دعوات متصاعدة.. هل تصنف الولايات المتحدة مليشيا "الدعم السريع" منظمة إرهابية؟

"التصنيف أداة ضغط لدفع الإمارات إلى وقف دعمها للدعم السريع"
مع استمرار الحرب السودانية وتفاقم الكارثة الإنسانية، تتصاعد الدعوات داخل الولايات المتحدة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد مليشيا "الدعم السريع"، وسط اتهامات لها بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين وتحذيرات من تداعيات استمرار نفوذها على مستقبل السودان.
ودعا المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي لشؤون إفريقيا، كاميرون هدسون، إلى تصنيف "الدعم السريع" منظمة إرهابية أجنبية.
تحد كبير
ففي مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، رأى هدسون أن ذلك يمثل الخطوة الأجدى لوضع حد للحرب المتواصلة منذ أبريل/نيسان 2023.
ويدخل السودان عامه الرابع من الحرب دون أفق للحل، فمنذ اندلع القتال بين الجيش السوداني و"الدعم السريع"، نزح قرابة 14 مليون شخص، بينهم أكثر من 4 ملايين لجأوا إلى دول مجاورة.
وتراجع الاهتمام الدولي في وقت تتصاعد فيه حدة العنف وتتعمق الكارثة الإنسانية، فيما لا تبدو جهود الوساطة أقل جمودا من جبهات القتال ذاتها.
وأفاد هدسون بأن ميادين المعارك تفتقر إلى خطوط واضحة، إذ تتبادل قوات الجيش و"الدعم السريع" السيطرة على منطقة كردفان الوسطى الغنية بالذهب والزراعة والصمغ العربي، وهي المنطقة التي يتنافس الطرفان على تحصيل ثرواتها.
ومن كردفان، يستطيع "الدعم السريع" تهديد العاصمة الخرطوم، مما يشكّل تحديا كبيرا للإدارة التي يقودها الجيش.
وفي صيف 2024، أعلن "الدعم السريع" قيام حكومة (غير معترف بها) مقرها مدينة نيالا في دارفور، وأعلن تشكيل "حكومة السلام والوحدة".
وبحسب المقال، فإن "الدعم السريع" باتت تعتزم إصدار عملة خاصة بها وترخيص مصارف في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وأنشأت في مايو/أيار 2026، مجلسا للأمن والدفاع يبدو أنه يمهّد لتأسيس جيش وطني موازٍ يضم خليطا من مقاتلي الفصائل المسلحة والمليشيات.
وعلى هذا، أكد هدسون أن السودان بات يواجه خطرا حقيقيا للتفكك مع سيطرة "الدعم السريع" على ما يقارب نصف البلاد وقيادة هيئة حاكمة منافسة.

الموقف الدولي
وذكر هدسون أن المجتمع الدولي يبدو أنه بات قريبا من القناعة بأن السماح لـ"الدعم السريع" بترسيخ إدارة إقليمية، أو تحقيق انتصار كامل، أمر ينبغي منعه.
واستشهد بأن "المجموعة الخماسية"، التي تضم الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وهيئة إيغاد وجامعة الدول العربية، أدانت الاعتراف بـ"هياكل الحكم الموازية".
كما أقرّ مبعوث إدارة ترامب، مسعد بولس، على مضض، بأن الجيش السوداني هو "المؤسسة الدستورية" التي ينبغي صونها لتفادي انهيار الدولة.
وأكد هدسون أن "الدعم السريع" يتحمل القسط الأكبر من المسؤولية عن الجرائم الواسعة بحق المدنيين، مستندا إلى ما وثّقه مسؤولون أميركيون ومحققون أمميون من حلقات عنف إبادي متعددة.
وأوضح أنه في حصار مدينة الفاشر، نفّذ مقاتلو "الدعم السريع" إعدامات جماعية للمدنيين، وأخضعوا النساء والفتيات للاستعباد الجنسي والاغتصاب الممنهج، وارتكبوا جرائم قتل موجّهة عرقيا ضد المجتمعات غير العربية.
ووثّقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن مليشيات الدعم السريع استهدفت تحديدا ذوي الإعاقات خلال عمليات السيطرة، إلى جانب المستشفيات والمرافق الصحية.
وكشفت وكالة "رويترز" أخيرا أن قائدا في "الدعم السريع" (عبد الله إدريس، المعروف باسم “أبو لولو”) صدرت بحقه عقوبات، وجرى تصويره وهو يوجّه بنفسه فظائع ضد مدنيين في دارفور خلال سقوط الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2024، أُفرج عنه بسرية من احتجازه وأُعيد إلى منصبه القيادي مطلع 2026.
وقال هدسون: إن الهدف المعلن من إعادته كان "رفع معنويات" قواته المتعثرة، مضيفا أن هذه العودة تكشف عن إفلات تام من العقاب وتأييد صريح من قيادة "الدعم السريع" للإرهاب ضد المدنيين.
ويرى هدسون أن الحجة لتصنيف "الدعم السريع" منظمة إرهابية لا تحتاج إلى كبير جهد، فالهجمات الممنهجة للقوة على أهداف مدنية حصرا، من مستشفيات ومخيمات نازحين وبنية تحتية زراعية ومجتمعات عرقية، تستوفي التعريف القانوني للإرهاب بموجب القانون الأميركي الذي يشكّل أساس تصنيف المنظمات الإرهابية الأجنبية.
وأضاف أن "الدعم السريع" لا يرتكب الفظائع كأثر جانبي للعمليات العسكرية، بل يستهدف المدنيين عمدا لتحقيق أهداف سياسية عبر الترهيب.
ولفت هدسون إلى أن إدارة ترامب تمتلك المسوّغات والسوابق والقدرة على تطبيق مثل هذا التصنيف بما يفرض تكاليف حقيقية على "الدعم السريع" دون أن يتسبب في كارثة إنسانية.
فمنذ عودته إلى السلطة، صنّف ترامب 29 منظمة إرهابية أجنبية جديدة، أكثر من أي رئيس منذ إنشاء آلية التصنيف عام 1997.
وأشار المقال إلى مخاوف أبدتها منظمات إنسانية من تأثيرات التصنيف على وصول المساعدات، مستدلا بتجربة الحوثيين في اليمن عامي 2021 و2025، حيث أصدرت وزارة الخزانة الأميركية تراخيص استثنائية موازية للتصنيف غطّت الغذاء والدواء والخدمات الصحية والتعليم ومياه الشرب.
وقال: إن النموذج نجح، إذ واصل اليمن تلقّي المساعدات رغم التصنيف، مشيرا إلى أن التصنيف الأخير عام 2025 وسّع هذه الاستثناءات لتشمل خدمات الاتصالات ومحطات "ستارلينك" الحيوية للمدنيين والعاملين الإنسانيين في السودان.

الضغط على الإمارات
وخلص هدسون إلى أن التصنيف ليس مجرد وصف، بل أداة ضغط يمكن توظيفها لإجبار الإمارات على قطع دعمها لـ "الدعم السريع"، وجذب الجيش السوداني إلى طاولة التفاوض.
وأوضح هدسون أن الإدارات الأميركية المتعاقبة ترددت في مواجهة الإمارات علنا بشأن دعمها السياسي والعسكري السخي لـ"الدعم السريع".
وقال: إن التصنيف يتيح لواشنطن الاعتراف بجرائم المليشيا مع تفادي الخلاف المباشر مع أبو ظبي.
واستدرك: “غير أنه يفتح الباب بصورة غير مباشرة أمام فرض عقوبات على موردي أسلحة إماراتيين وتجار الذهب الذين يغسلون صادرات المعادن غير المشروعة للقوة”.
ورأى هدسون أن "التصنيف قد يُسهم في إعادة ترتيب العلاقة مع قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان الذي لطالما اتهم واشنطن بالانحياز لصالح الإمارات، ورفض الانخراط في المساعي الدبلوماسية، مفضّلا تمتين تحالفاته مع مصر وتركيا والسعودية".
وأردف بأن تصنيف "الدعم السريع" منظمة إرهابية سيُقنع البرهان بأن واشنطن لن تمنح المليشيا شرعية سياسية مساوية للجيش، وهو ما قد يدفعه إلى الانخراط في المفاوضات.
وختم هدسون بأن النهج المتكافئ في التعامل مع طرفي النزاع أخفق في الضغط على أي منهما للانخراط في مفاوضات وقف إطلاق النار، وأن الوقت حان للاعتراف بطبيعة "الدعم السريع" الحقيقية التي كشف عنها منذ بداية الحرب، وفرض خط أحمر يحول دون مزيد من توطيد سيطرته.
وأنذر بأن الإخفاق في ذلك لن يؤدي إلا إلى تسريع تفكك السودان وزعزعة استقرار منطقة البحر الأحمر وتقويض الأمن القومي الأميركي لسنوات مقبلة.

















