تسريب وثائق سرية.. هل تتحول مذكرات جون بولتون إلى أخطر ملف قضائي في واشنطن؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

قضية مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق جون بولتون لا تتعلق بمذكرات سياسية فحسب، بل تعيد فتح ملف حساس حول حدود السرية وحرية النشر وانتقائية المحاسبة داخل المؤسسة الأمنية الأميركية، في وقت تتزايد فيه الضغوط القضائية والإعلامية حول الملف.

ورصدت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية نمطا متكررا في تعامل المنظومة الأمنية الأميركية مع قضايا تسريب المعلومات السرية، مفاده أن المقربين من هذه المنظومة ينجون بعقوبات رمزية، فيما يدفع الذين كشفوها أثمانا باهظة.

جاء ذلك في سياق قضية بولتون الذي بات على وشك إبرام صفقة قضائية مع وزارة العدل يعترف فيها بذنبه في تهمة واحدة من أصل 18 تهمة وُجّهت إليه في أكتوبر/تشرين الأول 2025، تتعلق بتداول وثائق سرية بصورة غير مشروعة.

وبموجب هذه الصفقة، سيدفع غرامة مالية تبلغ 2.25 مليون دولار، ومن المرجح أن ينجو من السجن.

ترامب يقاضي بولتون

وتفيد لائحة الاتهام بأن بولتون شارك ملاحظاته اليومية التي دوّنها خلال عمله مستشارا للأمن القومي في الولاية الأولى لترامب مع زوجته وابنته، استعدادا لإصدار مذكراته بعنوان "الغرفة التي جرى فيها كل شيء" (The Room Where It Happened).

وكانت إدارة ترامب قد رفعت عام 2020 دعوى قضائية لمنع نشر الكتاب الذي رسم فيه بولتون صورة قاتمة للرئيس، واصفا إياه بأنه "رئيس مدمن على الفوضى، احتضن أعداء أميركا وتنكّر لحلفائها، وكان لا يثق بحكومته ذاتها".

ورغم الاتهامات بأن الكتاب ينطوي على معلومات سرية ويخرق تعهد السرية الذي وقّعه بولتون، لم توجَّه إليه أي تهم آنذاك، وصدر الكتاب في يونيو/ حزيران 2020.

ولم تتمكن إدارة ترامب من ملاحقته قضائيا إلا في ولايتها الثانية، بعد ست سنوات على صدوره، وكان الكتاب في جوهره يدور حول توظيف السلطة التنفيذية أداة للانتقام الشخصي.

وربطت المجلة قضية بولتون بسابقة لافتة، هي قضية المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية والجنرال ذي الأربعة نجوم، ديفيد بيتريوس، الذي صدر بحقه حكم عام 2015 بسنتين مع وقف التنفيذ وغرامة 100 ألف دولار، بعد إدانته بتهمة مشاركة دفاتر تحوي معلومات بالغة السرية مع عشيقته باولا برودويل.

وأشارت المجلة إلى أن تقارير كشفت لاحقا أن مكتب التحقيقات الفيدرالي يعتقد أن بيتريوس سرّب معلومات سرية لصحفيين أيضا.

واعتذر بيتريوس لاحقا أمام الكونغرس، لكنه احتفظ بنجومه الأربع ومعاشه التقاعدي السخي الذي يموّله دافع الضرائب الأميركي، وبات اليوم مستشارا وخبيرا مطلوبا في الشأنين الجيوسياسي والعسكري.

وأكدت المجلة أن بولتون وبيتريوس كليهما لا يزال حاضرَا بقوة في المنظومة الأمنية القومية، قائلة: إن بولتون سيواصل على الأرجح تلقّي الدعوات للحديث على شبكتَي "CNN" و"MSNBC" وسائر المنابر الإعلامية الكبرى، لا سيما بشأن الحرب على إيران.

وأضافت أن كليهما ينتمي إلى تيار الصقور العابر للحزبين في واشنطن، ويتحرك ضمن حدود ما تقبله المؤسسة الأمنية الأميركية، وإن كان بولتون أشد تشددا في مواقفه من الآخر.

وقالت: إن هذه العقوبات الخفيفة تكشف عن ازدواجية صارخة حين تُقارن بما لقيه من جاهروا بانتقاد المؤسسة الأمنية.

عقوبة الحقيقة

وعرضت المجلة مقابل ذلك مصير ضابط المخابرات المركزية السابق، جون كيرياكو، الذي أسهم عام 2007 في كشف ممارسة الوكالة الإيهام بالإغراق، ما أشعل نقاشا وطنيا واسعا حول استخدام الولايات المتحدة للتعذيب أو ما أسماه المدافعون عنه "تقنيات استجواب معززة".

وردّت الحكومة بتوجيه تهمة إليه بالكشف لصحفي عن اسم عميل سري، علما بأن الصحفي لم ينشر المعلومة أصلا. 

وأُدين كيرياكو وقضى عامين خلف القضبان، وانهارت مسيرته الحكومية الممتدة عقودا.

وقال كيرياكو عام 2015: إن "قضيتي لم تكن عن التسريب، بل كانت عن التعذيب". 

وأضاف: "وكالة المخابرات المركزية لم تسامحني قط على إفشاء برنامج التعذيب للرأي العام؛ فواشنطن تسير على التسريبات سواء أكانت مرخّصة أم غير مرخّصة".

وذكر أن المديرين الثلاثة الأخيرين للوكالة سرّبوا معلومات سرية وأسماء عملاء سريين، دون أن يلحق ذلك ضررا بالأمن القومي أو أن ينطوي على قصد جنائي.

وأردف: "كذلك كان حالي، ومع ذلك مثلت أمام القضاء وأفلتوا هم، وهذا ما يجعلني أعتقد أن قضيتي لم تكن عن التسريب".

وخلصت المجلة إلى أن “الجريمة الحقيقية لكيرياكو كانت الإساءة إلى سمعة المنظومة الأمنية”.

والأمر ذاته ينطبق على المسؤول الرفيع السابق في وكالة الأمن القومي، توماس دريك، الذي رصد قبل خمسة عشر عاما ما رأى فيه تنصتا غير دستوري على مواطنين أميركيين في عهد إدارة جورج دبليو بوش عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، فتوجّه إلى الكونغرس أولا.

ولما لم يُفضِ ذلك إلى شيء، لجأ في نهاية المطاف إلى الصحافة عبر بريد إلكتروني مشفّر.

وحين اكتُشف تسريبه، وُجّهت إليه خمس تهم بموجب قانون التجسس، وبات يواجه ما يصل إلى 35 عاما في السجن.

وانتهى الأمر بصفقة قضائية أقرّ فيها بذنبه في تهمة واحدة تتعلق بتجاوز الاستخدام المصرّح به لحاسوب حكومي، فيما أُسقطت التهم الأخرى، وصدر بحقه حكم بسنة مع وقف التنفيذ و240 ساعة خدمة مجتمعية.

وكانت هذه النتيجة أرحم مما لقيه كيرياكو من سجن فعلي، غير أن دريك جُرِّد من صلاحية الاطلاع على الوثائق السرية، وانهارت مسيرته الحكومية، واضطر إلى العمل في أحد متاجر "آبل" لتدبّر معيشته.

وسأل برنامج التحقيقات الوثائقية "فرونت لاين" على شبكة "PBS" الأميركية دريكَ عن سبب الملاحقة الحكومية الشرسة له، فأجاب: “لأنهم أرادوا إرسال رسالة".

واستطرد: "كانوا يريدون أن يغرسوا رمح الأمن القومي في صدري وينصبوني في الميدان العام أمام الناس قائلين: هذا ما يحدث لك. جرّب أن تجاهر بالحقيقة للسلطة، وسنجعلك عبرة. لا تفعل مثل السيد دريك".

وخلصت المجلة إلى أن كيرياكو ودريك دفعا أثمانا حقيقية مقابل جرائم مشابهة لما اقترفه بولتون وبيتريوس، غير أن ثمة فارقا جوهريا بين الفريقين.

فبولتون وبيتريوس خرقا القانون على ما يبدو لمصالح شخصية، أما كيرياكو ودريك فرأيا في الإفصاح واجبا وطنيا لإطلاع الأميركيين على ما يُرتكب باسمهم في الخفاء. 

وقالت المجلة: "اثنان كانا نرجسيين، والآخران وطنيين".

وختمت بالقول: إن “المنظومة الأمنية القومية الأميركية تتسامح مع أبنائها مهما بلغت إخفاقاتهم، أما من يتجرأ على تحديها أو يُحرجها فلا يُرحم”.