الدعم النقدي في مصر.. إصلاح اقتصادي أم عبء جديد على الفقراء؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في وقت تواجه فيه مصر ضغوطا اقتصادية متواصلة وارتفاعا في تكاليف المعيشة، تتجه حكومة  النظام إلى إعادة هيكلة واحدة من أقدم أدوات الحماية الاجتماعية، عبر التحول التدريجي من دعم السلع الغذائية إلى تقديم مساعدات نقدية مباشرة للأسر الأكثر احتياجا. 

وبينما تؤكد الحكومة أن هذا التحول يستهدف توجيه الدعم إلى مستحقيه بكفاءة أكبر، أبدى خبراء تحدث إليهم موقع "دويتشه فيله" الألماني شكوكا بشأن قدرة النظام الجديد على حماية الفئات الأكثر فقرا، في ظل استمرار التضخم وتراجع القوة الشرائية.

ملف شائك

ووصف التقرير مشاهد الفقر في شوارع مصر قائلا: "أينما تجولت في أحياء القاهرة، سرعان ما يلفت انتباهك مشهد بات مألوفا، نساء يحملن عبوات صغيرة من المناديل الورقية، يقفن أمام المتاجر أو عند التقاطعات أو قرب المطاعم لا يطلبن المال، بل يعرضن بضاعتهن البسيطة على أمل أن يشتريها أحد".

وأضاف: "بالنسبة إلى كثير من الأسر، يمثل هذا الدخل المتواضع وسيلة أساسية للبقاء، وفي بلد تواصل فيه معدلات التضخم الضغط على المواطنين، أصبح هؤلاء النساء جزءا ثابتا من المشهد اليومي".

ومن ثم، شدد الموقع على أن قضية دعم أصحاب الدخل المحدود أصبحت واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية في مصر.

في هذا السياق، أوضح الموقع أن "الحكومة أصبحت تتجه في الآونة الأخيرة إلى الاعتماد بصورة متزايدة على ما يعرف بـ(المساعدات النقدية)، أي تقديم تحويلات مالية مباشرة للأسر الأكثر احتياجا".

وأردف: "بدلا من الاستمرار في دعم أسعار السلع الأساسية، مثل السكر وزيت الطعام، تعتزم الحكومة منح المستفيدين مبالغ نقدية تمكنهم من شراء احتياجاتهم مباشرة بأسعار السوق".

فقد أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في يونيو/ حزيران 2026 أن الحكومة تعتزم بدء تطبيق هذا التحول خلال العام المالي 2026/2027. 

وتابع الموقع: "وفقا للخطة المعلنة، سيبدأ استبدال دعم السكر وزيت الطعام بتحويلات نقدية، في حين سيظل الخبز، في الوقت الحالي، ضمن منظومة الدعم الحالية".

إلا أن التقرير نقل عن موقع "مدى مصر" وجود مناقشات بشأن إدراج الخبز لاحقا ضمن هذا التحول.

وفي المقابل، "تؤكد الحكومة أن الهدف ليس تقليص برامج الحماية الاجتماعية، وإنما ضمان وصول الدعم بصورة أكثر دقة إلى الفئات التي تحتاج إليه بالفعل"، وفق الموقع.

وبحسبه، "يمس هذا الملف قطاعات واسعة من المصريين؛ إذ يستفيد حاليا أكثر من 65 مليون شخص من منظومة الدعم الحكومية التي تشمل الخبز والسلع الغذائية والطاقة".

خطة حكومية

وتستند خطة الحكومة المصرية للتحول إلى الدعم النقدي، إلى فكرة برنامج "تكافل وكرامة"؛ إذ قال ذكر التقرير إن "حكومة مصطفى مدبولي تخطط مستقبلا لاعتماد برنامجي تكافل وكرامة لتقديم مساعدات نقدية مباشرة إلى الأسر المستحقة بدلا من الدعم السلعي".

وأردف: "أُطلق برنامج تكافل وكرامة عام 2015، وأصبح اليوم من أبرز أدوات الحكومة المصرية لتقديم المساعدات النقدية".

واستطرد: "يوفر البرنامج تحويلات مالية منتظمة للأسر التي تعيش تحت خط الفقر، وكبار السن، والأيتام، وذوي الإعاقة، وقد تبلغ قيمة المساعدات 900 جنيه شهريا للفرد، أي ما يعادل نحو 16 يورو".

وتحظى خطة مصر الرامية إلى التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي بتأييد مؤسسات مالية دولية، فبحسب الموقع، وصف البنك الدولي، بمناسبة مرور عشرة أعوام على إطلاق "تكافل وكرامة"، البرنامج بأنه نموذج للحماية الاجتماعية يمكن تطبيقه في دول أخرى.

من هنا، قدر التقرير أن "توجه مصر نحو توسيع المساعدات النقدية لا يأتي من فراغ؛ إذ دعم البنك الدولي إنشاء البرنامج وتمويله منذ البداية".

فضلا عن ذلك، "يتبنى صندوق النقد الدولي النهج نفسه، بعدما دعا منذ برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 2016 إلى الاستعاضة تدريجيا عن منظومة الدعم المكلفة ببرامج دعم اجتماعي أكثر استهدافا، مع تمسكه آنذاك بالإبقاء على دعم السلع الغذائية".

واستدرك: "لكن بعد مرور عشرة أعوام، تغيرت أولويات الصندوق، ففي أحدث اتفاقاته مع مصر، وكذلك في الاتفاقات السابقة، لم يعد يشر صراحة إلى دعم السلع الغذائية"، بل يدعو إلى "توسيع نطاق الدعم الحكومي الموجه إلى الأسر الأكثر احتياجا"، في إشارة إلى برامج المساعدات النقدية المباشرة.

بدوره، ربط الاتحاد الأوروبي تقديم حزمة المساعدات المالية الكلية لمصر، التي تقدر بمليارات اليورو، بتوسيع برامج التحويلات النقدية والقروض متناهية الصغر، بحسب ورقة تحليلية أصدرها الاتحاد الأوروبي بشأن برنامج المساعدات المالية الكلية المخصص لمصر لعام 2025، بحسب الموقع.

وعقّب التقرير: "تستند فكرة المساعدات النقدية إلى منطق يبدو مقنعا بالنسبة إلى كثيرين؛ إذ تقوم على توجيه الدعم الحكومي مباشرة إلى الأسر الأكثر فقرا، بدلا من دعم السلع لجميع المواطنين، بمن فيهم من لا يحتاجون إلى هذا الدعم من الناحية الاقتصادية".

آثار وخيمة

وانقسمت آراء الخبراء بشأن قدرة النظام الجديد المقترح على إيصال الدعم إلى مستحقيه.

ويرى نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، تيموثي كالداس، أن "فكرة استبدال منظومة الدعم العامة بالتحويلات النقدية المباشرة كانت مطروحة منذ إطلاق برنامج تكافل وكرامة".

وأضاف: "تقوم الفكرة على استخدام الموارد الحكومية بكفاءة أكبر، بما يقلل من وصول الدعم إلى أشخاص لا يحتاجون إليه فعليا".

ومع ذلك، "لا يزال الخبراء مختلفين بشأن مدى نجاح هذا النموذج في مصر"، وفق التقرير.

وتابع: "لا تتركز الانتقادات على المساعدات النقدية في حد ذاتها، بقدر ما تتركز على قدرة النظام الحالي على الوصول إلى جميع المستحقين للدعم".

وقالت الخبيرة الاقتصادية إسراء أحمد، من منصة الاستثمار "ثاندر"، في تصريحات نقلها موقع "إنتربرايز إيه إم" الاقتصادي المصري: إن "أكبر التحديات لا تكمن في فكرة التحويلات النقدية نفسها، وإنما في كيفية تنفيذها".

وأردفت: "العامل الحاسم يتمثل في سرعة تعديل أسعار السلع التي كانت مدعومة لتتوافق مع أسعار السوق"، محذرة من أن "تنفيذ هذه الخطوة بوتيرة سريعة قد يعجز كثير من الأسر عن تحمل تكلفتها".

ويضاف إلى ذلك "استمرار الضغوط التضخمية، التي أضعفت القوة الشرائية لكثير من المصريين خلال السنوات الماضية، وكان تأثيرها على أسعار المواد الغذائية أكبر من تأثيرها على كثير من السلع الأخرى".

في هذا السياق، قال كالداس: "إذا لم يتم تعديل قيمة التحويلات النقدية بصورة منتظمة بما يتناسب مع التضخم، فإنها ستفقد قيمتها تدريجيا، وسيصبح الناس أقل قدرة على شراء المواد الغذائية."

من منظور تحليلي أوسع، انتقد كالداس "تقليل العديد من التقديرات أهمية منظومة الدعم في مصر". 

وتابع: "القضية لا تتعلق بالعدالة الاجتماعية فحسب، فعدم قدرة المواطنين على الحصول على غذاء كاف أو متوازن ينعكس سلبا على الاقتصاد بأكمله".

وأوضح مقصده: "فانتشار سوء التغذية يؤدي إلى زيادة معدلات الإصابة بالأمراض، ويخفض الإنتاجية، ويرفع تكاليف الرعاية الصحية على المدى الطويل، فيما تظهر تداعياته بصورة أشد خطورة لدى الأطفال".

وانطلاقا من ذلك، أكد كالداس أن "نجاح نظام المساعدات النقدية يظل مرهونا بقدرته على تعويض تآكل القوة الشرائية الناجم عن التضخم بصورة مستمرة، وإلا فإن المستفيدين، رغم حصولهم على أموال نقدية، سيجدون أنفسهم مع مرور الوقت عاجزين عن شراء الكميات نفسها من المواد الغذائية".

بيانات دقيقة

من جانب آخر، اعتقد كالداس أن "هناك تحديا آخر لا يقل أهمية؛ إذ لا يمكن لهذا النظام أن يحقق أهدافه ما لم تمتلك الدولة قاعدة بيانات دقيقة تمكنها من تحديد الفئات التي تحتاج إلى الدعم بصورة موثوقة".

واستشهد على ذلك "ببيانات وزارة التضامن الاجتماعي التي تشير إلى أن أكثر من خمسة ملايين أسرة تستفيد حاليا من برنامج تكافل وكرامة، مع احتساب أربعة أفراد كحد أقصى ضمن كل أسرة، وهو ما يعني أن البرنامجين يغطيان في الوقت الراهن نحو 20 مليون شخص".

في المقابل، ذكر التقرير أن "أعداد المحتاجين إلى الدعم أكبر بكثير، فبحسب بيانات البنك الدولي، كان نحو 33 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر الوطني عام 2021".

واستطرد: "لم تعد الحكومة تنشر بيانات رسمية محدثة عن معدلات الفقر، في وقت يرجح فيه كثير من المراقبين أن يكون عدد المحتاجين إلى الدعم قد ارتفع بصورة ملحوظة في ظلّ استمرار الأزمة الاقتصادية".

وفي ضوء ذلك، قدر كالداس "وجود عدد كثير من الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة، لكنهم غير مشمولين بالبرنامج". 

وأضاف: "إن نقص البيانات وعدم اكتمال عمليات الحصر في مصر يزيدان من صعوبة تحديد المستحقين للدعم بدقة".

وعلق التقرير: "هنا يكمن الفارق الجوهري بين نظام المساعدات النقدية ومنظومة دعم السلع الغذائية المعمول بها حاليا".

وتابع موضحا: "فالدعم السلعي يصل، من حيث المبدأ، إلى جميع المستحقين الحاصلين على بطاقات التموين، بينما يتطلب نظام التحويلات النقدية أولا تحديد من يستحق الدعم ومن لا يستحقه، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات الاستبعاد أو الخطأ في الاستهداف".

ورغم إقرار كالداس أن "أنظمة الدعم الشاملة قد يستفيد منها أحيانا أشخاص لا يحتاجون إليها فعليا"، لكنه يرى أن "هذه المشكلة تبقى أقل خطورة من استبعاد الفئات الفقيرة من منظومة الدعم بالكامل".

وقال: "قد يستفيد بعض غير المستحقين من الدعم العام، لكن الخطر الأكبر يتمثل في سقوط الفقراء من حسابات النظام وحرمانهم من أي مساعدة".

وحذر من أن "هذا الخطر قد يتفاقم مع تطبيق الإصلاحات المزمع تنفيذها""، مقدرا أن ذلك "يعكس أيضا طبيعة النهج الذي تتبعه الحكومة".

واختتم بالقول: "تحاول الحكومة تقديم قدر من الدعم يكفي للحفاظ على الاستقرار السياسي، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تقليص الإنفاق على هذا الدعم إلى أدنى مستوى ممكن".