دمشق ترفض الحل العسكري بلبنان.. الشرع يرد على ترامب ويتمسك بالحوار مع "حزب الله"

شدوى الصلاح | منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

في خطوة تعكس تحولاً لافتاً في الدبلوماسية السورية الإقليمية، فجّر الرئيس السوري أحمد الشرع مفاجأة سياسية بإعلانه وجود قنوات اتصال مباشرة فتحتها دمشق مع الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب، بهدف المساهمة في التوصل إلى صيغة تنهي الحرب الدائرة في لبنان.

ولم يقتصر الأمر على الإعلان عن هذا التواصل غير المسبوق مع واشنطن، بل تجاوزه إلى إعلان استعداد سوري للجلوس مع مختلف الأطراف اللبنانية، بما في ذلك حزب الله، في تصريحات فتحت الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن طبيعة الدور الذي تسعى دمشق إلى لعبه في المرحلة المقبلة، وحدود التحول الذي تشهده السياسة الخارجية السورية منذ سقوط النظام السابق.

وفي مقابلة تلفزيونية نقلت مقتطفات منها وسائل إعلام سورية، بينها وكالة الأنباء الرسمية "سانا"، قال الشرع: إن بلاده بادرت بالتواصل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إطار الجهود الرامية إلى وقف الحرب في لبنان. مؤكداً أن سوريا مستعدة للجلوس مع جميع الأطراف اللبنانية، بمن فيهم حزب الله، إذا كان ذلك يصب في مصلحة سوريا ولبنان ويسهم في تحقيق الاستقرار.

وأضاف: "لدينا من الشجاعة ما يكفي لإعلان دخولنا أي صراع أو حرب بشكل علني إذا ما قررنا ذلك". مشدداً على أن الدور السوري في لبنان "إيجابي بحت"، وأنه ينطلق من المصالح المشتركة بين البلدين، وبما يخدم أمنهما واستقرارهما.

وأوضح الشرع أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبدى انزعاجاً من تطورات الوضع اللبناني، ويبحث عن سبل لإنهاء الحرب. مشيراً إلى أن واشنطن تنظر إلى سوريا بصفتها طرفاً يمكن الاعتماد عليه للمساهمة في الوصول إلى حل سياسي وأمني يحقق الاستقرار في لبنان.

ولفت إلى أن ترامب تحدث في أكثر من مناسبة عن دور محتمل لدمشق في المساعدة على إيجاد تسوية للأزمة اللبنانية، إلا أن بعض التصريحات الأميركية "فُهمت بصورة خاطئة"، بعدما فسرها البعض على أنها تمهيد لعودة النفوذ العسكري السوري إلى لبنان.

وجاء ذلك في إشارة إلى تصريحات سابقة للرئيس الأميركي تحدث فيها عن إمكانية منح سوريا دوراً أكبر في إدارة الملف اللبناني، وعن اقترابه من "تسليم ملف حزب الله لسوريا ومنح القوة للرئيس أحمد الشرع"، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية اللبنانية.

وأكد الشرع أن الرؤية السورية للحل نوقشت مع الجانب الأميركي، وتقوم على أولوية وقف الحرب أولاً، ثم الانتقال إلى معالجة تداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء داخل لبنان أو على مستوى العلاقات اللبنانية السورية.

وشدد على أن الحلول الجزئية والمؤقتة لا تؤدي إلى استقرار حقيقي، بل تؤسس لأزمات جديدة في المستقبل، مقدرا أن المطلوب هو بناء جسور تواصل بين مختلف القوى اللبنانية، بما فيها حزب الله، للوصول إلى معالجات شاملة ومستدامة.

وأضاف أن إغلاق أبواب الحوار لا يؤدي إلا إلى المزيد من التصعيد، مؤكداً أن سوريا تدرك حساسية العلاقة مع حزب الله بسبب أحداث السنوات الماضية، والتي تركت جروحاً عميقة داخل المجتمع السوري.

وقال: إن هناك "جرحاً سورياً لا يزال حياً" نتيجة أدوار لعبها الحزب خلال سنوات الحرب السورية، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة التعامل مع هذه الملفات بواقعية سياسية، والبحث عن صيغ تضمن استقرار لبنان وتحافظ على أمن سوريا ومصالحها.

وأكد الشرع أن المنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية، مضيفاً: "نحن مع وقف الحروب في المنطقة، وليس من مصلحة أي طرف استمرار الصراعات الحالية".

ورأى أن التغيير السياسي الذي شهدته سوريا بعد سقوط النظام السابق أتاح فرصة جديدة لإعادة بناء العلاقات الإقليمية، مشيراً إلى أن عدداً من الدول بدأ ينظر إلى دمشق بصفتها شريكاً يمكن التعاون معه في ملفات الاستقرار والتنمية.

وفي المقابل، رأى أن بعض القوى اللبنانية لا تزال أسيرة حسابات الماضي وتتعامل مع المتغيرات الإقليمية بأدوات لم تعد قادرة على التعامل مع التحديات الجديدة.

وشدد على أن استقرار لبنان يمثل أولوية إستراتيجية بالنسبة لسوريا، نظراً للترابط الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي بين البلدين، مؤكداً أن دمشق تمتلك أدوات عديدة للتأثير الإيجابي في المشهد اللبناني، لكن نجاح أي مبادرة يبقى رهناً بوجود توافق لبناني داخلي.

كما أوضح أن سوريا تسعى إلى فتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي مع لبنان، عبر مشاريع الربط التجاري والنقل والطاقة وإعادة الإعمار، بدلاً من العودة إلى المقاربات العسكرية التي طبعت العلاقة بين البلدين خلال عقود سابقة.

وأشار إلى أن دمشق تعمل على تعزيز موقعها بوصفها عقدة ربط إستراتيجية بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقعها الجغرافي وسواحلها على البحر المتوسط، في ظل التحولات التي تشهدها طرق التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.

وأكد أن الدور السوري في المرحلة المقبلة سيظل موجهاً نحو تحقيق الاستقرار وتعزيز التنمية والتكامل الاقتصادي في المنطقة.

من القطيعة إلى التواصل

وتكتسب تصريحات الشرع أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة العلاقة السابقة بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

فخلال سنوات الحرب السورية، كانت واشنطن تنظر إلى الفصائل التي انبثقت عنها القيادة السورية الحالية بوصفها جزءاً من الجماعات المتشددة، وكانت الولايات المتحدة تفرض عقوبات واسعة على سوريا وتدعم سياسة عزل النظام السابق.

لكن المشهد بدأ يتغير تدريجياً بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024؛ حيث تبنت الإدارة الأميركية مقاربة أكثر براغماتية تجاه السلطة الجديدة في دمشق، خاصة مع إبداء القيادة السورية استعداداً للتعاون في ملفات مكافحة الإرهاب وضبط الحدود والاستقرار الإقليمي.

وشهدت الأشهر الماضية سلسلة اتصالات غير معلنة بين مسؤولين أميركيين وسوريين، تركزت حول ملفات العقوبات وإعادة الإعمار والاستقرار الإقليمي، قبل أن تتطور لاحقاً إلى قنوات اتصال مباشرة مع البيت الأبيض.

ويرى مراقبون أن تصريحات الشرع الأخيرة تمثل أول اعتراف علني بهذا المستوى من التواصل السياسي بين دمشق وواشنطن منذ عقود، كما تعكس رغبة سورية واضحة في تقديم نفسها شريكاً محتملاً للولايات المتحدة في ملفات المنطقة، وفي مقدمتها الملف اللبناني.

محاولة لكسر العزلة

وتأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه الرئاسة السورية الجديدة إلى إنهاء عزلة استمرت سنوات طويلة، والتخفيف من آثار العقوبات الاقتصادية، وإعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي.

كما تتزامن مع جهود تبذلها دمشق لإعادة تعريف موقعها في التوازنات الإقليمية، بعيداً عن الاصطفافات التقليدية التي حكمت سياستها الخارجية خلال العقود الماضية.

ويرى مراقبون أن انفتاح الشرع على إدارة ترامب، بالتوازي مع استعداده للحوار مع حزب الله، يعكس محاولة سورية للتموضع كوسيط إقليمي قادر على التواصل مع جميع الأطراف، بدلاً من البقاء ضمن محور سياسي واحد.

وفي المقابل، أثارت هذه التصريحات تفاعلات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عدها مؤيدو الشرع دليلاً على "البراغماتية السياسية" ونجاح القيادة السورية الجديدة في الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الدبلوماسية.

في حين رأى منتقدون أن الانفتاح على واشنطن والحوار مع حزب الله في الوقت نفسه يعكس تناقضاً في الخطاب السياسي، وذهب بعضهم إلى وصف الخطوة بأنها محاولة لاسترضاء الولايات المتحدة والحصول على اعتراف دولي أوسع.

ومع ذلك، يتفق كثير من المراقبين على أن تصريحات الشرع تمثل مؤشراً واضحاً على أن سوريا الجديدة تحاول إعادة صياغة دورها الإقليمي، وأن الملف اللبناني قد يكون البوابة التي تسعى دمشق من خلالها إلى العودة كلاعب أساسي في ترتيبات الشرق الأوسط المقبلة.

هل يمكن إضافة فقرة عن الدور السوري في لبنان إبان حقبة بشار ووالده حافظ الأسد

نعم، إضافة فقرة تاريخية عن الدور السوري في لبنان خلال عهدَي حافظ وبشار الأسد ستمنح المادة عمقاً أكبر؛ لأنها تفسر حساسية تصريحات الشرع حول لبنان، ولماذا تُقابل أي إشارة إلى دور سوري هناك بقدر كبير من الجدل والترقب.

يمكن إدراج الفقرة بعد الحديث عن "استقرار لبنان يمثل أولوية لسوريا"، وقبل فقرة "من القطيعة إلى التواصل":

إرث ثقيل في الذاكرة اللبنانية

وتحمل أي عودة للحديث عن دور سوري في لبنان أبعاداً تاريخية معقدة، نظراً للإرث الذي خلفته عقود من الحضور السوري المباشر في الشأن اللبناني.

فقد دخل الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 خلال الحرب الأهلية اللبنانية بغطاء عربي ضمن ما عُرف حينها بـ"قوات الردع العربية"، قبل أن يتحول الوجود السوري تدريجياً إلى نفوذ سياسي وأمني وعسكري واسع استمر قرابة ثلاثة عقود.

وخلال عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، أصبحت دمشق اللاعب الأكثر تأثيراً في المعادلة اللبنانية؛ حيث امتلكت قدرة كبيرة على التأثير في تشكيل الحكومات، وإدارة التوازنات بين القوى السياسية والطائفية، فضلاً عن دورها في الملفات الأمنية والعسكرية.

وبعد اتفاق الطائف عام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، تعزز النفوذ السوري أكثر، إذ مُنحت دمشق دوراً أساسياً في الإشراف على تنفيذ الاتفاق وإعادة ترتيب المؤسسات اللبنانية، ما جعلها المرجعية الإقليمية الأبرز في بيروت طوال التسعينيات.

ومع تولي بشار الأسد الحكم عام 2000، استمر النفوذ السوري في لبنان، لكنه واجه تحديات متزايدة، بلغت ذروتها بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005، حين تعرضت دمشق لضغوط دولية وشعبية واسعة انتهت بانسحاب الجيش السوري من لبنان في أبريل/نيسان من العام نفسه، منهياً وجوداً عسكرياً استمر نحو 29 عاماً.

ورغم الانسحاب العسكري، بقيت العلاقات السورية اللبنانية محكومة بدرجات متفاوتة من التأثير السياسي والأمني، قبل أن تؤدي الحرب السورية التي اندلعت عام 2011 إلى دخول العلاقة بين البلدين مرحلة جديدة اتسمت بالتوتر والانقسام، خصوصاً مع مشاركة حزب الله إلى جانب النظام السوري السابق في الحرب.

ولذلك، ينظر كثير من اللبنانيين إلى أي حديث عن دور سوري جديد في لبنان من زاويتين متناقضتين؛ فبينما يرى البعض أن دمشق تمتلك بحكم الجغرافيا والتاريخ أدوات تساعدها على المساهمة في استقرار لبنان، يخشى آخرون من أن يؤدي أي انخراط سوري متجدد إلى إعادة إنتاج أنماط النفوذ التي طبعت العلاقة بين البلدين خلال العقود الماضية.

خطوة دبلوماسية

ووصف المؤيدون لتصريحات الشرع عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #أحمد_الشرع، #دونالد_ترامب، #حزب_الله، وغيرها، تصريحات الرئيس السوري بالحكيمة والناضجة والمسؤولة.

وأشادوا بتركيز الشرع على الحلول السياسية والسلام والعلاقات الإيجابية مع لبنان (مع الاعتراف بالجراح التاريخية من الطرفين)، ورفض التدخل العسكري، وأولوية الإعمار والاستقرار لسوريا، عادين تصريحاته تحولاً إيجابياً يعكس قيادة عقلانية ومتزنة.

وأكد ناشطون أن تصريحات الشرع خطوة دبلوماسية حكيمة تحمي سوريا من مستنقع حرب أهلية جديدة، وتُفشل مخططات رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وترامب لتغيير المنطقة.

رفض الإملاءات

ورأى ناشطون في تصريحات الشرع دليلاً قوياً على استقلالية القرار السوري، وتمسك دمشق بالسيادة الوطنية، وقدرة سوريا الجديدة على رفض الإملاءات الخارجية واتخاذ قراراتها بما يخدم مصالحها الوطنية دون التورط في حروب إقليمية، وتغليب الحوار عن التدخل العسكري.

كما رأوا أن تصريحات الرئيس السوري تحول نوعي يعكس سيادة حقيقية للدولة السورية بعد سنوات من التدخلات الخارجية والمليشيات، حيث أكد رفضه أي دور عسكري في لبنان ودعمه للحلول الدبلوماسية والاقتصادية.

وأكد ناشطون أن ذلك "موقف رجل دولة" يضع مصلحة سوريا والاستقرار أولاً، ويؤكد أن القرار السوري مستقل تماماً عن الضغوط أو التصريحات الأمريكية، مما يعزز صورة سوريا كدولة قادرة على بناء علاقات إيجابية دون أن تكون أداة في أجندات خارجية. 

رسائل الشرع

ورصد باحثون وناشطون عدة رسائل رئيسة أراد الشرع إيصالها من خلال تصريحاته، أبرزها: تأكيد السيادة الكاملة للقرار السوري بأن الحرب إن أريدت تُعلن بلسان دمشق لا بلسان ترامب، ورفض تحويل سوريا إلى مليشيا تابعة أو أداة في أجندات خارجية والتوجه نحو خيارات اقتصادية وبنائية بدلاً من العسكرية.

وأشاروا إلى حرص الشرع على الاستقرار الإقليمي وتوجيه رسالة مباشرة للبيئة الشيعية في لبنان بمراجعة الماضي دون توريط سوريا في حروب جديدة، بالإضافة إلى إبراز صورة سوريا الجديدة كدولة مسؤولة قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة تعكس حكمة رجل دولة.