رسائل إلى باريس وأنقرة ودمشق.. كيف قرأ معهد عبري تفجيرات العاصمة السورية؟

"الانفجارات ربما حملت أيضا رسالة شخصية إلى ماكرون"
يرى معهد عبري أن الانفجارات التي هزت دمشق تزامنا مع زيارة رئيس فرنسا لم تكن تستهدف اغتيال إيمانويل ماكرون، بل حملت رسائل سياسية موجهة إليه شخصيا وحكومته، ومضيفيه السوريين، وداعميهم في أنقرة، في وقت قد تمتد فيه تداعياتها إلى لبنان وملف نزع سلاح حزب الله.
في وقت كانت تتجه فيه أنظار العالم إلى جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي، وتجدد المواجهة في مضيق هرمز، وقمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة؛ هزت سلسلة انفجارات العاصمة دمشق وقلبت المشهد الذي أحاط بالزيارة التاريخية للرئيس ماكرون إلى سوريا في 6 يوليو/ تموز 2026.

فقدان السيطرة
"فاللقاء الذي جمع ماكرون بنظيره أحمد الشرع، والذي حرص منظمو الزيارة ومضيفوها على تقديمه بوصفه أول زيارة يقوم بها زعيم دولة أوروبية إلى دمشق منذ الإطاحة ببشار الأسد؛ اكتسب بعد الانفجارات أبعادا مختلفة تماما"، وفق تعبير معهد "مسغاف" العبري.
ولم يصب الرئيس الفرنسي بأذى؛ إذ كانت سيارته قد غادرت المنطقة متجهة إلى القصر الرئاسي السوري قبل وقوع الانفجارات بنحو 15 دقيقة، كما أظهرت الصور التي نشرت له إلى جانب الشرع أنه يتمتع بصحة جيدة ولم يصب بأي مكروه.
في المقابل، قللت باريس من أهمية ما وصفه التقرير بـ"محاولة اغتيال رئيسها"، وأعلن قصر الإليزيه أن ماكرون "لم يسمع حتى دوي الانفجارات"، مؤكدا أن الزيارة، وهي الأولى لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ 17 عاما، ستستمر كما هو مخطط لها.
ويرى المعهد أن "هذا الموقف لا يدعو إلى الاستغراب؛ إذ لا يخدم باريس تضخيم مثل هذا الحدث، كما أنه ينسجم مع توجهاتها السياسية، فالرئيس الفرنسي كان من أوائل القادة الغربيين الذين دعموا الشرع، كما أيد رفع العقوبات عن سوريا".
ولذلك، لا يتوقع التقرير أن "تدفعه هذه الحادثة إلى تغيير مواقفه أو إعادة تقييم رؤيته للمشهد السوري ومخاطر المنطقة".
وأضاف المعهد، في تعليق يحمل طابعا ساخرا، أن "ماكرون الذي ظهر خلال الأشهر الماضية مرتديا نظارات طبية ذات عدسات مائلة إلى الزرقة بسبب مشكلة صحية، ربما يرى العالم بألوان أكثر إشراقا مما هو عليه في الواقع".
وبحسب تقديره، فإن التفجير "يكشف حجم الاختراق الأمني في المنطقة، وربما يدل على قدرة المنفذين على الوصول حتى إلى وسائل نقل تستخدمها مؤسسات الدولة".
كما يعد، وفقا له، "دليلا على قدرة الجهات المعارضة للسلطة، سواء تنظيم الدولة أو حزب الله أو بعض مكونات الأقليات، على الوصول إلى قلب العاصمة السورية، وتهريب متفجرات إليها وتنفيذ هجوم بهذا الحجم".
أسباب أمنية
ولفت المعهد إلى "احتمال وجود تحذيرات أمنية سبقت الزيارة، فقد أفادت وكالة الأنباء الفرنسية بأن باريس امتنعت، لأسباب أمنية، عن الإعلان عن الزيارة إلا بعد وصول ماكرون إلى دمشق، لا سيما أن العاصمة السورية شهدت قبل أسبوع فقط انفجارا آخر أسفر عن مقتل وإصابة عدد من الأشخاص".
ومع ذلك، رجح التقرير أنه "رغم أن الرئيس الفرنسي كان على الأرجح الهدف الظاهر للهجوم، وأن خصومه لم يكونوا ليأسفوا لو نجحت محاولة اغتياله؛ فإن الهدف الحقيقي لم يكن ماكرون نفسه، بل توجيه رسالة إلى مضيفيه السوريين، وإلى داعميهم، وربما إلى الغرب بأكمله".
ووفق وجهة نظره، فإن "الرسالة الأساسية من الهجوم تتمثل في إبلاغ الشرع بأنه لا يفرض سيطرته حتى على العاصمة، فضلا عن بقية أنحاء البلاد".
فبحسب تقديره، "يفتقر الرئيس السوري إلى ما يكفي من الدعم والسلاح والنفوذ، وحتى بدعم تركيا لا يستطيع حاليا سوى تنفيذ عمليات محدودة، مثل ملاحقة بعض عمليات تهريب السلاح، أو اعتقال عدد من المسلحين، أو إظهار حضور عسكري قرب الحدود اللبنانية والإعلان عن إحكام السيطرة عليها".
أما القضاء على خصومه، فيبدو -وفق المعهد- أنه "ما زال بعيدا عن متناول يده، وهو ما ظهر بوضوح من خلال تمكنهم من تنفيذ هجوم في قلب منطقة السلطة خلال أهم زيارة دبلوماسية تشهدها دمشق منذ أشهر".
وأضاف التقرير أن "زيارة ماكرون كانت تهدف في الأساس إلى إعلان عودة سوريا إلى المجتمع الدولي وإلى الحياة الطبيعية التي تتمتع بها الدول الأخرى".
واستدرك: "لكن الانفجارات، على العكس، سلطت الضوء على حجم التحديات التي لا تزال تواجه البلاد قبل أن تتمكن فعلا من استعادة الاستقرار، حتى لو رفعت عنها جميع العقوبات".

رسالة تحذير
من جانب آخر، قدر المعهد أن "الانفجارات ربما حملت أيضا رسالة شخصية إلى ماكرون، بصفته أول زعيم غربي منح الشرع شرعية سياسية واضحة، لكنها في الوقت نفسه تذكّره بأن تحديد من يحظى بقبول السوريين ليس قرارا بيد العواصم الغربية وحدها".
فهناك، بحسب التقرير، "شريحة من السوريين تعارض السلطة الجديدة، ومستعدة لاستخدام القوة للتعبير عن رفضها".
وزعم أن "ملف إعادة إعمار سوريا، الذي كان من المفترض أن يتصدر مباحثات ماكرون في دمشق، سيبدو مختلفا بعد هذه التطورات".
"كما أن الشركات الفرنسية التي رافقت ماكرون على أمل الاستثمار في سوريا، وفي مقدمتها شركة توتال، قد تعيد تقييم حجم المخاطر المرتبطة بالعمل داخل البلاد"، على حد قوله.
ولا يستبعد التقرير أن "تكون محاولة الاغتيال قد حملت أيضا رسالة إلى فرنسا بشأن الوضع في لبنان، ولا سيما إذا ثبت وقوف حزب الله وراء الهجوم".
وقال: "بالمقارنة مع لبنان، قد تبدو سوريا أكثر استقرارا، رغم تعقيد وضعها الأمني واستمرار أعمال العنف فيها؛ إذ لا توجد أي دولة في المنطقة تتمتع باستقرار كامل أو تخلو من خطر الإرهاب، لكن دمشق تبدو، مقارنة ببيروت، في وضع أفضل".
وأضاف: "لا يزال حزب الله يفرض نفوذه على أجزاء واسعة من العاصمة اللبنانية، بينما تواصل إيران تقويض سيادة لبنان، في وقت لا يعد فيه الجيش اللبناني القوة الوحيدة، وربما ليس القوة الأقوى، داخل البلاد".
"ومن هذا المنطلق، فإن دعم ماكرون لمواجهة حزب الله، ومساندته لسياسات الشرع تجاه التنظيم، لا ينظر إليه بإيجابية في بيروت أو طهران"، وفق تقديره.
فضلا عن ذلك، "كانت فرنسا وراء مبادرة طرحت قبل نحو شهرين، دعت إلى اعتراف لبناني أولي بإسرائيل، مقابل التزام بيروت بمنع شن هجمات من أراضيها، ونزع سلاح حزب الله، وحظر نشاطه العسكري".
ورغم أن إسرائيل لم تتبن هذه المبادرة وفضلت التمسك بالاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، فإن باريس، بحسب التقرير، "لا تزال ترى نفسها معنية بالملف اللبناني، وتسعى إلى إخراج لبنان من نفوذ حزب الله".
في سياق متصل، ربط المعهد بين تفجيرات دمشق وقدرة لبنان على نزع سلاح حزب الله قائلا: “إذا كانت سوريا، رغم إمكاناتها، عاجزة عن القضاء على الجماعات المسلحة داخل أراضيها، فكيف يمكن للحكومة اللبنانية الأضعف أن تنجح في تفكيك ترسانة الحزب؟”
وتساءل أيضا: “إذا كان الرئيس الفرنسي نفسه، رغم الإجراءات الأمنية المشددة، لم يكن بمنأى عن الخطر، فكيف يشعر المسؤولون اللبنانيون الذين لا يزالون يتذكرون اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في بيروت؟”
توظيف الحادث
وبجانب الرسائل إلى الشرع وماكرون، يرى التقرير أن "الانفجارات قد تكون حملت رسالة كذلك إلى تركيا، الداعم الرئيس للشرع، إذ وقعت في اليوم نفسه الذي تستضيف فيه أنقرة قمة حلف شمال الأطلسي".
وبحسب رأيه، فإن "هذا التطور يضع الخطاب التركي بشأن الشرق الأوسط الجديد في مواجهة اختبار عملي".
وتوقع أن “يعيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان توظيف الحادث بما يخدم خطابه المناهض لإسرائيل”.
أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فرجّح التقرير أنه "لن يمنح الحادث اهتماما كبيرا، وسيعتمد في تقييمه على مستشاره الإقليمي توم باراك".
وطرح فرضية مفادها أن "ترامب قد يعيد إحياء فكرة تكليف الشرع بمواجهة حزب الله، رغم ما ينطوي عليه ذلك من مفارقة".
ويبدو أن المعهد العبري يستغل الحادث لتبرير استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي فيما تسميه الأخيرة (المنطقة الأمنية) داخل سوريا؛ إذ يرى أن التفجيرات "تعزز الشكوك بشأن قدرة سلطة الشرع على تأمين الحدود مع إسرائيل ومنع تنفيذ هجمات انطلاقا من الأراضي السورية".
وأضاف: "لا يستطيع الجيش الإسرائيلي الاعتماد على أي طرف آخر لضمان أمنه، وأن عليه مواصلة القيام بهذه المهمة بنفسه".
في ردود الفعل الدولية، توقع التقرير أن "يدفع الهجوم بعض الدول إلى زيادة دعمها للسلطة السورية، بدلا من الابتعاد عنها، بحجة تعزيز قدرتها على مكافحة الإرهاب".
وتابع: "قادة حلف شمال الأطلسي، وبدفع من تركيا، قد يرون في الحادث مبررا لتزويد دمشق بمزيد من الأسلحة والقدرات العسكرية، بما في ذلك تجهيزات سبق أن دمرها الجيش الإسرائيلي عقب سقوط نظام بشار الأسد".
واستطرد المعهد العبري: "علينا مراقبة الوضع عن كثب، والتأكد من أن عواقب هذا الحدث لا تعرضنا للخطر أو تؤثر سلبا علينا".


















