الذهب في عصر الاضطرابات.. لماذا تتوقع البنوك العالمية قفزة تاريخية للأسعار؟

"الاحتفاظ بالذهب على نطاق واسع باعتباره مخزنا للقيمة يعد أمرا منطقيا"
رغم تراجع أسعار الذهب خلال الأسابيع الأخيرة عن المستويات القياسية التي بلغتها مطلع عام 2026، لا تزال التوقعات المتفائلة تهيمن على الأسواق؛ إذ يرجح كثيرون أن يواصل المعدن النفيس تحطيم أرقامه القياسية.
بل إن بعض التقديرات تشير إلى احتمال تضاعف سعره خلال السنوات الخمس المقبلة، وفي ضوء ذلك، تساءل موقع "دويتشه فيله" الألماني عن مدى واقعية هذه التوقعات.

لاعب جديد
واستهل التقرير حديثه مشيرا إلى أن "سعر الذهب واصل ارتفاعه بشكل متواصل خلال السنوات الماضية".
وأضاف أنه "باستثناء حالة الهدوء الحالية التي يشهدها السوق، كما يظهر في الرسم البياني أدناه، لم يعرف سعر الذهب منذ سنوات سوى اتجاه واحد هو الصعود، فمنذ عام 2020، ارتفع سعر الأوقية من 1585 دولارا إلى أكثر من 4500 دولار".
ولفت التقرير إلى أن هذا الصعود استثنائي، فبحسبه "من المفترض ألا يفقد المال قيمته بسبب التضخم، وأن يحقق في أفضل الأحوال نموا تلقائيا بفضل أسعار الفائدة".
واستدرك: "غير أن هذا الاحتمال يبدو محدودا في الوقت الحالي، نظرا إلى انخفاض أسعار الفائدة الأساسية".
ولهذا أوضح الموقع أن "كثيرين يلجأون إلى إيداع ثرواتهم في أصول آمنة مثل المعادن النفيسة، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة الطلب وارتفاع الأسعار".
في سياق متصل، ذكر أن "البنوك المركزية حول العالم كثفت مشترياتها من الذهب، ووفقا لدراسة نشرت في 27 أبريل/ نيسان 2026 تعمل الصين وروسيا والهند وتركيا، إلى جانب البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة، على زيادة احتياطاتها من الذهب".
وبناء على ذلك، "لم يستبعد (دويتشه بنك)، أحد أكبر البنوك الألمانية، أن يصل السعر الذهب إلى 8000 دولار للأوقية بحلول عام 2031، أي ما يعادل ضعف مستواه الحالي".
“وقبل النظر إلى المستقبل، ينبغي أولا فهم الكيفية التي وصل بها السوق إلى وضعه الحالي، فما الأسباب التي قادت موجة الصعود القوية التي شهدها الذهب خلال السنوات الماضية؟” تساءل التقرير.
وأردف: "يرى فرانك شالينبرغر، من بنك ولاية بادن-فورتمبيرغ، أن هذه الموجة تعود إلى التوقعات بخفض أسعار الفائدة، وضعف الدولار الأميركي، والمشتريات الكبيرة التي نفذتها البنوك المركزية، إضافة إلى الطلب القوي على العملات الذهبية والسبائك".
وأضاف في حديثه إلى "دويتشه فيله" أن “هناك حاليا مشاركا جديدا نسبيا في السوق، يتمثل في العملات المشفرة التي أصبحت تشكل بصورة متزايدة مجموعة طلب جديدة ومهمة؛ إذ تعمل هي أيضا على تنويع أصولها، بما في ذلك شراء الذهب”.
ولفت إلى أنه "إذا استمر انتشار هذه الفئة من الأصول، فقد يوفر ذلك دعما إضافيا قويا لأسعار الذهب".
من جانبه، ميّز محلل المعادن النفيسة في قسم الأبحاث لدى البنك الألماني، مايكل هسوه، بين المشترين أصحاب (الطلب غير المرن) والمشترين أصحاب (الطلب المرن)".
وتابع موضحا: "المشترون المستقرون من أصحاب الطلب غير المرن، مثل البنوك المركزية، أزاحوا إلى حد كبير المشترين أصحاب الطلب المرن، وهم الأفراد مثل مشتري المجوهرات".
ووفق تقديره، "كان هذا الطلب المستقر عاملا رئيسا وراء قوة الذهب خلال الفترة بين عامي 2021 و2025".
في المقابل، قال محلل الأبحاث في بنك "دي زد" الألماني، توماس كولب، لـ"دويتشه فيله": إن "المحرك الرئيس لموجة الارتفاع التي شهدتها أسعار الذهب خلال السنوات الماضية كان تراكم حالات عدم اليقين الجيوسياسي".
وأضاف كولب: "كان دور الذهب بصفته ملاذا آمنا من جهة، وضامنا للاستقلال المالي من جهة أخرى، العاملين الأكثر أهمية في تعزيز الطلب عليه".

الملاذ الآمن
ومع فقدان الذهب لحوالي 20 بالمئة من قيمته خلال الأسابيع الأخيرة، يطرح السؤال نفسه، هل لا يزال المعدن الأصفر الملاذ آمنا؟
وأجاب التقرير: "لطالما عد الذهب وسيلة موثوقة للحفاظ على الأموال وحمايتها، ورغم أنه لا يدر عائدا بطبيعته، كما أن سعره يخضع لعوامل المضاربة، فإنه يظل أكثر أمانا من الاحتفاظ بالأموال مخبأة تحت الفراش".
مع ذلك، شدد فرانك شالينبرغر على أن "الاستثمار المكثف في الذهب ليس الخيار الأكثر أمانا، وأن الأفضل تخصيص جزء محدود من الثروة للاستثمار فيه، بصفته خيارا جديرا بالاهتمام".
وقال: "تخصيص ما بين خمسة وعشرة بالمئة من المحفظة الاستثمارية للذهب ليس فكرة سيئة، لأنه يساعد على تقليل تقلبات المحفظة".
في المقابل، يرى مايكل هسوه، من قسم الأبحاث في البنك الألماني، أن "الاحتفاظ بالذهب على نطاق واسع بصفته مخزنا للقيمة يعد أمرا منطقيا".
وأضاف أن "أهم الأسباب التي تدفع مديري الاحتياطيات في البنوك المركزية إلى إدراج الذهب ضمن محافظهم تتمثل في تنويع الأصول، والحماية من المخاطر الجيوسياسية، والتحوط ضد التضخم."
أما محلل بنك "دي زد"، توماس كولب، فلا يرى أن "هناك مجالا للتشكيك في جدوى الذهب بصفته أداة للحفاظ على القيمة".
ويقول: "كان الذهب وسيظل الملاذ الآمن الأول، ففي فترات عدم اليقين والأزمات يزداد الطلب على المعدن الأصفر".
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن "ذلك لا يعني غياب المخاطر، إذ قد يشهد سعر الذهب تقلبات كبيرة في بعض الأحيان، وهو ما ينبغي للمستثمرين أن يضعوه في الحسبان عند توزيع أصولهم الاستثمارية".

نظرة إيجابية
وفيما يتعلق بالتوقعات المستقبلية لأسعار الذهب، استطلع الموقع الألماني آراء عدد من الخبراء الاقتصاديين بشأن مدى واقعية توقعات "دويتشه بنك" بوصول سعر الأوقية إلى 8000 دولار بحلول عام 2031.
وقال: "بالنسبة إلى فرانك شالينبرغر، فإن الإجابة واضحة: لا، إذ يرى أن موجة الصعود القوية التي شهدها الذهب، والتي بلغت ذروتها المؤقتة نهاية يناير/ كانون الثاني 2026، كانت مدعومة، من بين عوامل أخرى، بالمشتريات الكبيرة لصناديق الذهب المتداولة، إلى جانب الزيادات الملحوظة في احتياطيات البنوك المركزية من الذهب".
ووفق تقدير خبير الأسواق المالية ببنك ولاية بادن-فورتمبيرغ، فإن "زخم الشراء لدى هاتين الفئتين انحسر في الوقت الحالي، ولا توجد محركات قوية قادرة على دفع سعر الذهب، رغم بقائه عند مستويات مرتفعة نسبيا، إلى التضاعف خلال السنوات الخمس المقبلة".
في المقابل، أوضح التقرير أن "مايكل هسوه، المشارك في إعداد دراسة البنك الألماني، يتمسك بتوقعاته".
وقال في حديثه إلى دويتشه فيله: "لقد درسنا تراكم احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة باعتباره محركا طويل الأجل محتملا لأسعار الذهب".
وعليه، توقع هسوه "استمرار إعادة بناء احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية، بالتزامن مع عودة التاريخ، أي تزايد حالات عدم اليقين الجيوسياسي على غرار ما كان سائدا خلال الحرب الباردة".
وأضاف أن "المرحلة الجديدة التي تتسم بقدر أكبر من عدم اليقين ستقود للعودة إلى الحد الأدنى للنطاق الذي كان سائدا قبل عام 1990، أي أن يشكل الذهب نحو 40 بالمئة من احتياطيات البنوك المركزية".
واستطرد: "إذا افترضنا تراجع احتياطيات النقد الأجنبي لدى الاقتصادات الناشئة من ثمانية تريليونات دولار إلى خمسة تريليونات دولار، فقد يعادل ذلك سعرا للذهب يبلغ 8000 دولار للأوقية".
أما محلل بنك "دي زد"، توماس كولب، فيتبنى "موقفا أكثر تحفظا؛ حيث يرى أن مثل هذه التوقعات ليست مفاجئة في ضوء التطورات التي شهدتها السنوات الماضية".
وتابع الموقع: "رغم ذلك، لا يتوقع كولب بوادر سلبية في الأفق، إذ يقدر أنه خلال الاثني عشر شهرا المقبلة سيعود سعر الذهب إلى مستوى 5000 دولار للأوقية".
وأرجع ذلك إلى أن "العوامل الأساسية التي تدعم الطلب ما زالت قائمة، ولذلك تظل نظرتنا طويلة الأجل إلى أسعار الذهب إيجابية".

















