المليارات المنهوبة والوعود المتكررة في العراق.. هل يختلف الزيدي عن أسلافه؟

الزيدي أطاح بعدد من الفاسدين خلال الشهر الأول من توليه السلطة
منذ تشكيل حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، أعلنت السلطات تباعاً اعتقال عدد من الشخصيات النافذة في الدولة بتهم تتعلق بالفساد المالي، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة ومتجددة حول مدى جدية السلطة في ملاحقة "الرؤوس الكبيرة" المتهمة بنهب المال العام، وإنهاء منظومة الفساد التي ترسخت في مؤسسات الدولة منذ عام 2003.
واستهل الزيدي ولايته بإعلان تشكيل "المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام"، في خطوة قدمت بوصفها عنواناً لمرحلة جديدة من مكافحة الفساد.
غير أن هذا الشعار سبق أن رفعته حكومات متعاقبة دون أن ينجح في إحداث تحول جوهري، في ظلّ استمرار النظام السياسي القائم على المحاصصة وتقاسم النفوذ والامتيازات، حتى وإن تبدلت بعض الوجوه والأسماء بفعل الزمن والتغيرات السياسية.

تحركات سرية
رغم أن الحملة الجديدة على الفساد انطلقت إلى العلن بإقالة وكيل وزير النفط عدنان الجميلي، عقب اتهامه بمحاولة تقديم رشوة للزيدي قُدرت بنحو 200 مليون دولار، فإن تحركات أخرى تجرى بعيداً عن الأضواء، تستهدف نحو 50 شخصية تُصنف في الأوساط السياسية والرقابية ضمن ما يُعرف بـ"حيتان الفساد".
وكشفت صحيفة "المدى" العراقية، في 11 يونيو/حزيران 2026، عن وجود "حملة واسعة لمكافحة الفساد قد تفضي إلى استعادة أموال توصف بأنها الأكبر منذ عام 2003"، مشيرة إلى إعداد قائمة ضمن إطار عمل المجلس الأعلى للنزاهة والرقابة تضم شخصيات يُشتبه بتورطها في ملفات فساد كبرى.
وبحسب الصحيفة، فإن القائمة تشمل قرابة 50 شخصية من نواب ووزراء ومسؤولين سابقين وحاليين، يقيم بعضهم خارج العراق، فيما يدير آخرون مشاريع استثمارية كبرى في بغداد والمحافظات، تمتد إلى قطاعات الإسكان والمستشفيات والترفيه والنفط والبنية التحتية.
وتشير التسريبات إلى أن حجم الأموال المنهوبة يتراوح بين 150 و250 مليار دولار، فيما تذهب بعض التقديرات إلى أنها قد تصل إلى 350 مليار دولار، يُعتقد أن جزءاً منها استُخدم في تمويل فصائل مسلحة وجهات سياسية نافذة.
وأكد التقرير أن القسم الأكبر من تلك الأموال موجود خارج العراق، وأن خطط الاسترداد لا تقتصر على الأموال السائلة، بل تشمل أصولاً وعقارات وأراضي ومجمعات سكنية وسيارات نادرة ومجوهرات ثمينة.
لكن الصحيفة نقلت عن عضو سابق في اللجنة المالية البرلمانية، لم تسمّه، تشكيكه في هذه الأرقام، مقدرا أنها "مبالغ فيها" وتهدف إلى تعزيز صورة الحكومة الجديدة، مرجحاً أن لا تتجاوز الأموال القابلة للاسترداد، في أفضل السيناريوهات، 50 مليار دولار.
ومنذ تولي علي الزيدي رئاسة الحكومة في 14 مايو/أيار الماضي، نالت الإجراءات المرتبطة بملفات الفساد أربع شخصيات على الأقل، بينهم نائبان أحدهما حالي والآخر سابق.
وتشير تقديرات أوردتها الصحيفة إلى أن الأموال المكتشفة حتى الآن تتجاوز 20 تريليون دينار عراقي (نحو 13.3 مليار دولار)، وذلك في ملف يتعلق بمدير الشركة العامة لموانئ العراق السابق فرحان الفرطوسي، الذي أُعفي من منصبه مطلع يونيو/حزيران الجاري.
ونقلت الصحيفة عن جهات رقابية، لم تسمها، أن جزءاً من تلك الأموال استُخدم في تمويل جهات سياسية وإطلاق مشاريع استثمارية خارج العراق، فضلاً عن الاستحواذ على مساحات واسعة من العقارات داخل العاصمة بغداد.
وفي ملف آخر، أُوقف وكيل وزير النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، بعدما أعلنت الجهات القضائية ضبط نحو 10 ملايين دولار بحوزته، إضافة إلى 40 عقاراً ومصوغات ذهبية وأسلحة خفيفة ومتوسطة ومبالغ مالية كبيرة بالدينار العراقي.
وفي السياق ذاته، طلبت محكمة النزاهة العراقية، في 7 يونيو/حزيران، من البرلمان رفع الحصانة عن النائب الحالي حسنين الخفاجي، على خلفية اتهامات تتعلق بالابتزاز واستغلال النفوذ مقابل الحصول على مبالغ مالية.
كما أصدرت محكمة بداءة الكرخ حكماً بإلزام النائب السابق جمال الكربولي بدفع 4.5 ملايين دولار لصالح رئيس جمعية الهلال الأحمر العراقي، بعد إدانته بتحويل منحة مخصصة لإنشاء مستشفى سعودي إلى منفعة شخصية، وفق وثائق قضائية.
وفي تطور لاحق، أعلن النائب علاء الحيدري، في 10 يونيو/حزيران، توجيه كتاب رسمي إلى رئيس الوزراء علي الزيدي، يتضمن ما وصفه بـ"مخالفات جسيمة وهدر للمال العام" داخل إحدى الشركات النفطية، يقف وراءها. بحسب تعبيره "حوت نفطي جديد".
وأشار الحيدري، في تصريحات تلفزيونية، إلى أن هذا الملف ليس وليد اللحظة، بل سبق طرحه على حكومة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، من دون أن تُتخذ بشأنه إجراءات حاسمة أو تُفتح تحقيقات جدية.

معايشة الفساد
وفي تقييمه للإجراءات التي بدأت بها حكومة علي الزيدي ومدى قدرتها على الوصول إلى الرؤوس الكبيرة المتهمة بالفساد، قال الباحث في الشأن العراقي نذير محمد إن "الفساد في العراق لم يعد ظاهرة طارئة، بل أصبح جزءاً متشابكا مع بنية السلطة نفسها، خصوصاً أن كثيراً من المناصب العليا تُشترى بأموال جُمعت أو سُرقت بطرق مختلفة".
وأوضح محمد لـ"الاستقلال" أن "اتهامات عديدة صدرت عن نواب وسياسيين تفيد بأن منصب رئيس البرلمان جرى شراؤه مقابل نحو 30 مليون دولار عام 2018، وهي اتهامات وثقتها تصريحات عدد من أعضاء المجلس، فضلاً عن وجود ما يشبه التسعيرة المعروفة للمناصب الوزارية وما دونها".
وأشار إلى أن "شخصية مثل جمال الكربولي، المتهم بالاستيلاء على 4.5 ملايين دولار، لا تزال تتحرك بحرية داخل العراق، وترتبط بعلاقات مع مختلف زعامات العملية السياسية ورؤساء الحكومات المتعاقبين، شأنه شأن شخصيات أخرى نشأت وترسخت بفعل القوى السياسية المهيمنة على المشهد العراقي منذ عام 2003".
واستبعد الباحث أن تنال حملة مكافحة الفساد شخصيات نافذة تقف خلف وصول رئيس الوزراء الحالي إلى السلطة، مشيراً إلى أن أسماء بارزة، من بينها رؤساء حكومات سابقون مثل نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، تحوم حولها شبهات تتعلق بملفات فساد تقدر بمليارات الدولارات، من دون أن تواجه مساءلة حقيقية حتى الآن.
ولفت إلى أن "المعيار الحقيقي للحكم على نجاح حكومة الزيدي خلال أشهرها الأولى يتمثل في قدرتها على اعتقال كبار الفاسدين ومحاسبتهم، إلى جانب حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك نفوذ الفصائل المسلحة".
وأضاف أن "كل حكومة جديدة تحرص على تقديم نموذج أو أكثر في ملف مكافحة الفساد، كما حدث في عهد مصطفى الكاظمي عندما جرى اعتقال نور زهير، المتهم الرئيس في قضية (سرقة القرن)، ثم في حكومة محمد شياع السوداني التي اعتقلت النائب السابق هيثم الجبوري على خلفية القضية نفسها، لكنها أفرجت لاحقاً عن زهير، ما أثار تساؤلات واسعة بشأن جدية المعالجة".
وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول 2022، كشف وزير المالية في حكومة الكاظمي، إحسان عبد الجبار، عن سرقة نحو 2.5 مليار دولار خلال 11 شهراً، بدءاً من سبتمبر/أيلول 2021، من حساب الأمانات التابع للهيئة العامة للضرائب، عبر تعاون خمس شركات مع مسؤولين متورطين في إدارة الأموال المودعة.
ولا يمكن قراءة قضية "سرقة القرن" بمعزل عن المشهد الأوسع للفساد في العراق؛ إذ تشير تقديرات مختلفة إلى أن البلاد خسرت منذ عام 2003 ما بين 700 مليار دولار وتريليون دولار نتيجة الفساد وسوء الإدارة.
ولا تقتصر هذه الخسائر على السرقات المباشرة، بل تشمل أيضاً صفقات تسليح مشبوهة، ومشاريع وهمية، وعمليات تهريب نفط، وعمولات حصلت عليها جهات متنفذة، فضلاً عن ملفات فساد طالت البطاقة التموينية، وأجهزة كشف المتفجرات التي أثبتت فشلها، وعقود استيراد السلاح، وغيرها من الملفات التي استنزفت المال العام على مدى عقدين.
كما أن تصدر العراق مراتب متأخرة في مؤشرات الشفافية الدولية طوال السنوات الماضية لم يكن أمراً عابراً، بل يعكس تحوّل الفساد إلى جزء من هيكل النظام السياسي والإداري. فالمؤسسات والجهات المكلفة بمكافحته كانت، في كثير من الأحيان، متهمة بالتورط فيه أو التستر على مرتكبيه، الأمر الذي جعل شعار "مكافحة الفساد" يُستخدم مراراً كأداة للابتزاز السياسي وتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة، أكثر من كونه مشروعاً حقيقياً للإصلاح واسترداد الأموال المنهوبة.

تجربة مكررة
من جهته، رأى المحلل السياسي العراقي يحيى الكبيسي أن ما يجرى اليوم لا يختلف كثيراً عن تجارب الحكومات السابقة التي رفعت شعار مكافحة الفساد من دون أن تنجح في تفكيك منظومته.
وقال في منشور على "فيسبوك" بتاريخ 30 مايو/أيار 2026: "في مايو/أيار 2007 شكّل نوري المالكي المجلس الاستشاري لمكافحة الفساد، فأصبح الفساد عنوانا للدولة العراقية".
وأضاف أن حيدر العبادي شكّل مطلع عام 2016 "المجلس الأعلى لمكافحة الفساد"، لكن الفساد بقي على حاله، فيما أسس عادل عبد المهدي أواخر عام 2018 مجلساً يحمل الاسم ذاته تقريباً، من دون أن ينعكس ذلك على حجم الظاهرة أو نفوذ المتورطين فيها.
وتابع الكبيسي: "في عام 2020 شكّل مصطفى الكاظمي اللجنة العليا للتحقيق في قضايا الفساد الكبرى والجرائم الجنائية، فغمرنا فيضان الفساد، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2022 أسس محمد شياع السوداني الهيئة العليا لمكافحة الفساد، فغرقنا أكثر في الفساد".
وأشار إلى أن رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي أعلن في 30 مايو/أيار 2026 تأسيس "المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام". معلقاً بالقول: "وعلينا بكل سذاجة أن نصدق أنها ستكافح الفساد"، مقدرا أن الفساد في العراق "فساد بنيوي" يشكل جزءاً أصيلاً من النظام السياسي والدولة معاً.
وخلص الكبيسي إلى أن الحديث عن القضاء على هذا النوع من الفساد، من دون تغيير جذري في بنية النظام وآليات عمله، لا يعدو كونه "خرافة يجرى تسويقها للرأي العام".
وفي السياق نفسه، رأى الكاتب العراقي عزيز الدفاعي أن العراقيين اعتادوا خلال السنوات الماضية على سماع الوعود ذاتها بأسماء وعناوين مختلفة، بينما ظل الفساد أحد أخطر التحديات التي تواجه الدولة.
وقال الدفاعي في تدوينة نشرها على "فيسبوك" في 31 مايو/أيار 2026 بعنوان "بانتظار معجزة لقلع باب الفساد": إن هذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها رئيس وزراء عراقي، فور تسلمه السلطة، تشكيل مجلس أو لجنة عليا لمكافحة الفساد أو تكليف شخصيات وقضاة جدد بإدارة هذا الملف.
وأضاف أن العراقيين ما زالوا يتذكرون مشهد رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي وهو يخاطب شقيقه عماد أمام الكاميرات محذراً من استغلال اسمه للحصول على امتيازات، كما يتذكرون تصريحات محمد شياع السوداني المتكررة بشأن ملاحقة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة، إلى جانب التعهدات المرتبطة بقضية "سرقة القرن" واسترجاع الأموال التي استولى عليها المتهم الرئيس نور زهير.
وتساءل الدفاعي: “ما حجم النتائج التي تحققت فعلياً مقارنة بحجم الوعود التي أُطلقت؟ وهل تكمن المشكلة في الأشخاص الذين يتولون إدارة ملف مكافحة الفساد، أم في طبيعة المنظومة التي يعملون داخلها؟”
ورأى أن شريحة واسعة من العراقيين باتت تنظر إلى الفساد بصفته شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية المتداخلة، لا مجرد حالات فردية معزولة، مؤكداً أن تغيير أسماء الهيئات واللجان أو استحداث مؤسسات جديدة لن يغيّر الواقع ما دامت البنية التي تنتج الفساد وتوفر له الحماية ما تزال قائمة.
وشدد على أن نجاح أي مشروع حقيقي لمكافحة الفساد لا يرتبط بإنشاء هيئة جديدة أو استبدال أخرى، بل يتطلب شروطاً أساسية، في مقدمتها وجود قضاء مستقل قادر على محاسبة الجميع دون استثناء، وأجهزة رقابية فعالة تمتلك الصلاحيات والإمكانات اللازمة لأداء دورها.
كما يتطلب الأمر، بحسب الدفاعي، "شفافية حقيقية في العقود والإنفاق العام، وحماية قانونية للمبلغين والصحفيين والجهات الرقابية، فضلاً عن إرادة سياسية مستمرة لا تخضع للحسابات الحزبية أو الضغوط الظرفية".
ورغم كثافة الإجراءات المعلنة في هذا المجال، فإن الأرقام الرسمية تعكس اتساع حجم الظاهرة أكثر مما تعكس نجاحاً حاسماً في احتوائها.
ففي تقريرها السنوي الصادر في أبريل/نيسان 2026، أعلنت هيئة النزاهة العراقية أنها أصدرت خلال عام 2025 نحو 14 ألفاً و645 أمر استقدام، و3461 أمر قبض، و1950 أمر توقيف، إضافة إلى 215 قرار منع سفر، ونفذت 1555 عملية ضبط أسفرت عن اعتقال 671 متهماً.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن كثرة أوامر القبض والاستقدام لا تعني بالضرورة نجاح الحرب على الفساد، بقدر ما تكشف حجم التشابكات التي تراكمت داخل مؤسسات الدولة طوال أكثر من عقدين، وهو ما يجعل السؤال مطروحاً من جديد: هل تمثل حملة علي الزيدي بداية مسار مختلف، أم أنها حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الوعود التي اصطدمت في النهاية بجدار الفساد البنيوي؟
المصادر
- موسم صيد "حيتان الفساد": 50 اسماً و350 مليار دولار!
- القضاء يطلب رفع الحصانة عن النائب "حسنين قاسم محمد الخفاجي" بتهمة الابتزاز (وثيقة)
- الفساد الذي عجزت عنه مجالس عليا لخمس حكومات.. هل يفلح المجلس السادس في تخفيفه؟
- سرقة القرن.. ثقب أسود يبتلع 6 مليارات دولار والعدّاد لا يتوقف
- الجميع متورط.. فاينانشال تايمز: "سرقة القرن" ستُنسى وسط فساد العراق
- مختصون: المجلس السيادي الأعلى يعزز الرقابة على المؤسسات الحكومية ويحدّ من هدر الأموال
- مكتب السوداني يعلن استرداد أكثر من 300 مليار دينار من أموال "سرقة القرن"
















