إلى أهداف محتملة في أي مواجهة إقليمية واسعة، وهو ما دفع بعض الأوساط السياسية والأمنية إلى إعادة تقييم معادلة الحماية مقابل المخاطر.

ولعقود طويلة اعتمد النظام الإقليمي الذي صاغته واشنطن على فرضية أساسية مفادها أن التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي كفيل بردع الخصوم ومنعهم من تحدي الترتيبات الأمنية القائمة.

إلا أن الحرب الأخيرة أظهرت أن انتشار الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية قد غيّر طبيعة التهديدات بصورة جوهرية، وجعل من الصعب ضمان تفوق مطلق حتى في ظل امتلاك أحدث منظومات الدفاع الجوي والصاروخي.

ولهذا السبب دعا عدد من الباحثين في "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" (CSIS) إلى إعادة النظر في مفهوم الردع التقليدي في الشرق الأوسط، مقدرين أن البيئة الأمنية الحالية تختلف جذريا عن تلك التي نشأت عقب حرب الخليج الثانية.

وبصورة أوسع، كشفت الحرب أن النظام الإقليمي الذي تشكل مطلع التسعينيات لم يعد يعمل بالآليات ذاتها، وأن المنطقة تتجه تدريجيا نحو مرحلة أكثر تعقيدا تقوم على تعدد مراكز القوة وتداخل التحالفات والمصالح.

كما دفعت الحرب عددا من الدول العربية إلى إعادة تقييم خياراتها الإستراتيجية، خصوصا بعد امتناع معظم العواصم العربية عن الانخراط المباشر في المواجهة مع إيران، وحرصها على تجنب الانجرار إلى صراع إقليمي مفتوح.

وفي المقابل، اتجهت هذه الدول إلى تنويع شراكاتها الأمنية وتوسيع هامش حركتها الدبلوماسية، في محاولة للتكيف مع واقع إقليمي جديد لم تعد فيه الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على رسم قواعد الأمن والنفوذ في الشرق الأوسط.

اهتزاز التحالف

ومن بين أبرز التداعيات السياسية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بروز مؤشرات غير مسبوقة على تباين الرؤى بين واشنطن وتل أبيب بشأن إدارة الصراع ومستقبل الترتيبات الإقليمية، رغم أن الطرفين دخلا الحرب من منطلقات متقاربة وأهداف معلنة مشتركة.

فالحرب التي بدت في بدايتها تعبيرًا عن أعلى درجات التنسيق بين الحليفين، انتهت بإظهار خلافات متزايدة حول حدود القوة، وأولويات الأمن الإقليمي، وطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تحكم التحالف الأميركي الإسرائيلي في المرحلة المقبلة.

وقد تزامن ذلك مع عودة قوية لشعار "أميركا أولاً" داخل الإدارة الأميركية والتيار الجمهوري الحاكم، على حساب المقاربات التقليدية التي كانت تمنح اعتبارات الحلفاء، وفي مقدمتهم إسرائيل، وزناً استثنائياً في صناعة القرار الأميركي.

وظهر هذا التحول بوضوح في تصريحات نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس الذي يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز وجوه تيار "ماغا" (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً)، عندما انتقد علناً مسؤولين إسرائيليين هاجموا التفاهم الأميركي مع إيران.

وأكد فانس أن الولايات المتحدة ستتصرف وفق مصالحها القومية أولاً، حتى عندما لا تتطابق تلك المصالح بصورة كاملة مع الرؤية الإسرائيلية، مشدداً على أن دعم واشنطن لإسرائيل لا يعني بالضرورة تبني جميع سياساتها أو خياراتها.

وفي رسالة مباشرة إلى منتقدي الاتفاق داخل الحكومة الإسرائيلية، قال فانس في 18 يونيو/حزيران 2026: إن الرئيس دونالد ترامب "هو الزعيم العالمي الأكثر دعماً لإسرائيل في الوقت الراهن". محذراً من أن مهاجمة الحليف الأميركي في هذه المرحلة تمثل خطأً إستراتيجياً.

وأضاف أن الولايات المتحدة لا تزال تشكل العمود الفقري للأمن الإسرائيلي، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من الأسلحة والمنظومات الدفاعية التي استخدمتها إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة جرى تمويله أو توفيره بدعم أميركي مباشر.

ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تعكس تحوّلاً أعمق داخل دوائر صنع القرار الأميركية؛ حيث تتنامى الأصوات الداعية إلى إعادة تقييم الالتزامات الأمنية الخارجية وربطها بصورة أكبر بالمصلحة الأميركية المباشرة.

وفي هذا السياق، رأت دراسة صادرة عن معهد "بروكينغز" في يونيو/حزيران 2026 أن نتائج الحرب قد تدفع الولايات المتحدة إلى مراجعة طبيعة انخراطها الأمني في الشرق الأوسط، بما في ذلك شكل العلاقة مع إسرائيل نفسها.

كما ذهبت مجلة "فورين بوليسي" في مقال للكاتب الإسرائيلي جوشوا ليفر بعنوان "هل تدخل العلاقة الأميركية الإسرائيلية مرحلة جديدة؟" إلى أن الحرب كشفت تصدعات متزايدة داخل الإجماع الأميركي التقليدي الداعم لإسرائيل.

وأشارت المجلة إلى أن الانتقادات لم تعد مقتصرة على تيارات اليسار التقدمي، بل امتدت أيضاً إلى أجزاء من اليمين المحافظ المنضوي تحت مظلة حركة "ماغا"؛ حيث بدأت أصوات مؤثرة تدعو إلى مراجعة حجم المساعدات الخارجية الأميركية وإعادة النظر في طبيعة العلاقات الخاصة التي تربط واشنطن بحلفائها.

وبحسب هذه المقاربة، فإن جزءاً متنامياً من التيار الانعزالي داخل الحزب الجمهوري بات ينظر إلى التحالفات الخارجية من منظور الكلفة والعائد، وليس من منظور الالتزامات الإستراتيجية التقليدية التي سادت خلال العقود الماضية.

وفي إسرائيل نفسها، أثارت نتائج الحرب نقاشاً واسعاً بشأن مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة وموقع تل أبيب داخل الترتيبات الإقليمية الجديدة.

وفي هذا الإطار، كتب الأكاديمي الإسرائيلي إيلي فودا أن إسرائيل كانت تاريخياً تتمتع بمكانة خاصة مكنتها من لعب دور الوسيط غير المباشر بين عدد من دول المنطقة والإدارات الأميركية المتعاقبة، إلا أن التحولات الأخيرة تشير إلى تراجع نسبي في هذا الدور مع اتجاه عدد متزايد من العواصم الإقليمية إلى بناء قنوات اتصال مباشرة مع واشنطن.

ويرى فودا أن هذا التطور لا يعني تراجع أهمية إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة، لكنه يعكس تغيراً في البيئة السياسية والإقليمية التي كانت تمنح تل أبيب هامش تأثير أوسع في ملفات المنطقة.

كما أظهرت استطلاعات رأي إسرائيلية أُجريت عقب التوصل إلى التفاهم الأميركي الإيراني وجود انقسام داخلي متزايد بشأن إدارة الحكومة للحرب ونتائجها السياسية، وهو ما يعكس حجم الجدل الذي أثارته الحرب داخل إسرائيل نفسها.

وفي المجمل، لا تعني هذه المؤشرات نهاية التحالف الأميركي الإسرائيلي، الذي لا يزال يستند إلى روابط أمنية وعسكرية ومؤسساتية عميقة، لكنها تكشف عن بداية مرحلة جديدة قد تتسم بمزيد من البراغماتية الأميركية، وبمحاولات متزايدة لإعادة تعريف حدود المصالح المشتركة بين الطرفين في شرق أوسط يتغير بسرعة.