مشهد متشابك.. من يعطل تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل؟

يوسف العلي | منذ ١٣ ساعة

12

طباعة

مشاركة

بينما تتسارع الجهود الأمريكية لفرض تسوية دائمة بين لبنان وإسرائيل بعد أشهر من الحرب والتصعيد المتبادل، تبدو الوقائع الميدانية في اتجاه معاكس تماماً.

فالغارات الإسرائيلية المتكررة على الضاحية الجنوبية لبيروت، وآخرها الهجوم الذي أعقب جولة التصعيد مع إيران، تثير تساؤلات متزايدة حول جدية فرص تثبيت وقف إطلاق النار وإمكانية نجاح المسار التفاوضي الذي وصفه الرئيس اللبناني جوزاف عون بأنه "الفرصة الأخيرة" لإنهاء المواجهة.

وفي 4 يونيو/حزيران 2026، أُعلن من واشنطن التوصل إلى تفاهم بين لبنان وإسرائيل يقضي بتنفيذ وقف كامل لإطلاق النار، برعاية أمريكية، مقابل وقف "حزب الله" عملياته العسكرية وانسحاب عناصره من المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني.

وبحسب البيان المشترك الصادر عن الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، اتفق الجانبان على إنشاء "مناطق تجريبية" في جنوب لبنان يتولى الجيش اللبناني مسؤولية الأمن فيها بشكل حصري، مع ضمان خلوها من عناصر "حزب الله"، مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من تلك المناطق، في خطوة اعتُبرت اختباراً أولياً لإمكان الانتقال نحو ترتيبات أمنية أوسع وأكثر استدامة.

الفرصة الأخيرة

في تقييم أولي لنتائج الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، والبيان الصادر عنها، بما تضمّنه من نقاط، عدّها جوزاف عون بأنها "مهمة جدا لصالح لبنان، وتشكّل الفرصة الأخيرة للدخول في وقف نهائي وشامل لإطلاق النار، على أن يتحمّل كل طرف المسؤولية في حال عدم التجاوب".

وأوضح عون خلال حديثه مع الصحفيين في 4 يونيو، إنه "فور تلقي الأجوبة من الأطراف الداخلية المعنية، لا سيما حزب الله، سيتم إبلاغ الجانب الأميركي بالموقف اللبناني ليُبنى على الشيء مقتضاه، وبالتالي تحدد الولايات المتحدة الأميركية موعد وآلية تنفيذ وقف إطلاق النار، فيما سيكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضامن المباشر للتنفيذ".

لكن جواب حزب الله اللبناني لم يتأخر كثيرا، ففي اليوم نفسه، أعلن أمينه العام نعيم قاسم رفض الاتفاق الذي جرى نتيجة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، واصفا إياها بـ"المذلة والمخزية".

وقال نعيم قاسم خلال كلمة بمناسبة ذكرى رحيل مؤسس "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" روح الله الخميني في 4 يونيو: إن نتيجة المفاوضات المباشرة "العبثية والمذلة والمخزية" للبنان "مرفوضة جملة وتفصيلا من شرائح واسعة من الشعب اللبناني".

ورأى أن إعلان واشنطن يعكس الرؤية الأميركية والإسرائيلية لمستقبل لبنان ويهدف إلى إخضاعه لما سماه "مشروع إسرائيل الكبرى"، مؤكدا أن جعل نزع سلاح المقاومة منطلقا لأي اتفاق يعني "إعدام قوة لبنان وتهديدا وجوديا بإبادة شعبه المقاوم".

وشدد نعيم على أن هذا التوجه يهدف إلى "تخريب لبنان وعدم استقراره وإحداث الفتنة بين اللبنانيين لمصلحة إسرائيل"، مقدرا أن تل أبيب تسعى بالسياسة إلى تحقيق ما لم تتمكن منه بالحرب. و"هذا أمر مستحيل لمن يريد العزة والكرامة وحفظ دماء الشهداء والجرحى والأسرى"، وفق تعبيره.

وفي المقابل، ردت إسرائيل بتصعيد عسكري وصفته بأنه "نوعي ولكنه محدود" على الضاحية الجنوبية لبيروت في 7 يونيو، ليؤكد أن اتفاق وقف النار يعد "باطلا" لأن "حزب الله" رفضه ونفذ غارات على الجيش والبلدات الإسرائيلية، حسبما ادعت مصادر عبرية.

وقالت المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي للإعلام العربي إيلا واوية: إن "جيش الدفاع يهاجم بنية تحتية تابعة لمنظمة (حزب الله) الإرهابية في الضاحية الجنوبية".

يأتي ذلك بعد يوم من تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأن اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لم تتم صياغته بشكل كامل حتى الآن. مضيفا أن حزب الله يعارض الاتفاق، وبالتالي لا يوجد اتفاق حاليا"، حسبما نقلت "هيئة البث الإسرائيلية" في 6 يونيو.

رهن المسارات

تعليقا على أسباب فشل وقف إطلاق النار، قال الكاتب والمحلل اللبناني إبراهيم حيدر، إنه "منذ إعلان الاتفاق الناتج عن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن بقي السجال قائما في لبنان ما بين تيارين يدور بشكل رئيس حول مسارين اثنين". الصراع قائم بين مسارين.

وأضاف حيدر في حديث لـ"الاستقلال" أن "هذين المسارين؛ أحدهما يمثل التفاوض الإيراني الأميركي، ومسار آخر يتمثل بالتفاوض اللبناني- الإسرائيلي برعاية الولايات المتحدة. بالتالي استمرار هذا السجال أدى إلى تعطل تطبيق الاتفاق المعلن عنه في واشنطن".

وأكد الخبير اللبناني، أن "هذا الاتفاق أساسا فيه الكثير من الضبابية لأن بنوده غير محددة ولا ينص على انسحاب إسرائيلي شامل مقابل تجريد حزب الله من سلاحه".

النقطة الأساسية في هذا السياق، وفقا للخبير اللبناني، هو أن "إسرائيل فرضت شروطا محددة في هذا الاتفاق، وبالتالي هذا كان يعكس موازين القوى وما وصل إليه لبنان من وضع سيئ جراء الدمار، ما يدل أن استمرار القتال في جنوب لبنان بمثابة انتحار فعلي أمام آلة الحرب الإسرائيلية".

ورأى حيدر أن "الطرف الأساسي المعطل للاتفاق هما الجانب الإسرائيلي الذي يستمر في عملياته العسكرية ويُصعّد ليس فقط ضد حزب الله وإنما ضد الدولة اللبنانية رغم توقيعها الاتفاق".

والطرف الثاني، طبقا للخبير اللبناني، هو "الجانب الإيراني الذي يريد سحب الملف اللبناني من مسار اتفاق واشنطن ليكون جزءا من أي معادلة ينتجها اتفاق إيراني أميركي، بالتالي هذا الضغط أيضا انعكس تصديا من حزب الله ورفضا لما أسماه املاءات أميركية محددة".

على أرض الواقع لا يوجد وقف إطلاق نار على جبهة جنوب لبنان، بل هناك تصعيد إسرائيلي كبير، وهناك موقف لحزب الله يرفض أي محاولة للدولة للعمل على وقف إطلاق النار، وفقا للخبير اللبناني.

ولفت إلى أن "الصراع بين المسارين بدأ ينعكس على الوضع اللبناني الداخلي بشكل عام، فهناك انقسام لبناني فعلي وحقيقي، ربما إسرائيلي وإيران يتحملان المسؤولية، كما أن الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية أيضا لعدم إعطاء ضمانات أو دعم فعلي للبنان حتى يتمكن من إما تطبيق الاتفاق أو اتخاذ إجراءات تتعلق بضبط الوضع الداخلي".

وأكد حيدر أن "هناك اصطفافات كبيرة ومخاوف فعلية من حصول صدامات في الداخل اللبناني، لكن ثمة اتصالات متعددة يعمل الجيش اللبناني من خلالها على محاولة استيعاب هذا الانقسام ومنع تحوله إلى مشكلة داخلية كبيرة تؤدي إلى صدامات مختلفة".

وأردف، أن "هناك ضغوطا كبيرة لكن لا يبدو أن الأمور تتجه لإسقاط الحكومة الحالية، خصوصا حزب الله اللبناني ما يزال جزء منها ووزراؤه يحضرون اجتماعاتها، حتى إن دعوات النزول للشارع لإسقاط الحكومة  التي أطلقها الحزب لم تأخذ طريقها للتنفيذ".

وخلص إلى أن "الوضع بالنسبة للحكومة باق في حالة جمود أمام التصعيد الكبير المتوقع في الجنوب اللبناني، لإعادة ترتيب معادلات ربما تكون تفرض من خلالها شروط على الدولة اللبنانية أكبر من التي طرحت في الاتفاق الذي جرى في واشنطن".

مشهد متشابك

وفي السياق ذاته، قال الكاتب اللبناني، محمد أيوب، خلال مقال نشره موقع "جنوبية" في 7 يونيو: إن لبنان يسعى منذ سنوات إلى تثبيت موقعه كدولة ذات قرار مستقل، قادرة على إدارة شؤونها الداخلية والخارجية بما يخدم مصالحها الوطنية بعيداً عن صراعات المحاور الإقليمية". 

وأشار إلى أن هذه المساعي قد ازدادت في المرحلة الأخيرة من خلال الاتصالات والتفاهمات غير المباشرة التي تجري بوساطة أميركية بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، بهدف تخفيف التوترات الأمنية وخلق مناخ يساعد على استعادة الاستقرار في الجنوب اللبناني".

وتابع: "إلا أن الواقع السياسي في المنطقة لا يزال أكثر تعقيداً من أن يسمح بفصل كامل بين الملفات المختلفة؛ فالتشابك القائم بين الأزمات الإقليمية يجعل من الصعب عزل أي ملف عن الآخر بصورة نهائية. ومن هنا تبرز أهمية قراءة بعض التطورات السياسية والعسكرية التي قد تحمل دلالات تتجاوز إطارها المباشر".

وبالتزامن مع ذلك، رأى الكاتب أن "زيارة قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل إلى باكستان ولقاءه قائد الجيش الباكستاني عاصم منير تكتسب أهمية خاصة، خصوصاً في ظل الدور الذي تؤديه باكستان في عدد من الاتصالات والمساعي المرتبطة بقضايا إقليمية حساسة".

وبطبيعة الحال، لا يمكن عدّ هذه الزيارة دليلا مباشرا على وجود ارتباط رسمي بين الملف اللبناني والملف الإيراني، كما لا يجوز تحميلها أكثر مما تحتمل من دلالات سياسية. إلا أنها تبقى مؤشرا على أن قضايا المنطقة لا تزال مترابطة، وأن مساراتها تتقاطع في أكثر من محطة، وفقا للكاتب.

وشدد الكاتب على أن لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية وارتباطه المباشر بما يجري حوله، لا يستطيع أن يكون بمنأى عن التحولات الإقليمية. كما أن أي تقدم أو تعثر في العلاقات بين القوى المؤثرة في المنطقة ينعكس، بصورة أو بأخرى، على الواقع اللبناني، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو الاقتصادي".

من هنا، يبدو أن الجهود الرامية إلى فصل المسار اللبناني عن المسارات الإقليمية الأخرى لم تبلغ بعد مرحلة الاستقلال الكامل. فهناك، بلا شك، محاولات جدية لتعزيز القرار الوطني اللبناني، إلا أن البيئة الإقليمية المتشابكة ما زالت تفرض حضورها وتأثيرها على مجريات الأحداث، طبقا للكاتب.

وأشار الكاتب اللبناني إلى أن "مستقبل الاستقرار في لبنان سيبقى مرتبطاً ليس فقط بالقرارات الداخلية، بل أيضا بمسار التفاهمات والتوازنات التي تشهدها المنطقة بأسرها". 

وتوصل إلى أنه "بين الرغبة اللبنانية في بناء مسار مستقل، وواقع الترابط القائم بين ملفات الشرق الأوسط، يبقى التحدي الأساسي هو كيفية حماية المصلحة الوطنية اللبنانية من تداعيات الصراعات الإقليمية، من دون تجاهل حقيقة أن لبنان لا يزال جزءاً من مشهد إقليمي شديد التشابك والتأثير".

وفي تطور من شأنه أن ينعكس على الملف اللبناني، نفذ الحرس الثوري الإيراني هجوما صاروخيا على إسرائيل في 7 يونيو، وذلك تنفيذا لتهديده السابق بأنه في حال أقدم الاحتلال على قصف الجنوب اللبناني.

وعلى الطرف الآخر، ردت إسرائيل على القصف الإيراني، بتنفيذ هجوم جوي واسط على إيران في 8 يوينو، وذلك بعد هدنة استمرت 60 يوما بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلا أن أميركا لم تدخل حتى الآن في الحرب الجديدة، حيث دعا رئيسها دونالد ترامب الطرفين للتهدئة.