“تحولات أمنية وسياسية متسارعة” بين تركيا والعراق.. ما القصة؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى أنقرة في مرحلة دقيقة تشهد فيها المنطقة تحولات أمنية وسياسية متسارعة، في ظل استمرار الحروب وتصاعد التنافس الإقليمي على النفوذ ومسارات الطاقة. 

ولم تقتصر الزيارة على الطابع البروتوكولي بين قيادتي البلدين، بل حملت في طيّاتها رسائل سياسية واقتصادية وأمنية مهمة، عكست توجّه العلاقات التركية العراقية نحو مرحلة جديدة تقوم على تعزيز الشراكة الإستراتيجية والبناء على ما تحقق خلال فترة حكومة محمد شياع السوداني، إلى جانب توسيع مجالات التعاون في النقل والطاقة والاستثمار والأمن.

وفي هذا السياق، نشر مركز أورسام مقالاً للكاتب التركي سِرجان تشَالشكان تناول فيه أبعاد زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى أنقرة، وما تحمله من دلالات تتعلق بمستقبل العلاقات بين العراق وتركيا، في ضوء المتغيرات الإقليمية الراهنة.

وجاءت الزيارة بعد خمسة وسبعين يوماً فقط من تولي الزيدي رئاسة الحكومة العراقية، وكانت ثالث زيارة خارجية له، الأمر الذي يعكس المكانة المهمة التي تحتلها تركيا ضمن أولويات السياسة الخارجية العراقية.

كما أسفرت المباحثات عن توقيع عدد من الاتفاقيات المهمة التي شملت مجالات الأمن والطاقة والاقتصاد، وأظهرت رغبة الطرفين في الانتقال من إطار التعاون التقليدي إلى شراكة إستراتيجية طويلة الأمد، لا سيما في ما يتعلق بمشروع “طريق التنمية” الذي يُعدّ أحد أبرز المشاريع الاقتصادية الكبرى في المنطقة.

توازنات حساسة

رغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الزيارة، كشفت إحدى الوقائع التي حدثت أثناء مراسم توقيع الاتفاقيات عن جانب مهم في طبيعة المشهد السياسي العراقي. 

فقد امتنع وزير النقل العراقي وهاب الحساني في البداية عن توقيع الاتفاقية الخاصة بمشروع طريق التنمية، وهو ما دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى ملاحظة غياب توقيعه، قبل أن يتدخل رئيس الوزراء علي الزيدي شخصياً ويطلب من الوزير التوقيع، لتنتهي الأزمة بعد لحظات قصيرة أمام عدسات الإعلام.

ورغم أن الحادثة بدت عابرة، إلّا أنّها عكست حجم التعقيدات داخل مؤسسات الدولة العراقية، وأظهرت أن الحكومة تضم قوى سياسية ذات توجهات مختلفة، قد لا تتفق جميعها على مستوى الانفتاح المطلوب تجاه تركيا، أو على طبيعة المشاريع الإستراتيجية التي تعزز التعاون معها.

وأضاف أنّ وزير النقل وهاب الحساني ينتمي إلى منظمة بدر، وهي من أبرز القوى السياسية الشيعية المقربة من إيران. حيث تتمتع المنظمة بنفوذ واسع لا يقتصر على تمثيلها البرلماني، بل يمتد إلى مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية، كما تمتلك حضوراً عسكرياً مؤثراً من خلال ألوية بدر المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي.

وقد حصلت منظمة بدر في تشكيل الحكومة الجديدة على حقيبتين بالغتي الأهمية؛ هما وزارة النقل ووزارة الموارد المائية، وهو ما يمنحها تأثيراً مباشراً في ملفين يمثلان محور العلاقات مع تركيا. فَوزارة النقل تشرف على تنفيذ مشروع طريق التنمية، بينما تتولى وزارة الموارد المائية إدارة ملف المياه، الذي يعد من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين البلدين.

ولا تقتصر القوى المقربة من إيران داخل العراق على منظمة بدر؛ إذ توجد أيضاً قوى مثل "ائتلاف دولة القانون" و"كتلة صادقون", وهي أطراف تمتلك حضوراً سياسياً وإدارياً؛  حيث يمكنها التأثير في قرارات الحكومة وفي مسار تنفيذ المشاريع الكبرى.

من هذا المنطلق، لا يمكن تفسير امتناع وزير النقل عن التوقيع على أنه مجرد خطأ إداري أو موقف شخصي، كما لا يمكن الجزم بأنه جاء نتيجة تعليمات مباشرة من إيران، إلا أن الحادثة تشير بوضوح إلى وجود تحفظات لدى بعض القوى العراقية تجاه المشاريع التي قد تعزز النفوذ الاقتصادي والإقليمي لتركيا داخل العراق.

ويبدو أنّ بعض هذه الأطراف لا يعد مشروع التنمية كمشروع اقتصادي فحسب، بل يراه كمبادرةٍ إستراتيجية يمكن أن تمنح تركيا دوراً أكبر في الاقتصاد العراقي وفي حركة التجارة الإقليمية، وهو ما يفسر جانباً من الحساسيات التي ظهرت خلال مراسم التوقيع.

طريق التنمية

ولا شك أن أحد أبرز نتائج زيارة الزيدي تَمثّلَ في تأكيد القيادتين التركية والعراقية على وجود إرادة سياسية مشتركة لمواصلة تنفيذ مشروع طريق التنمية.

وذلك بصفته مشروعاً إستراتيجياً يربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي العراقية والتركية، ويوفر ممراً بديلاً للتجارة والطاقة في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة.

لذلك فقد أكّد الرئيس رجب طيب أردوغان خلال المؤتمر الصحفي بأنّه لمس لدى رئيس الوزراء العراقي إرادة قوية لإنجاح المشروع، وهو تصريح حمل دلالة سياسية مهمة، خاصة بعد المشهد الذي شهدته مراسم التوقيع.

ولفت الكاتب النظر إلى أنّ هذا التعاون لم يقتصر على مشروع طريق التنمية، بل امتد أيضاً إلى قطاع الطاقة؛ حيث أعلن الجانبان عن خطة تستهدف نقل مليون برميل من النفط الخام يومياً عبر خط أنابيب كركوك – جيهان. 

ويكتسب هذا المشروع أهمية متزايدة في ظل الأزمات الأمنية المتكررة حول مضيق هرمز؛ إذ يوفر مساراً بديلاً لنقل النفط إلى الأسواق العالمية. 

بالإضافة إلى ذلك فهو ينسجم مع رؤية أوسع تقوم على تعزيز الترابط الإقليمي، من خلال إنشاء شبكة متكاملة تشمل السكك الحديدية والطرق البرية وخطوط الطاقة التي تربط البصرة بالموانئ التركية، وهو ما قد يحول العراق وتركيا إلى مركزين رئيسين لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

وأشار الكاتب إلى أحد التطورات اللافتة في الزيارة، وهو إعلان منح شركة البترول التركية حصة شراكة في حقول كركوك التي تديرها شركة بريتيش بتروليوم. 

حيث تمثل هذه الخطوة تحولاً مهماً في طبيعة العلاقات بين البلدين؛ إذ لم تعد تركيا تقتصر على دور دولة عبور لنقل النفط العراقي، بل أصبحت شريكاً مباشراً في إنتاجه.

وهذه الشراكة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون في قطاع الطاقة، خاصة أن محافظة كركوك تعد من أهم المناطق الغنية بالموارد النفطية في العراق. الأمر الذي يمنح العلاقات الاقتصادية بين البلدين بعداً إستراتيجياً أكثر عمقاً واستدامة.

تحديات ومخاطر 

رغم المؤشرات الإيجابية التي حملتها زيارة الزيدي، فإن مسار الشراكة التركية العراقية لا يخلو من تحديات قد تعيق تقدمه خلال المرحلة المقبلة.

تتمثل أبرز هذه التحديات في استمرار الاضطرابات الأمنية في المنطقة، واحتمال امتداد الصراعات الإقليمية إلى الداخل العراقي، وهو ما قد يهدد حالة الاستقرار النسبي التي شهدها العراق خلال السنوات الأخيرة، ويؤثر سلباً في تنفيذ المشاريع الاقتصادية الكبرى.

كما أنّ وجود قوى سياسية وفصائل شيعية مقربة من إيران داخل مؤسسات الدولة قد يفرض عراقيل سياسية أو إدارية أمام بعض المشاريع المشتركة، خاصة تلك التي تمنح تركيا دوراً اقتصادياً وإقليمياً أكبر داخل العراق.

مع ذلك، تبدو هذه العقبات أقل تأثيراً مقارنة بالتحديات الأمنية الإقليمية، خاصة أن الحكومتين التركية والعراقية أَظهرتا حتى الآن رغبة واضحة في الحفاظ على التعاون الإستراتيجي. 

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ تجربة حكومة محمد شياع السوداني أثبتت أن الدعم المباشر من القيادتين قادر على تجاوز الكثير من العقبات السياسية والبيروقراطية التي قد تظهر خلال تنفيذ المشاريع.

وتابع الكاتب بأنّ نتائج زيارة علي الزيدي تشير إلى أن العلاقات التركية العراقية دخلت مرحلة أكثر نضجاً وإستراتيجية، فهي تتجاوز التعاون التقليدي متّجهة نحو بناء شراكة طويلة الأمد، تقوم على التكامل الاقتصادي وربط البنية التحتية وتعزيز أمن الطاقة.

إنّ استمرار العمل في مشروع طريق التنمية، وتطوير خط كركوك – جيهان، ودخول شركة البترول التركية في مشاريع الإنتاج داخل كركوك، يؤكّد أن التعاون بين البلدين لم يعد يقتصر على تبادل المصالح الآنية، بل أصبح جزءاً من رؤية أوسع لإعادة تشكيل شبكة التجارة والطاقة في المنطقة.

في المقابل، أظهرت واقعة توقيع الاتفاقيات أن الساحة السياسية العراقية ما تزال تضم قوى تمتلك رؤى مختلفة تجاه مستوى التعاون مع تركيا، وهو ما يعني أن تنفيذ هذه المشاريع سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومتين على إدارة التوازنات الداخلية وتجاوز العقبات السياسية.

يبقى العامل الحاسم في مستقبل العلاقات التركية العراقية هو استمرار الإرادة السياسية المشتركة لدى قيادتي البلدين، وقدرتهما على الحفاظ على زخم التعاون، ومواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة، بما يضمن تحويل المشاريع المعلنة إلى واقع عملي يعزز الاستقرار والتنمية والمصالح المشتركة للطرفين.