هل أطاحت الأزمات المعيشية والدعم المطلق لإسرائيل برئيس وزراء بريطانيا؟

جاء قرار التنحي بعد أسابيع من التوترات المتصاعدة والتصدعات العميقة داخل الحزب الحاكم
في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية ممتدة تشهدها المملكة المتحدة، وبعد أسابيع من الضغوط المتزايدة والانقسامات الحادة داخل أروقة حزب العمال الحاكم، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تنحيه رسميا عن منصبه وعن قيادة الحزب، في خطوة هزّت الأوساط السياسية محليا ودوليا.
وفي كلمة ألقاها أمام مقر رئاسة الوزراء في "داونينغ ستريت" بتاريخ 22 يونيو/حزيران 2026، أعلن ستارمر استقالته من رئاسة الحكومة ومن زعامة حزب العمال، مؤكدا في الوقت نفسه أنه سيواصل أداء مهامه رئيسا للوزراء إلى حين انتخاب خلف له.
وأوضح أنه سيطلب من اللجنة التنفيذية الوطنية للحزب وضع جدول زمني لانتخاب زعيم جديد، سيستقبل طلبات الترشح بدءا من 9 يوليو/تموز المقبل ويستمر حتى نهاية العطلة الصيفية للبرلمان، بما يضمن تولي القيادة الجديدة مهامها قبل استئناف البرلمان أعماله في سبتمبر/أيلول.
وقال ستارمر الذي تولى رئاسة الحكومة في يوليو/تموز 2024: "سأواصل مهامي رئيسا للوزراء إلى حين انتهاء السباق، وسأبذل كل ما بوسعي لضمان انتقال منظم للسلطة".
ويبرز آندي بورنهام، عمدة مدينة مانشستر منذ عام 2017، بوصفه المرشح الأوفر حظا لخلافة ستارمر في زعامة حزب العمال ورئاسة الوزراء.
ويطالب عدد كبير من أعضاء الحزب ووزراء الحكومة بتولي بورنهام المنصب، في ظل تصاعد الدعوات لاستقالة ستارمر عقب الخسائر التي مني بها حزب العمال في الانتخابات المحلية خلال مايو/أيار الماضي، إلى جانب استمرار أزمة غلاء المعيشة دون التوصل إلى حلول ملموسة.
وجاء قرار التنحي بعد أسابيع من التوترات المتصاعدة والتصدعات العميقة داخل الحزب الحاكم؛ إذ واجه ستارمر تراجعا حادا في شعبيته نتيجة حزمة من السياسات المالية والاقتصادية التي أثارت انتقادات واسعة ورفضاً متزايداً داخل القاعدة الحزبية وخارجها.
وتزامن ذلك مع صراعات محتدمة بين قيادة الحزب والتيار اليساري داخله؛ بسبب تباينات جوهرية في المواقف والرؤى بشأن عدد من القضايا المحلية والدولية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه المملكة المتحدة أوضاعا اقتصادية ومعيشية صعبة، تتصدرها معدلات التضخم المرتفعة، والاحتجاجات العمالية المتكررة في قطاعات حيوية، فضلا عن أزمة الهجرة المتفاقمة.
ومنحت هذه الأزمات المتراكمة المعارضة البريطانية زخما سياسيا إضافيا؛ إذ كثفت من انتقاداتها لسياسات الحكومة، ما ضيّق هامش المناورة أمام ستارمر، وجعل استمراره في منصبه أكثر صعوبة مع تراجع الدعم داخل حزبه وخارجه.
عدوى التنحي
تُعد استقالة كير ستارمر امتدادا مباشرا لحالة الاضطراب السياسي وسلسلة الاستقالات التي عصفت بمنصب رئاسة الوزراء في بريطانيا خلال العقد الأخير.
فمنذ استفتاء خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست) عام 2016، تحول منصب رئيس الوزراء إلى ما يشبه "الباب الدوار"، مع تعاقب عدد من القادة على المنصب في فترات زمنية قصيرة. وباستقالة ستارمر، يصبح سابع رئيس وزراء يرحل عن منصبه، استقالة أو إقالة أو تنحيا، خلال عشر سنوات فقط.
ويعكس هذا التكرار أزمة بنيوية في استقرار القيادة السياسية البريطانية؛ إذ يواجه رؤساء الحكومات ضغوطا متزايدة من داخل أحزابهم، وما إن تتراجع شعبيتهم أو تتعثر سياساتهم حتى تبدأ المطالبات بإقصائهم واستبدالهم.
وجاءت استقالة ستارمر بعد أقل من عامين على قيادته حزب العمال إلى فوز كاسح في الانتخابات العامة عام 2024. ولم تكن مغادرته نتيجة أزمة واحدة، بل حصيلة تراكمات سياسية واقتصادية عدة، شملت التراجع عن بعض الوعود الانتخابية، وتبني سياسات مالية أثارت استياء شرائح واسعة من الناخبين، من بينها إلغاء دعم وقود الشتاء للمتقاعدين، ما أدى إلى تآكل رصيده الشعبي.
وتحولت الضغوط لاحقا إلى ما يشبه "التمرد الداخلي" داخل حزب العمال، خاصة بعد الخسارة القاسية التي تعرض لها الحزب في الانتخابات المحلية خلال مايو/أيار 2026. كما زادت الأزمة تعقيدا إثر الجدل الذي أثاره تعيين بيتر ماندلسون سفيرا في واشنطن، رغم الانتقادات المرتبطة بعلاقاته السابقة بجيفري إبستين.
وجاءت الضربة الأخيرة مع فوز منافسه البارز داخل الحزب آندي بورنهام بمقعد برلماني، الأمر الذي عزز المطالبات بتغيير القيادة، ودفع ستارمر في نهاية المطاف إلى الإقرار بفقدانه دعم عدد كبير من نواب الحزب وإعلان تنحيه.
وتتشابه أسباب رحيل ستارمر إلى حد بعيد مع الظروف التي أطاحت بعدد من أسلافه المحافظين؛ فقد استقال بوريس جونسون في يوليو/تموز 2022 عقب موجة استقالات جماعية من حكومته على خلفية "فضيحة الحفلات" خلال فترة الإغلاق المرتبطة بجائحة كورونا، إضافة إلى اتهامات بتضليل الرأي العام بشأن مخالفات أخلاقية داخل حزبه.
أما ليز تراس التي تولت رئاسة الحكومة في أكتوبر/تشرين الأول 2022، فقد سجلت أقصر ولاية لرئيس وزراء في تاريخ بريطانيا الحديث؛ إذ لم تستمر سوى 44 يوما.
واضطرت تراس إلى الاستقالة بعدما أثارت خطتها الاقتصادية، التي تضمنت تخفيضات ضريبية غير ممولة، اضطرابات حادة في الأسواق المالية وأدت إلى تراجع قيمة الجنيه الإسترليني، ما أفقدها ثقة حزبها والرأي العام.
وقد أُطيح بكل من جونسون وتراس بالآلية السياسية ذاتها التي أطاحت بستارمر، والمتمثلة في فقدان الحزب الحاكم الثقة بقدرة زعيمه على قيادة الحزب إلى الفوز في الانتخابات المقبلة.
وتعود جذور هذا المسلسل المتواصل من الاستقالات إلى يونيو/حزيران 2016، عندما أعلن ديفيد كاميرون استقالته فور ظهور نتائج استفتاء "بريكست". وكان كاميرون يقود معسكر البقاء في الاتحاد الأوروبي، ورأى أن تنفيذ قرار الناخبين بالخروج يتطلب قيادة جديدة.
وخلفته تيريزا ماي التي تولت رئاسة الحكومة وسط مهمة شديدة التعقيد تمثلت في إدارة عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي. إلا أنها أمضت ثلاث سنوات في محاولة تمرير اتفاق الانسحاب داخل البرلمان دون نجاح، في ظل انقسامات حادة داخل حزب المحافظين، ما أدى في نهاية المطاف إلى استقالتها بعد سلسلة من محاولات سحب الثقة منها.
ويعكس هذا المسار الممتد من كاميرون إلى ستارمر حجم التقلبات التي تشهدها السياسة البريطانية؛ إذ بات مقر رئاسة الوزراء في "داونينغ ستريت" خاضعا لبيئة سياسية شديدة الحساسية، لا تمنح القادة هامشا واسعا لارتكاب الأخطاء أو تجاوز الأزمات الاقتصادية والسياسية دون ثمن سياسي باهظ.
ستارمر الصهيوني
وكير رودني ستارمر (مواليد 2 سبتمبر/أيلول 1962) سياسي ومحامٍ بريطاني، شغل منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة منذ يوليو/تموز 2024 وحتى استقالته في يونيو/حزيران 2026، كما تولى زعامة حزب العمال منذ أبريل/نيسان 2020.
وُلد في لندن ونشأ في بلدة أوكستد بمقاطعة ساري، وسط أسرة من الطبقة العاملة؛ إذ كان والده يعمل صانع أدوات في مصنع، بينما كانت والدته ممرضة وتعاني من التهاب المفاصل الروماتويدي. ودرس القانون في جامعة ليدز، قبل أن يواصل دراساته العليا في جامعة أكسفورد، ليصبح أول فرد في عائلته يحصل على شهادة جامعية.
بدأ ستارمر مسيرته المهنية في مجال المحاماة عام 1987، متخصصا في قضايا حقوق الإنسان والدفاع الجنائي. وخلال تلك الفترة، شارك في عدد من القضايا البارزة، ومثل أفرادا في دعاوى ضد شركات كبرى، كما قدم استشارات قانونية لمجلس شرطة أيرلندا الشمالية في أعقاب اتفاق الجمعة العظيمة.
وفي عام 2008، تولى منصب مدير النيابة العامة البريطانية، واستمر فيه حتى عام 2013؛ حيث أشرف على ملفات تتعلق بالإرهاب والفساد والجريمة المنظمة، قبل أن يدخل الحياة السياسية نائبا عن دائرة هولبورن وسانت بانكراس في البرلمان عام 2015.
وخلف ستارمر الزعيم العمالي السابق Jeremy Corbyn في قيادة حزب العمال عام 2020، وركز على إعادة توحيد الحزب وتقديمه كخيار وسطي قادر على استعادة السلطة، وهو ما تُوّج بفوز انتخابي كاسح عام 2024 أنهى 14 عاما من حكم المحافظين.
ورغم خلفيته القانونية المرتبطة بحقوق الإنسان، واجه ستارمر انتقادات واسعة بسبب مواقفه من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لا سيما خلال مراحلها الأولى عقب اندلاعها في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
فقد تعرض لانتقادات من شخصيات سياسية وحقوقية وناشطين بعد تصريحات عدّت داعمة للموقف الإسرائيلي؛ إذ شدد على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، في تصريحات أثارت جدلا واسعا داخل حزب العمال وخارجه، خاصة مع تفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.
وأدت تلك المواقف إلى استقالات واحتجاجات داخل بعض الأوساط الحزبية والمحلية التابعة لحزب العمال، كما أسهمت في تراجع شعبيته بين قطاعات من الناخبين التقدميين واليساريين الذين كانوا يشكلون جزءا مهما من القاعدة الداعمة للحزب خلال فترة قيادة كوربن.
ورأى منتقدوه أن مواقفه أضعفت صورة الحزب لدى شريحة من أنصاره، وفاقمت الانقسامات الداخلية بشأن السياسة الخارجية البريطانية، في حين دافع أنصاره عن تلك المواقف بصفتها منسجمة مع التوجه الرسمي للحكومة البريطانية وحلفائها الغربيين.
وخلال فترة رئاسته للحكومة، واجه ستارمر تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، من أبرزها أزمة غلاء المعيشة وارتفاع معدلات التضخم والاحتجاجات العمالية، كما أقر تشريعات تتعلق بحقوق العمال وسوق الإيجارات. إلا أن حكومته ظلت عرضة لانتقادات متواصلة بشأن أدائها الداخلي ومواقفها الخارجية، ما أسهم في تراجع شعبيتها وانتهى بخسارة الحزب في الانتخابات المحلية وتصاعد الضغوط التي أفضت في النهاية إلى استقالته.
تآكل رصيده
وأثار نبأ استقالة ستارمر أخيرا، موجة واسعة من النقاشات والتحليلات بين الإعلاميين، والمحللين السياسيين، والناشطين العرب على منصات التواصل الاجتماعي، اتسمت بمزيج من التقييم الموضوعي للحقبة العمالية القصيرة، والانتقاد الصريح، وقراءة الأبعاد الجيوسياسية لهذا الرحيل.
وركزوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #كير_ستارمر، #بريطانيا، #حزب_العمال، وغيرها، على أن استقالة رئيس الوزراء البريطاني لم تكن مفاجأة معزولة، بل نتاج "تآكل سريع" في رصيده السياسي بعد أقل من عامين في السلطة.
وأشاروا إلى أن تراجعه القياسي في استطلاعات الرأي، وفشله في لجم التضخم، والضربات المتلاحقة في الانتخابات المحلية والفرعية، جعلت استمراره عبئاً على حزب العمال نفسه، مما أجبره على المغادرة بضغط من كتلته البرلمانية.
أسباب الاستقالة
وخصص ناشطون منشوراتهم لمناقشة أسباب استقالة كير ستارمر، منها الأزمات الاقتصادية، سياسات الطاقة (مثل الاعتماد على الرياح بدلاً من نفط بحر الشمال)، والضغوط الداخلية داخل الحزب، مع الإشارة إلى أن الاستقالة جاءت بعد فوز آندي بورنهام المحتمل.
وقارن ناشطون عرب موقف ستارمر وتنحيه بتصرفات المسؤولين في بلدانهم، مشيرين إلى أن رئيس حكومة بريطانيا اختار التنحي بعدما فشل في تحقيق وعوده وخسارة الثقة، في حين يتمسك وزراء في دول أخرى بمناصبهم لسنوات طويلة رغم الأزمات المتكررة، ولا يعترفون بالفشل.
وبرز حديث عن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي الذي يستمر في منصبه منذ عام 2018، عادين هذا التباين عاكسا لغياب ثقافة المساءلة والمحاسبة بين الديمقراطيات الغربية وبعض الأنظمة العربية.
لعنة غزة
وأكد ناشطون ومحللون أن دعم ستارمر للاحتلال الإسرائيل والتواطؤ في الإبادة الجماعية بقطاع غزة، أسهم بشكل كبير في فقدان حزب العمال لدعم قاعدته التقدمية ما أدى إلى تراجع شعبية الحزب وخسارة ناخبين لصالح أحزاب يسارية أو أخرى.
وأشاروا إلى أن مواقف ستارمر من غزة أدت إلى تمرد نواب ومستقيلين سابقين وتراجع شعبية الحزب لدى ناخبين وعدوا التواطؤ في غزة عاملاً حاسماً في هجرهم لحزب العمال، مؤكدين أن لعنة غزة تلاحق خاذليها.
في المقابل، استبعد آخرون أن تكون مواقف ستارمر من الحرب على غزة ودعمه للاحتلال الإسرائيل سبباً مركزياً في استقالته، مفضلين التركيز على الخسائر الانتخابية المحلية والانقسامات الداخلية في حزب العمال والمشكلات الاقتصادية والضغوط الشعبية حول الهجرة والخدمات العامة.
فتى تل أبيب
وتحدث ناشطون عن خليفة كير ستارمر، وتركزت معظم التعليقات على آندي بورنهام (أو برنهام) كالمرشح الأوفر حظاً، مشيرين إلى أنه الأقرب لخلافة كير ستارمر في قيادة حزب العمال ورئاسة الحكومة البريطانية، ويرون أنه يمثل تحولاً داخل الحزب نحو خطاب أكثر شعبية ويسارية نسبياً.
لكنهم حذروا أيضا من أن مواقف بورنهام الداعمة للاحتلال الإسرائيلي وصهيونيته الصريحة قد تجعله امتداداً لسياسات ستارمر تجاه غزة والقضية الفلسطينية رغم بعض الاختلافات في دعوته لوقف إطلاق النار وحل الدولتين.
وانتقد ناشطون تغيير الوجوه داخل حزب العمال المرتبط بالبرجوازية لن يغير الجوهر الداعم للاحتلال، ويأملون أن ينتبه العمال والقاعدة التقدمية إلى ذلك.
آندي بورنهام (مواليد 7 يناير/كانون الثاني 1970) هو سياسي بريطاني بارز في حزب العمال، شغل منصب عمدة مانشستر الكبرى من 2017 حتى يونيو 2026، ثم عاد أخيرا إلى البرلمان نائباً عن دائرة ميكرفيلد في يونيو 2026 بعد فوزه في انتخابات فرعية حديثة.
نشأ في شمال إنجلترا ويُلقب بـ"ملك الشمال" لدفاعه عن المناطق المهمشة خارج لندن، حيث ركز خلال فترته كعمدة على تطوير النقل العام، الإسكان، والصحة، مما أكسبه شعبية واسعة محلياً.
وشغل سابقاً مناصب وزارية في حكومات توني بلير وغوردون براون، ويعد من الشخصيات الشعبية في التيار اليساري الناعم داخل الحزب.
ويُصنف بورنهام ضمن التوجه المؤيد لإسرائيل (الصهيوني) داخل حزب العمال، حيث انضم إلى "أصدقاء إسرائيل في حزب العمال" منذ 2015، وصف حملة المقاطعة (BDS) بـ"الخبيثة" أو "الانتقامية"، وأعلن أن إسرائيل ستكون وجهته الخارجية الأولى إذا أصبح زعيماً للحزب، مشيداً بها كـ"ديمقراطية تحمي الأقليات".
ومع ذلك، دعا لوقف إطلاق نار في غزة مبكراً في أكتوبر 2023، وانتقد "الدمار غير المتناسب"، ودعم حل الدولتين واعتراف بريطانيا بدولة فلسطين، لكنه رفض وصف ما يحدث في غزة بـ"الإبادة الجماعية"، مما يجعله امتداداً لسياسات كير ستارمر مع بعض الاختلافات الخطابية.

















