خبير رياضي: إعادة بناء الكرة السورية تبدأ من المدرسة لا من المنتخب

"تُعاني المنشآت الرياضية جميعها من الترهل والتقادم"
لم تعد أزمة كرة القدم السورية تقتصر على تراجع النتائج أو غياب الإنجازات، بل باتت تعكس اختلالات هيكلية تمتد من الإدارة والتشريعات إلى البنية التحتية وآليات اكتشاف المواهب. فبعد سنوات من الحرب والتراجع المؤسسي، يواجه القطاع الرياضي تحديات معقدة تتطلب إعادة بناء شاملة تقوم على الاحتراف والاستثمار والحوكمة، بدلاً من الاكتفاء بالحلول المؤقتة التي لم تنجح في وقف مسلسل التراجع.
وفي هذا السياق، يؤكد الأكاديمي والباحث في الإدارة الرياضية بالمدرسة العليا للإدارة في باريس (ESG Sport Paris)، عمر الحاج حسن، في حوار مع صحيفة الاستقلال، أن المشكلة الأساسية لا تكمن في ندرة المواهب، وإنما في غياب الإدارة الاحترافية واستقلالية الاتحادات الرياضية.
ودع عمر الحاج إلى إطلاق مشروع وطني لإعادة هيكلة كرة القدم السورية، والاستفادة من الخبرات السورية في الداخل والخارج، وإصلاح الرياضة المدرسية، وتهيئة بيئة تشريعية واستثمارية قادرة على نقل الأندية من الهواية إلى الاحتراف.

واقع مأزوم
كيف تقيّم واقع كرة القدم السورية، بدءاً من المنتخب الوطني وصولاً إلى الأندية المحلية؟
لم تكن أزمة الرياضة السورية يوماً أزمة مواهب أو غياب للشغف الجماهيري، بل كانت، وما تزال، أزمة إدارة بالدرجة الأولى.
وقد تجلّى هذا الخلل بوضوح عند مقارنة الألعاب الفردية بالألعاب الجماعية؛ ففي حين حققت الألعاب الفردية إنجازاتها بفضل مواهب استثنائية وجهود شخصية، كشفت الألعاب الجماعية حجم القصور في الاتحادات الرياضية، التي تفتقر إلى الكوادر الإدارية المؤهلة والقادرة على إدارة منظومات رياضية معقدة وفق أسس احترافية.
ويعيش الاتحاد السوري لكرة القدم حالة مزمنة من غياب الرؤية والإستراتيجية، إذ لا توجد أهداف بعيدة المدى أو مشروع تطوير واضح، بل تدار القرارات بردود فعل آنية وحلول مؤقتة.
وهذه الحالة ليست وليدة المرحلة الحالية، بل تمتد إلى ما قبل سقوط نظام بشار الأسد، واستمرت بعد ذلك بالعقلية ذاتها؛ إذ إن معظم الكوادر، سواء في المناطق المحررة سابقاً أو في المناطق التي كانت خاضعة للنظام، خرجت من البيئة الإدارية نفسها، دون أن تشهد أدوات العمل أو أساليب الإدارة أي تغيير حقيقي.
وينعكس هذا الخلل بصورة واضحة على منظومة التدريب؛ ففي الوقت الذي يحظى فيه مدرب المنتخب الأول باستقرار فني خوفاً من تبعات فسخ عقده والشروط الجزائية المرتبطة به، تُبرم عقود مدربي الفئات العمرية لفترات قصيرة لا تتجاوز عاماً واحداً، لتصبح رهينة النتائج السريعة وضغط منصات التواصل الاجتماعي.
وخير دليل على ذلك ما شهده منتخب الناشئين تحت 17 عاماً الذي تعاقب على تدريبه أكثر من أربعة مدربين من جنسيات مختلفة خلال فترة وجيزة، في ظل غياب مدير فني داخل الاتحاد يتولى تقييم العمل وفق معايير علمية وتطويرية، بعيداً عن ردود الأفعال.
وعند تقييم واقع كرة القدم السورية، من المنتخب الوطني وصولاً إلى الأندية المحلية، نجد أنفسنا أمام مشهد مأزوم ومتراجع إلى حد كبير.
فالقائمون على إدارة اللعبة اعتادوا التركيز على المكاسب الشخصية والحلول المؤقتة، بعيداً عن معايير الإدارة الاحترافية والتخطيط طويل الأمد.
كما أسهم اعتماد الولاءات معياراً أساسياً لتولي المناصب، إلى جانب افتقار معظم إدارات الاتحادات والأندية إلى التأهيل الأكاديمي المتخصص، في تراجع مستوى اللعبة، وغياب أي مشروع وطني حقيقي للنهوض بكرة القدم السورية.

بنية متهالكة
حبذا لو تضعنا في صورة واقع البنية التحتية للأندية والمنشآت الرياضية في سوريا؟
لا يمكن فصل المستوى الفني لكرة القدم عن واقع البنية التحتية، إذ تتوزع مسؤولية المنشآت الرياضية بين وزارة الرياضة والشباب، والاتحاد الرياضي العام سابقاً، ووزارة التربية، إضافة إلى المنشآت التابعة للأندية.
وتعاني معظم المنشآت الرياضية في سوريا من التقادم والترهل، إذ شُيدت وفق تصاميم قديمة، ولم تخضع لعمليات تطوير أو تحديث تتواكب مع الطفرة التي شهدها قطاع البنية الرياضية عالمياً خلال العقود الأخيرة.
وزادت سنوات الثورة من حجم التدهور، بعدما حوّل النظام السابق عدداً كبيراً من الملاعب والمنشآت الرياضية إلى ثكنات ومواقع عسكرية، ما أدى إلى خروجها من الخدمة أو تعرضها لأضرار كبيرة.
وأصبح الأمر اليوم يتطلب إما إعادة تأهيل شاملة لهذه المنشآت، أو إنشاء ملاعب جديدة بمواصفات حديثة، وهو مشروع يحتاج إلى إمكانات مالية كبيرة، ودعم حكومي، وخطة وطنية واضحة لإعادة إحياء البنية التحتية الرياضية في مختلف المحافظات السورية.
ونتيجة لذلك، باتت غالبية المنشآت غير قادرة على استضافة الفعاليات الرياضية إلا في حدودها الدنيا، وبصعوبات كبيرة تؤثر بشكل مباشر في تطوير اللعبة وإعداد اللاعبين.

خارطة طريق
كيف يمكن مساعدة الأندية السورية في التحول إلى مؤسسات احترافية مستقلة؟
يُعد غياب الاستقلالية الفنية والإدارية والمالية للاتحادات الرياضية أحد أبرز العوائق أمام تطوير كرة القدم السورية.
فالقرارات الفنية والإدارية لا تُتخذ داخل أروقة الاتحاد استناداً إلى دراسات ومعايير رياضية، بل تبقى رهينة الإجراءات الحكومية والبيروقراطية؛ إذ يتطلب تنفيذ كثير من الخطط الحصول على موافقات سياسية وإدارية مسبقة، الأمر الذي يفرغ الاتحادات من دورها الحقيقي في التخطيط والتطوير.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى وضع خارطة طريق واضحة للتحول نحو الاحتراف والاستثمار، عبر تشريعات جريئة وآليات عمل حديثة، من أبرزها:
- الخصخصة والحوكمة: وضع برامج تدريجية لخصخصة جزء من الأندية، واستقطاب المستثمرين ورؤوس الأموال، مع فرض معايير صارمة تضمن وجود إدارات تمتلك الكفاءة الإدارية والقانونية والمالية.
- تهيئة البيئة التشريعية: إصدار قوانين تشجع الاستثمار الرياضي، وتشمل مجالات الرعاية والإعلام والمنتجات الرياضية، بما يخلق بيئة اقتصادية جاذبة.
ويبقى الاستثمار سلاحاً ذا حدين؛ فهو قد يتحول إلى مغامرة في ظل غياب اللوائح الناظمة واستمرار مظاهر الفساد والمحسوبية، لكنه في المقابل يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية إذا نُظم وفق معايير واضحة وتجارب دولية ناجحة.
فعندها سيكون دخول الشركات الكبرى والمؤسسات الإعلامية إلى القطاع الرياضي عاملاً أساسياً في زيادة الموارد المالية، وتعزيز التنافسية، ورفع مستوى الدوري والأندية بصورة ملموسة.

الخزان الإستراتيجي
ما الآليات اللازمة لإعادة بناء الرياضة المدرسية بصفتها الخزان الأساسي للمواهب؟
تمثل المدرسة القاعدة الأولى لاكتشاف المواهب الرياضية، ولذلك فإن إعادة بناء المنظومة الرياضية يجب أن تبدأ من المؤسسات التعليمية.
ولتحقيق ذلك، لا بد من تطوير مناهج التربية الرياضية، وزيادة عدد حصصها، والاستعانة بلاعبين ورياضيين سابقين في تدريسها، إلى جانب إنشاء كليات وأقسام جامعية متخصصة في علوم كرة القدم والإدارة الرياضية وفق أسس علمية حديثة.
كما ينبغي تخصيص موازنات كافية لتنظيم بطولات مدرسية منتظمة، مع توفير الملاعب والتجهيزات والكوادر التحكيمية والإعلامية، بما يسمح باكتشاف المواهب مبكراً، قبل انتقالها إلى الأكاديميات المتخصصة أو الأندية لصقلها وتطويرها.

الاستفادة من الخبرات
هل يمكن الاستفادة من الخبرات الرياضية السورية داخل البلاد وخارجها، ودمجها مع التجارب الدولية الناجحة؟
يمتلك السوريون في الداخل والخارج رصيداً كبيراً من الخبرات الرياضية والإدارية، يمكن أن يشكل ركيزة أساسية لإعادة بناء كرة القدم السورية.
فالكوادر التي هاجرت منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ثم مطلع الألفية الجديدة، تركت بصمات واضحة في مجالات الإدارة والإعلام الرياضي، لا سيما في دول الخليج العربي.
وخلال السنوات الأخيرة، انضم إليها جيل جديد من السوريين العاملين في أوروبا والدول المتقدمة، ممن تلقوا تعليمهم أو عملوا داخل مؤسسات وأكاديميات رياضية عالمية، واكتسبوا خبرات احترافية متقدمة.
ومن شأن دمج هذه الخبرات مع الكفاءات المحلية أن يشكل حجر الأساس لتحديث الرياضة السورية عموماً، وكرة القدم على وجه الخصوص، ونقلها من مرحلة الهواية إلى منظومة احترافية قائمة على الإدارة العلمية والتخطيط طويل المدى.
















