تنافس إستراتيجي.. ما الذي يغضب الاتحاد الأوروبي من تنامي الصناعات الصينية في المغرب؟

عالي عبداتي | منذ ٧ ساعات

12

طباعة

مشاركة

قلق أوروبي متزايد من استثمارات صينية بمليارات الدولارات في المغرب، وسط مخاوف من تحوله إلى بوابة لتدفق سلع مدعومة تهدد الصناعة الأوروبية.

جاء هذا التخوف الأوروبي في تحليل نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية في 31 مايو/آيار 2026، مؤكدة فيه أن بروكسل تُعزز بالفعل دفاعاتها التجارية ضد الصين ومن يُزعم أنهم وكلاء تجاريون لها.

ففي عام 2025 قضت المفوضية الأوروبية بأن عجلات الألمنيوم المُصدّرة من المغرب "مدعومة بشكل غير عادل" من قِبل الرباط وبكين، عبر برنامج مبادرة “الحزام والطريق” للاستثمار في البنية التحتية.

وقال مسؤولون في الاتحاد الأوروبي إنه قد يكون من الصعب التمييز بين التعاون الصناعي الصيني الحقيقي مع المغرب، ومحاولات التحايل على تعريفات الاستيراد التي يفرضها الاتحاد الأوروبي.

عامل جذب

وتشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الصين تدعم صناعة السيارات الكهربائية بمعدل يتراوح بين ثلاثة وثمانية أضعاف ما تدعمه الدول الأعضاء، وغالبا ما تستخدم قروضا ميسرة يصعب رصدها واتخاذ إجراءات ضدها.

ومع ذلك، تُردف الصحيفة، أن الشركات الصينية تؤكد أن المغرب يُعدّ مركزا رئيسا في سلاسل توريد السيارات الأوروبية، وفي الوقت نفسه، تمتلك كل من رينو وستيلانتس، المالكة لعلامة بيجو، مصانع رئيسة في المغرب، مما يُعقّد أي إجراءات لحماية التجارة.

في هذا السياق، قال جونجي كاي، مدير مشاريع في شركة APG الصينية لتصنيع المكابح، والتي ستفتتح منشأة بقيمة 70 مليون دولار في منطقة "طنجة تك" عام 2026، إن المصنع سيجمع بين العمالة والمواد المحلية مع الإمدادات والتكنولوجيا الصينية.

وأضاف: "يمكن للشركات الأوروبية والمغربية والصينية أن تستفيد جميعها من هذا التعاون، كما أنه يوفر الإمدادات قرب مصانعها في أوروبا بأسعار تنافسية".

وتشمل الاستثمارات الصينية في أجزاء أخرى من المغرب مصنعا ضخما بقيمة 1.3 مليار دولار لشركة تصنيع البطاريات الصينية "جوتيون هاي-تك" -المملوكة بنسبة 25 بالمئة لشركة صناعة السيارات الألمانية “فولكس فاجن”- والذي يتم بناؤه في مدينة القنيطرة، على بعد 200 كيلومتر أسفل ساحل المحيط الأطلسي من مدينة طنجة.

ويُعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للمغرب، إذ يستحوذ على ثلث صادراته التي بلغت قيمتها أكثر من 26 مليار يورو عام 2025، مما يعني أن الرباط لا يمكن أن تتجاهل مخاوف بروكسل.

وتشمل مزايا المغرب للمستثمرين الأجانب إعفاء لمدة خمس سنوات من ضرائب الأعمال، وقوى عاملة شابة، ومدخلات طاقة خضراء للمساعدة في تقليل التزامات ضريبة الكربون في الاتحاد الأوروبي، والوصول إلى 2.5 مليار مستهلك من خلال حوالي 50 اتفاقية تجارة حرة وطنية بما في ذلك مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وتعد اتفاقيات التجارة المعفاة من الرسوم الجمركية عامل جذب رئيسا للشركات الصينية، وفقا لشركة الاستشارات فيتش سوليوشنز، التي أشارت في تقرير صدر عام 2026 إلى أن "نقل الإنتاج إلى مناطق قريبة" كان يُنظر إليه كوسيلة للتخفيف من مخاطر الرسوم الجمركية.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، قال وزير التجارة المغربي رياض مزوري: إن البلاد تتوقع أن يكون لديها "سلسلة قيمة كاملة" قادرة على خدمة ما يصل إلى 500 ألف سيارة كهربائية سنويا بحلول نهاية عام 2026.

ويرفض المسؤولون المغاربة التلميحات بأن مناطقهم الاقتصادية الخاصة ستصبح بمثابة باب خلفي للاتحاد الأوروبي للإنتاج الصيني الفائض، وبالتالي ستؤدي إلى تفاقم أزمة تراجع التصنيع في مراكز التصنيع الكبرى مثل ألمانيا.

ويحظى المغرب بأهمية خاصة لدى الشركات الصينية بصفته الدولة الإفريقية الوحيدة التي ترتبط باتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة، مما يمنحه موقعا خاصا داخل سلاسل التوريد العالمية.

التفاعل الصيني

في ظل هذا النقاش، نقل موقع “تشوسون” الصيني في تحليل نشره مطلع يونيو 2026، أن الاتحاد الأوروبي سعى لمنع السيارات الصينية من غزو السوق الأوروبية عبر فرض تعريفات جمركية مرتفعة، الأمر الذي يُمثل معضلة لبكين.

وأضاف الموقع، "استنادا إلى نتائج تحقيقه في دعم الحكومة الصينية لصناعة السيارات الكهربائية، يفرض الاتحاد الأوروبي تعريفات جمركية تصل إلى 45 بالمئة على السيارات الكهربائية المصنعة في الصين".

ومع ذلك، يردف المصدر ذاته، "إذا اعتُرف بأن المنتجات المصنعة من قبل الشركات الصينية مغربية المنشأ، فيمكنها دخول سوق الاتحاد الأوروبي معفاة من الرسوم الجمركية".

واستدرك، "حتى لو استخدمت الشركات الصينية المغرب كقاعدة تصدير للتهرب من الرسوم الجمركية، فليس من السهل تنظيم ذلك".

وتابع الموقع: "من المتوقع أن يكون الاعتراف بالمغرب كمصدر يُعامل معاملة المنتجات الأوروبية بموجب قانون تسريع الصناعة (IAA) الذي يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز القدرة التنافسية للصناعات التحويلية الأوروبية، اختبارا هاما في المستقبل".

في السياق، نقل الموقع تأكيد رئيس قسم التجارة الدولية في معهد السياسة العالمية بلندن، بوب سافيتش، أنه تم نقل السلع الوسيطة الصينية إلى شمال إفريقيا؛ حيث تخضع لمعالجة محدودة، ثم يتم تصديرها إلى الاتحاد الأوروبي بموجب اتفاقيات تجارية تفضيلية.

وشدد على أنه مع تقاطع إستراتيجية الاتحاد الأوروبي "لتقليل المخاطر" للحد من الاعتماد على الصين مع إستراتيجية الصين "لنقل الإنتاج إلى الخارج" في هذه المنطقة، يمكن أن تبرز شمال إفريقيا كساحة أكثر ضراوة للمنافسة الاقتصادية.

غضب أوروبي

المخاوف الأوروبية من الاستثمار الصيني في المغرب أكده نائب رئيس المفوضية الأوروبية التنفيذي ستيفان سيجورنيه، والذي أعلن عن تحذير غير مسبوق من أن أوروبا تواجه تحديا وجوديا قد يهدد ملايين الوظائف ويقوض وحدة السوق الأوروبية إذا لم تتحرك بروكسل بسرعة أكبر.

وقال موقع "لو موند" الفرنسي في 28 مايو 2026: إن سيجورنيه رسم صورة قاتمة عن مسار العلاقات التجارية مع الصين، مشددا على أن "بكين تحقق فائضا تجاريا مع الاتحاد الأوروبي يبلغ نحو مليار يورو يوميا، وهو رقم يعكس حجم الاختلال القائم بين أكبر كتلتين اقتصاديتين في العالم".

ووفقا للمسؤول الأوروبي، فإن استمرار هذا الاتجاه يعني أن العجز التجاري الأوروبي مع الصين قد يرتفع إلى نحو 500 مليار يورو بحلول عام 2027.

ولا ينظر الأوروبيون إلى هذه الأرقام بوصفها مجرد مؤشرات اقتصادية، بل بوصفها انعكاسا مباشرا لتراجع القدرة الإنتاجية المحلية وانتقال أجزاء متزايدة من النشاط الصناعي إلى الخارج.

وحذر سيجورنيه من أن نحو 29 مليون وظيفة أوروبية أصبحت معرضة للخطر على المدى القصير نتيجة هذه التحولات.

وبحسبه، فإن نحو 99 بالمئة من الشركات الصينية المدرجة والعاملة في أوروبا حصلت على أشكال مختلفة من الدعم الحكومي، فيما يعمل ربع هذه الشركات بخسائر داخل السوق الأوروبية.

كما تشير التقديرات الأوروبية إلى أن الصين تخصص ما يعادل 4 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي لدعم الأنشطة الاقتصادية والشركات الصناعية، وهو مستوى يفوق بكثير ما هو معمول به في الاقتصادات الأوروبية. 

وترى بروكسل أن هذه السياسة تسمح للشركات الصينية بخفض الأسعار إلى مستويات يصعب على المنافسين الأوروبيين مجاراتها، وهو ما يؤدي في النهاية إلى فقدان الحصص السوقية وإغلاق المصانع المحلية.

قراءة سياسية

في قراءته لهذه التفاعلات، يرى الباحث في السياسات العامة والتحليل الإستراتيجي، هشام معتضد، أن ما تقوم به بكين اليوم داخل المملكة المغربية يندرج ضمن إعادة هندسة واسعة لسلاسل الإمداد العالمية.

وأوضح معتضد لـ"الاستقلال" أن هذا التوجه فرضته التحولات الجيو-سياسية المتسارعة، من الحرب التجارية مع الولايات المتحدة إلى هشاشة سلاسل الإنتاج بعد جائحة كورونا والتوترات في الممرات البحرية.

وذكر  أن الصين لم تعد تبحث فقط عن أسواق لتصريف منتجاتها، بل عن منصات إنتاج مستقرة وقريبة من مراكز الاستهلاك الكبرى، وهنا تحديدا يبرز المغرب كأحد أكثر المواقع الجيو-اقتصادية جاذبية في جنوب المتوسط.

وأضاف: "حين نستحضر الاهتمام الصيني المتزايد بقطاعات مثل بطاريات السيارات الكهربائية، والصناعة المرتبطة بالطاقة النظيفة، فإننا لا نتحدث عن استثمارات معزولة، بل عن رهان إستراتيجي على المستقبل الصناعي العالمي".

وأبرز الباحث المغربي أن "بكين تدرك أن المنافسة الكبرى خلال العقود المقبلة لن تكون فقط على النفط أو الغاز، بل على من يتحكم في سلسلة القيمة الخاصة بالتحول الطاقي: الليثيوم، الكوبالت، البطاريات، السيارات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر".

وذكر معتضد أن المغرب، بما يمتلكه من موقع جغرافي قريب من أوروبا، واتفاقيات تجارة حرة، وبنية لوجستية متقدمة، ومؤهلات صناعية متنامية، يتحول بالنسبة للصين إلى ما يشبه "منصة تصنيع متقدمة" تسمح بالولوج إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية بأقل تكلفة جيو-سياسية ممكنة.

وشدد على أن "ما يميز المقاربة المغربية هو أنها لا تتعامل مع الصين بمنطق الارتهان أو الاستبدال، بل بمنطق تنويع الشركاء وتعظيم هامش الاستقلالية الإستراتيجية".

وأوضح أن المغرب ظل خلال العقدين الأخيرين حريصا على الحفاظ على علاقاته المتقدمة مع أوروبا والولايات المتحدة، سواء أمنيا أو اقتصاديا، وفي الوقت نفسه انفتح بقوة على قوى صاعدة مثل الصين والهند ودول الخليج.

ورأى أن هذه ليست براغماتية ظرفية، بل فلسفة دبلوماسية تقوم على إدراك عميق لتحولات النظام الدولي؛ حيث لم يعد ممكنا لدولة متوسطة الحجم أن تراهن على شريك واحد في عالم متعدد مراكز القوى.

سياسيا، أوضح معتضد أن "الرباط نجحت حتى الآن في إدارة معادلة دقيقة للغاية وهي الحفاظ على صفة (الشريك المتقدم) مع الاتحاد الأوروبي، مع الانخراط في مبادرة (الحزام والطريق) الصينية دون إثارة توتر بنيوي مع الغرب".

ورأى أن هذا يعود إلى أن المغرب يقدم نفسه كشريك موثوق للمنظومة الغربية أمنيا وإستراتيجيا، لكنه في الآن ذاته يرفض الانغلاق الاقتصادي أو الدخول في منطق الاستقطاب الصفري.

وشدد الباحث في السياسيات العامة على أن "الرهان الحقيقي للمغرب لا يكمن فقط في النجاح في التوازن بين الشركاء، بل في تحويل هذا التوازن نفسه إلى مصدر قوة سيادية".

وخلص معتضد إلى أن “العالم القادم لن يكافئ الدول التي تصطف بسرعة، بل تلك التي تفهم كيف تدير التعقيد، وتبني مصالح متشابكة تجعل جميع القوى الكبرى ترى في استقرار علاقتها معها مصلحة إستراتيجية لا يمكن التفريط فيها”.