الشرع وراء "تنسيق مدروس" أثلج قلوب الأكراد داخل سوريا وخارجها.. ما القصة؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في قصر الشعب بدمشق، رفرف علم كردستان الكبير إلى جوار علم عراقي أصغر منه، وفُرشت طاولة القهوة على طراز "لويس الخامس عشر" بالورود، وفق أسلوب التنسيق الذي يعتمده الضيف في قصره بأربيل.

مشهد رمزي رافق أول زيارة رسمية لرئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، إلى العاصمة السورية، في 3 أغسطس/آب 2026، للقاء الرئيس أحمد الشرع، في وقت تتشابك فيه الزيارة مع جهود دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وذراعها المدني في الدولة السورية.

وأفاد موقع "المونيتور" الأميركي، نقلا عن مسؤولين إقليميين اطلعوا على التحضيرات، بأن الشرع نفسه هو من بادر بتوجيه الدعوة إلى بارزاني، في تنسيق مدروس أثلج قلوب الأكراد داخل سوريا وخارجها، بحسب تقرير الموقع.

وانتشرت على منصات التواصل صور العلم الكردي الكبير المرفوع في المجمّع الرئاسي، ورافق بارزاني وفد من رجال الأعمال الأكراد العراقيين، في إشارة إلى مساعي تطوير العلاقات الاقتصادية بين سوريا وإقليم كردستان.

وقال الشرع في تصريحات علنية بعد اللقاء: إن الجانبين ناقشا سبل تعزيز التعاون "خدمة للاستقرار"، فيما أعرب بارزاني عن ثقته برؤية الشرع، ودعا إلى سوريا "تصان فيها حقوق جميع المكونات القومية والدينية"، دون تقديم تفاصيل إضافية.

ونشر الشرع ترجمة كردية لتصريحه على منصة "إكس"، في لفتة رمزية أخرى إلى الأكراد.

وساطة بارزاني

وأدّى بارزاني دورا كبيرا في مساعدة واشنطن على التوسط لوقف إطلاق نار بين الشرع والقائد العام لـ "قسد"، مظلوم عبدي، في يناير/كانون الثاني الماضي، بعد أسابيع من قتال عنيف خسر فيه الأكراد أكثر من 80 بالمئة من أراضيهم.

وبحسب الموقع الأميركي، فقد واجهت قسد منذ ذلك الحين وابلا من الانتقادات من الأكراد العاديين، لا سيما في المهجر، بسبب ما وصفوه بمفاوضات فاشلة مع الشرع.

واقترن اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في 29 يناير/كانون الثاني بوثيقة تعدّل شروط اتفاق الدمج الذي أبرمه الشرع وعبدي في 10 مارس/آذار من العام الماضي.

وتنصّ بنوده على حلّ قسد والإدارة الذاتية للأكراد قبل نهاية 2026، مع دمج هياكلهما بالكامل في الحكومة المركزية.

وذكرت وسائل إعلام كردية أن عبدي توجّه إلى دمشق للقاء بارزاني. غير أن اللقاء لم يتحقق، ولم يكن مبرمجا أصلا بحسب مسؤول إقليمي تحدّث لـ "المونيتور" في إطار مغلق.

ويعكس هذا التباين موازين القوى الجديدة في سوريا. فالشرع الذي كان يوما على قوائم الإرهاب الدولية بات يستقبله زعماء العالم، بينما لم يعد عبدي -المشاد به عالميا لانتصار قسد على تنظيم الدولة- يحظى بالمكانة ذاتها.

وترسّخ الزيارة مكانة إقليم كردستان العراق مرجعا كرديا للسلطات السورية الجديدة، بعد أن كان بارزاني الوسيط الرئيس في مسار المفاوضات الذي انتهى بتوقيع اتفاقي 10 مارس/آذار و29 يناير/كانون الثاني.

حسابات دمشق

وحقّق اللقاء لدمشق أهدافا عدة. فهو رسالة واضحة إلى الأكراد والحكومات الغربية بأن الشرع ملتزم باحتضان الجميع، وأن أي خلافات مع قسد ترجع إلى موقفها السياسي، دون أن تتصل بانتمائها الإثني.

وفي الوقت نفسه، حملت الدعوة اعترافا من الشرع بدور حكومة إقليم كردستان في الملف الكردي السوري، وهو ما يعزّز موقع المنافس الأبرز لقسد، أي المجلس الوطني الكردي في سوريا، وهو ائتلاف يضم عددا من الأحزاب الكردية.

ومن أبرز أحزاب المجلس، الحزبُ الديمقراطي الكردستاني في سوريا، وهو الحزب الشقيق للحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق الذي يقوده بارزاني. ويتّخذ هذا الحزب السوري من جدّ بارزاني، الملا مصطفى بارزاني، مرجعا روحيا له، مثلما تتّخذ قسد من عبد الله أوجلان مرجعا لها.

والجدير بالذكر أن أوجلان هو الزعيم المسجون لحزب العمال الكردستاني الذي شنّ حربه ضد تركيا انطلاقا من سوريا لسنوات طويلة قبل اعتقاله عام 1999. وكان عبدي أحد أبرز مساعديه.

وخاض المجلس الوطني الكردي انتخابات برلمانية أجريت أخيرا في منطقة الشمال الشرقي، ففاز بمقاعد في كل الدوائر، بعد أن قاطعت الأحزاب المرتبطة بقسد الاستحقاق بحجة أنه غير ديمقراطي.

ورأى منتقدون أن قسد ارتكبت خطأ إستراتيجيا؛ إذ تركها القرار بلا تمثيل في العاصمة السورية.

وجاء ذلك في وقت يخوض فيه المجلس الوطني الكردي حوارات مباشرة مع دمشق، فيما تعاني قسد من أزمة تمثيل سياسي داخل مؤسسات الدولة الوليدة.

ومنذ يناير/كانون الثاني، تحقّق تقدّم في دمج وحدات من قسد بالجيش الوطني السوري، إلى جانب خطوات أخرى.

وإلى جانب المرسوم الرئاسي رقم 13 الذي اعترف بأكراد سوريا ووعد بحماية حقوقهم الثقافية واللغوية، اتّخذت خطوات نحو دمج قسد وذراعها المدني، بحسب المحلل أليكسندر ماكيفر، مؤسس مدونة "هذا الأسبوع في شمال سوريا" (This Week in North Syria).

وتشمل هذه الخطوات تشكيل ألوية من عناصر قسد وتدريبها، ودمج موظفين مدنيين في كشوف الوزارات، والاعتراف بشهادات الثانوية والجامعة الصادرة عن الإدارة الكردية. كما أطلقت دمشق مسارا لتجنيس أكراد سوريا عديمي الجنسية.

وأوضح ماكيفر لـ "المونيتور" أن "المناطق الخاضعة لقسد تبقى على الأرض بعيدة عن الاندماج إلى حد كبير، وتواصل المؤسسات الكردية إدارة الحياة اليومية". والسؤال: إلى متى؟

وتظل نقطتان عالقتين تتصدّران نقاط الخلاف؛ رفضُ الحكومة المركزية الاعترافَ بالتعليم بالكردية حقا لا رجعة فيه، ورفضُها دمج المقاتلات الكرديات في الجيش الوطني.

يضاف إلى ذلك أن الشرع لم يوافق على منح عبدي منصبا حكوميا يستطيع قبوله ويكون له فيه صوت مؤثر.

وأرفع شخصية من قسد داخل الحكومة السورية هي سيبان حمو، القائد السابق لوحدات حماية الشعب الذي عيّن نائبا لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية.

ظِل أنقرة

ويتشابك مسار الدمج في سوريا مع مفاوضات تركيا الخاصة مع أوجلان وحزب العمال الكردستاني. وأعلن المتمردون، ومعظمهم في إقليم كردستان العراق، إنهاء حملتهم المسلحة ضد الدولة التركية في مايو/أيار من العام الماضي، تنفيذا لأوامر أوجلان.

وأرادت أنقرة أن تحلّ قسد بدورها بسبب صلاتها بحزب العمال الكردستاني.

وضغط بارزاني الذي تربطه علاقات شخصية وثيقة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على عبدي لتسريع حل قسد، إذ لا يمكن لمسار السلام في تركيا أن يتقدّم دون هذا الضمان.

وبعد أشهر من التجاذب، يلوح تقدّم في الأفق، ويتوقّع أن يعرض مشروع قانون على البرلمان قبل عطلته نهاية الشهر.

وتشير التقارير إلى أن القانون يمنح عفوا لمقاتلي حزب العمال الكردستاني الذين لم يرتكبوا جرائم خطيرة ضد الدولة، وينشئ هيئة تضم مسؤولين من وزارات الداخلية والدفاع والعدل والاستخبارات للإشراف على نزع سلاح المقاتلين المؤهلين وعودتهم.

ولفت أوجلان في رسالة تشاركها حزب المساواة وديمقراطية الشعوب المؤيد للأكراد، إلى أن القانون رغم قصوره يمثّل "المفتاح" الذي "سيوارب الباب" أمام إصلاحات ديمقراطية مقبلة.

وبعبارة أخرى، اتخذ أوجلان قرارا إستراتيجيا بالمراهنة على مسار سيظل شكله محدّدا ومفروضا من الحكومة التركية. ورغم كل عيوبه -وفق التقرير- يمثّل هذا المسار المرة الأولى التي يقرّ فيها البرلمان التركي قانونا من هذا القبيل نتيجة محادثات مباشرة مع أوجلان.