تحذير إسرائيلي من التحاق مصر بـ"المحور السني" و"الفلك التركي".. ما القصة؟

"يجب دعم مصر اقتصاديا على غرار ما تقوم به الإمارات لمواجهة النفوذ التركي"
تحت عنوان: "الدور المحوري لمصر في الشأن الإقليمي.. ماذا ينتظرنا؟"، تناول العقيد (احتياط) الدكتور عيران ليرمان، نائب رئيس معهد القدس للإستراتيجية والأمن، موقف مصر بين المحاور الناشئة في الإقليم.
وقال ليرمان، الذي شغل سابقا منصب نائب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي: إن زيارة رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، الأخيرة إلى أبو ظبي التي كُشف خلالها أن سلاح الجو المصري يضطلع بدور في الدفاع عن الإمارات، كانت تذكيرا مهما بجانب كثيرا ما يُغفَل في موازين القوى الإقليمية.

القوة المحورية الأولى
وأضاف، في مقال نشرته مجلة "منبر القدس للشؤون الإستراتيجية"، أنه على الرغم من التحديات الداخلية والخارجية الجسيمة والأزمات الاقتصادية المتواصلة، لا تزال مصر هي القوة المحورية في المنطقة.
إذ تجاوز عدد سكانها 120 مليون نسمة، وهو الأكبر إقليميا بفارق واضح، يُضاف إلى ذلك ثقلها الجيوسياسي وأدوارها الإستراتيجية والتاريخية في العالم العربي والإسلامي وحوض البحر المتوسط والبحر الأحمر وإفريقيا والهياكل المؤسسية للأمم المتحدة.
وكل ذلك يجعل مصر دولة لا غنى عنها في المنطقة، بحسب تأكيد المسؤول الإسرائيلي السابق.
وأضاف ليرمان أن مصر، بوصفها أول دولة تبرم معاهدة سلام مع إسرائيل وأكثرها رسوخا -وإن كانت في أحيان كثيرة أبرد مما كان مأمولا في البداية- أرست معيارا يقوم على رفض التطرف.
هذا الرفض شمل -وفق قوله- الزخم الثوري للقومية العربية الاشتراكية الذي قاد مصر ناصر إلى الكارثة، أو النسخة الإسلامية الشمولية التي هُزمت هزيمة ساحقة عام 2013.
وهذا المعيار، المتمثل في رفض التطرف، هو ما أضفى الشرعية، لنحو 45 عاما، على الالتزام الأميركي بأمن مصر واستقرارها، الذي أوفت به إدارات شتى من جيمي كارتر إلى دونالد ترامب.
وأوضح أن موقع مصر الإقليمي والدولي أتاح لها الجمع بين هذا التوجه وعلاقتها بواشنطن من جهة، وعلاقة وثيقة مع قوى دولية أخرى من جهة ثانية.
فقد توافقت مع روسيا في الشأن الليبي، واشترت عتادا عسكريا من الصين ومن موردين أوروبيين، وحافظت على مكانتها في صفوف دول عدم الانحياز رغم ارتباطها الصريح بالولايات المتحدة.
كما اتخذت موقفا حذرا من التدخل الأميركي في العراق عام 2003، خلافا لمشاركتها الفعلية في تحرير الكويت عام 1991، ولم تكن القاهرة راغبة في رؤية نظام يُسقَط على يد متمردين إبان سنوات الحرب السورية الطويلة، لا سيما أولئك الذين بدت دوافعهم ذات طابع إسلامي.
لذلك، أشار ليرمان إلى أن مصر ستواصل الاحتفاظ بهامش واسع من حرية الحركة، وأحيانا حرية عدم الانخراط أيضا، كما ظهر في تعاملها مع اضطرابات الحوثيين في البحر الأحمر.
كما لفت إلى وجود قدر من الريبة المصرية تجاه مساعي الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للتموضع بوصفه اللاعب الإقليمي الأبرز في ظل تداعيات الحرب ضد إيران.
صحيح أن مصر انفتحت على أنقرة بصورة أكثر دفئا مقارنة بسنوات القطيعة التي أعقبت إطاحة محمد مرسي وهزيمة جماعة الإخوان عام 2013، وبلغ هذا التقارب ذروته بزيارة أردوغان إلى القاهرة في فبراير/شباط 2026، إلى جانب بعض مظاهر التعاون العسكري، على حد تعبير العقيد الإسرائيلي.
لكن أنقرة تسعى في الوقت نفسه إلى استمالة القاهرة لإعادة النظر في علاقتها الثلاثية الوثيقة مع اليونان وقبرص الرومية، التي تشكلت بالتوازي مع تنامي التحالف اليوناني-الإسرائيلي. وفق ليرمان.

لا للمحور السني
وتابع أنه مع تصاعد النقاش حول التوازن الإقليمي الجديد، كثيرا ما تُذكر مصر بوصفها الضلع الرابع في محور يُشار إليه أحيانا بـ "السني" ويضم تركيا وباكستان والسعودية.
وتقوم فرضية هذا المحور على توظيف تداعيات الحرب التي تُضعف إيران ومنظومة وكلائها وتُثير التساؤلات حول ديمومة السياسة الأميركية لإرساء مركز ثقل إستراتيجي جديد في الشرق الأوسط.
ومع الثقل المالي السعودي والمكانة النووية العسكرية لباكستان والقدرات العسكرية التركية الكبيرة بما فيها صناعاتها الدفاعية المتقدمة، قد يكون هذا المحور ركيزة مفصلية في مستقبل المنطقة.
ودول المحور الأربع جميعها ضمن مجموعة القوى الإسلامية الثماني المنخرطة في "مجلس السلام" الذي أطلقه ترامب بشأن غزة.
غير أن ليرمان رأى أن تدقيقا أعمق يطرح تساؤلات حول موقع مصر الفعلي في هذه التشكيلة، مقدرا أن زيارة الإمارات خير شاهد.
فالانفراج الظاهر مع أردوغان وضجيج استقباله لم يُخمّد الذكريات المرّة التي خلّفتها سنوات التوتر. فعلى صعيد الهواجس الداخلية التي ما زالت تقلق السيسي، يظل أردوغان داعما نشطا للتيارات المرتبطة بالإخوان المسلمين كما فعل في سوريا.
وفي حين يدعو السيسي مؤسسة الأزهر -بنجاح محدود- إلى موقف صريح من النسخة الإسلامية المتطرفة للدين، يواصل حزب العدالة والتنمية في تركيا سياسة مغايرة تماما.
وهذا البُعد الجوهري في طبيعة النظام المصري وتقديره للنوايا التركية لا يمكن طمسه مهما بدت الصورة الخارجية أكثر ودّا، كما يؤكد ليرمان.
ولفت ليرمان إلى أنه يصح افتراض -وإن كان هذا لن يُصرَّح به علنا ولا همسا- أن مصر، شأنها شأن إسرائيل، لا تريد رؤية جنود أتراك أو حتى إداريين يجوبون قطاع غزة على حدودها المباشرة.
فرعاية مصر للفلسطينيين حقيقية وراسخة -بحسب تعبيره- لكنها تُدرك في الوقت ذاته أن حماس بوصفها حركة أيديولوجية هي امتداد لجماعة الإخوان المسلمين، وأنها تتحمل المسؤولية الكاملة عن الكارثة التي حلّت بغزة، وأن ارتباطها بتدخلات أردوغان الطامحة في المنطقة لا يصبّ في مصلحة مصر.
وأكد أن زيارة الإمارات -وسط توترات لافتة بين السعودية والإمارات- تشير إلى أن مصر لم ترمِ بثقلها نهائيا مع المحور الناشئ.
وأضاف أنه على الرغم من وجود خلافات جوهرية ينبغي تجسيرها، لا سيما في الملف السوداني، فإن العلاقات المصرية-الإماراتية متينة بما يكفي لأن تُترجمها القاهرة إلى التزام عسكري.
وخلص ليرمان إلى أن التحدي الماثل أمام الإمارات والولايات المتحدة وسائر شركاء مجموعة (I2U2) -الهند وإسرائيل- يتمثل في إيجاد السبل الكفيلة بصون استقلالية مصر في مواجهة النفوذ التركي.
وذلك أولا عبر دعم الاقتصاد المصري باستثمارات إستراتيجية في القطاعات والمواقع ذات الأولوية، على غرار ما تقوم به الإمارات بالفعل.
أما على الصعيد الأميركي، فأوضح أن القرار الإسرائيلي بالتخلص التدريجي من التمويل العسكري الأجنبي خلال العقد المقبل لا ينبغي أن يُترجم تلقائيا -رغم الربط المعتاد بين الطرفين في إطار "حزمة كامب ديفيد"- إلى تخفيضات مماثلة في التمويل المصري.
ويعود ذلك إلى أن الشراكة الإستراتيجية المستمرة بين الجيشين المصري والأميركي تخدم المصلحة المشتركة في الحفاظ على معاهدة السلام الحيوية لعام 1979، وفق ليرمان.
وأشار في الوقت ذاته إلى أن ثمة مجالا لتطمينات مصرية رفيعة غير معلنة تجاه إسرائيل، في ضوء النمو العسكري الملحوظ لقوات مصر في سيناء الذي تجاوز ما ينص عليه الملحق العسكري للمعاهدة، وإن كانت إسرائيل قد وافقت عليه.
وطالب الولايات المتحدة بمواصلة الجهود للتوصل إلى تسوية ودية لأزمة سد النهضة مع إثيوبيا.
كذلك دعا إلى أن يمتد الدور المصري في الاستقرار الإقليمي ليشمل مشاركة فعلية في تأمين الملاحة في البحر الأحمر لردع أي محاولة حوثية جديدة لتعطيل هذا الممر التجاري الحيوي، فضلا عن بذل الجهود اللازمة لإقناع حماس بنزع سلاحها وتوفير حياة أفضل لأهالي غزة المنكوبين.
وختم بأن هذه الأدوار المطلوبة من مصر تستوجب أفعالا ملموسة، أبعد من فصاحة دبلوماسييها المتمرسين.


















