بين اللامركزية وشبح التقسيم.. لماذا أثار "إقليم المنطقة الوسطى" كل هذا الجدل في ليبيا؟

شدوى الصلاح | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بينما تكافح ليبيا لرأب تصدعات مؤسساتها المنقسمة واستعادة مسارها السياسي المتعثر، أعاد الإعلان عن تأسيس "إقليم المنطقة الوسطى" إلى واجهة المشهد الليبي أحد أكثر الملفات حساسية منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، وهو ملف العلاقة بين اللامركزية الإدارية والوحدة الوطنية.

فالإعلان الذي قُدم باعتباره إطاراً تنموياً وخدمياً للتنسيق بين عدد من البلديات، فتح في الوقت ذاته نقاشاً واسعاً بشأن مستقبل الإدارة المحلية في البلاد وحدود صلاحياتها، وأثار مخاوف سياسية من أن يتحول إلى خطوة تمهد لإعادة إنتاج الانقسامات الجهوية في دولة لا تزال تعاني أزمة شرعية سياسية وانقساماً مؤسسياً ممتداً منذ سنوات.

وفي 8 يونيو/حزيران 2026، أعلنت تسع بلديات في المنطقة الوسطى الليبية، هي مصراتة وبني وليد وترهونة وزليتن والخمس ومسلاتة وقصر الأخيار وتينيناي والمردوم، تأسيس كيان إداري وتنموي جديد تحت مسمى "إقليم المنطقة الوسطى"، بهدف تعزيز التنمية المحلية وتحسين الخدمات العامة وتنسيق الجهود المشتركة بين البلديات المشاركة.

وجاء الإعلان عبر بيان موحد نشرته المجالس البلدية المعنية على منصاتها الرسمية، أكدت فيه أن المبادرة تمثل إطاراً استراتيجياً للتكامل الخدمي والتنموي، وأنها لا تحمل أي أبعاد سياسية أو جهوية، بل تستهدف بناء شراكات أوسع وتفعيل التعاون بين البلديات بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات وتحسين جودة الحياة للمواطنين.

وبحسب القائمين على المبادرة، فإن الإقليم المقترح يهدف إلى إيجاد آلية أكثر فاعلية للتنسيق بين البلديات، وتوحيد الجهود في تنفيذ مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية، فضلاً عن الدفع باتجاه نقل مزيد من الصلاحيات من السلطة المركزية إلى الإدارات المحلية، بما يخفف من التعقيدات البيروقراطية ويعزز قدرة البلديات على الاستجابة لاحتياجات السكان.

ويرى مؤيدو المشروع أن المركزية الشديدة التي هيمنت على إدارة الدولة الليبية لعقود طويلة كانت سبباً رئيسياً في تعثر التنمية وتفاوت الخدمات بين المناطق، وأن منح السلطات المحلية أدواراً أوسع أصبح ضرورة ملحة لمعالجة الاختلالات المتراكمة.

غير أن الإعلان لم يُقرأ في السياق الإداري والتنموي فقط، بل جاء في لحظة سياسية شديدة التعقيد، دفعت كثيرين إلى النظر إليه من زاوية أوسع تتعلق بمستقبل الدولة الليبية نفسها.

فالبلاد تعيش منذ سنوات حالة من الانقسام السياسي والمؤسسي، مع وجود سلطات متنافسة في الشرق والغرب، وتعثر المسارات الانتخابية، وفشل الجهود المحلية والدولية في التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة. وفي ظل هذا الواقع، اكتسب أي تحرك ذي طابع إقليمي أو جهوي حساسية مضاعفة، خاصة في بلد لا تزال فيه مسألة توزيع السلطة والثروة من أكثر القضايا إثارة للجدل.

وتزداد أهمية هذا الجدل بالنظر إلى الخلفية التاريخية للدولة الليبية. فقبل الاستقلال عام 1951 كانت البلاد تتكون من ثلاثة أقاليم رئيسية هي طرابلس وبرقة وفزان، وقد اعتمد النظام الاتحادي في السنوات الأولى للاستقلال قبل أن يتم إلغاؤه عام 1963 لصالح الدولة الموحدة.

ورغم مرور أكثر من ستة عقود على ذلك التحول، فإن النقاش حول شكل الدولة ونظام الحكم لم يتوقف، بل عاد بقوة بعد عام 2011 مع تصاعد الدعوات إلى توسيع صلاحيات السلطات المحلية وتحقيق توزيع أكثر عدالة للموارد والثروة بين مختلف المناطق.

وخلال السنوات الماضية، شهدت ليبيا بروز حركات وتيارات طالبت بصيغ مختلفة من اللامركزية أو الفيدرالية، خصوصاً في شرق البلاد وجنوبها، حيث اشتكت قطاعات واسعة من السكان من التهميش وضعف الخدمات وعدم حصول مناطقهم على نصيب عادل من عائدات النفط ومشاريع التنمية.

كما برزت دعوات متكررة لإعادة النظر في نمط إدارة الدولة، بما يضمن مشاركة أكبر للمناطق في صنع القرار الاقتصادي والتنموي. ومن هذا المنطلق، رأى البعض في إعلان "إقليم المنطقة الوسطى" امتداداً لهذا المسار، حتى وإن حاول القائمون عليه تقديمه بوصفه مشروعاً خدمياً وتنموياً بحتاً.

وزادت حساسية الخطوة بسبب غياب أساس دستوري أو قانوني واضح لإنشاء أقاليم جديدة. فالمعارضون للمبادرة يشيرون إلى أن قانون الإدارة المحلية رقم 59 لسنة 2012 حدد اختصاصات البلديات وآليات عملها، من دون أن يمنحها صلاحية إنشاء أقاليم أو كيانات إدارية عليا.

ولذلك اعتبروا أن الإعلان يتجاوز الأطر القانونية القائمة، وقد يفتح الباب أمام مبادرات مشابهة في مناطق أخرى، بما يخلق واقعاً إدارياً وسياسياً جديداً خارج مؤسسات الدولة المركزية.

ولم يقتصر الجدل على الأوساط السياسية والقانونية، بل امتد إلى الشارع الليبي نفسه. فقد شهدت مدينتا بني وليد وترهونة احتجاجات رافضة لانضمام بلديتيهما إلى الإقليم الجديد، حيث اعتبر محتجون أن القرار اتُّخذ من دون استشارة كافية للسكان أو الحصول على تفويض شعبي واضح.

وأظهرت مقاطع مصورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي وقفات احتجاجية وهتافات معارضة للمشروع، ما عكس حجم الانقسام الذي أثاره الإعلان حتى داخل بعض المدن المشاركة فيه.

في المقابل، دافع مؤيدون عن المبادرة باعتبارها محاولة مشروعة لمعالجة مشكلات مزمنة تعانيها البلديات الليبية، مؤكدين أن المشروع لا يستهدف إنشاء كيان سياسي موازٍ للدولة أو المساس بوحدتها، بل يسعى إلى تطوير آليات التعاون بين البلديات وتحسين قدرتها على تنفيذ المشاريع التنموية. 

كما استند بعضهم إلى تجارب دولية وإقليمية نجحت في توظيف الأقاليم التخطيطية والإدارية لتحقيق تنمية متوازنة من دون أن يؤثر ذلك على وحدة الدولة أو تماسكها السياسي.

وبين هذين الموقفين المتعارضين، يبرز سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الأزمة الليبية نفسها. فالكثير من المراقبين يرون أن الجدل الدائر حول "إقليم المنطقة الوسطى" لا ينفصل عن أزمة أعمق تتعلق بغياب الدولة الموحدة القادرة على إدارة التنوع الجغرافي والديموغرافي والاقتصادي للبلاد.

فمع استمرار الانقسام السياسي وتراجع فاعلية المؤسسات المركزية، باتت المناطق والبلديات تبحث عن صيغ بديلة تمكنها من مواجهة التحديات اليومية المرتبطة بالخدمات والبنية التحتية والتنمية، الأمر الذي يفسر تنامي المبادرات المحلية خلال السنوات الأخيرة.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن إعلان تأسيس "إقليم المنطقة الوسطى" تجاوز كونه مجرد مبادرة إدارية أو تنموية، ليصبح محطة جديدة في النقاش المستمر حول مستقبل الحكم في ليبيا.

فبين من يراه خطوة ضرورية نحو اللامركزية وتحسين الخدمات، ومن يعتبره مدخلاً لتكريس الانقسام وإضعاف الدولة المركزية، تتجدد الأسئلة القديمة بشأن الكيفية التي يمكن من خلالها تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية المحلية والحفاظ على وحدة البلاد، وبين الحاجة إلى توزيع الصلاحيات والموارد بصورة أكثر عدالة وبين مخاوف الانزلاق نحو مشاريع جهوية قد تعمق الانقسامات القائمة. وهي أسئلة لا يبدو أن ليبيا تملك حتى الآن إجابات حاسمة عنها، في وقت تواصل فيه البحث عن مخرج من واحدة من أكثر أزماتها السياسية تعقيداً منذ أكثر من عقد.

ووثقت مقاطع متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي وقفة حاشدة في مدينة بني وليد أمام مقر المجلس البلدي، حيث ردد المحتجون هتافات رافضة للقرار، وأقدم بعضهم على إغلاق باب المقر باللحام في رسالة احتجاجية واضحة.

وفي مدينة ترهونة، نظم ليبيون وقفة احتجاجية أمام مقر المجلس البلدي، وأقدموا على وضع أكوام من التراب أمام باب المقر، تعبيرا رمزيا عن رفضهم القاطع للانضمام إلى الإقليم المعلن، كما أظهرت المقاطع حشودا من الليبيين وهم يعبرون بأصوات عالية عن معارضتهم للقرار الذي اتخذه المجلس من دون الرجوع إليهم.

وفي سياق موجة الرفض، حذر رئيس الحزب الديمقراطي الليبي محمد صوان من طرح قضايا جدلية جديدة "لتأزيم الوضع أكثر مما هو متأزم"، مشيرا إلى أن البلاد تحتاج إلى "تقريب وجهات النظر والانصراف إلى القضايا الكبرى قبل فوات الأوان".

ورفض أستاذ العلاقات الدولية بجامعة تكساس إبراهيم هيبة وجود ما يسمى "إقليم الوسط" أصلا، مؤكدا أن ليبيا تاريخيا تتكون من 3 أقاليم رئيسية هي برقة وفزان وطرابلس، معتبرا الدعوة إلى استحداث إقليم رابع "محاولة لخلط الأوراق وإدخال البلاد في فتنة سياسية جديدة".

ورأى الناشط مبروك السويح أن فكرة "الإقليم الرابع" تطفو على السطح كلما دخلت البلاد في حالة انسداد سياسي، محذرا من أخطار التقسيم التي قد تنطوي عليها.

في المقابل، رأى الناشط عيسى التويجر أن قانون الإدارة المحلية رقم 59 لسنة 2012 يجيز لعدد من المحافظات تشكيل إقليم اقتصادي تخطيطي وتنموي، لا سياسي، مشيرا إلى أن ليبيا مقسمة فعليا منذ عام 1985 إلى 4 أقاليم تخطيطية، واعتبر الفكرة إيجابية شريطة ألا يكون لها أي دور سياسي أو طابع إداري مستقل.

وفي السياق ذاته، استحضر عميد بلدية تاجوراء السابق حسين عطية تجارب دولية ناجحة في الحكم الإقليمي، مثل مقاطعة كولومبيا في الولايات المتحدة، وإقليم العاصمة الفدرالية أبوجا في نيجيريا، وإقليم بروكسل في بلجيكا، وإقليم القاهرة الكبرى في مصر، مؤكدا أن كثيرا من التجارب الإيجابية في الإدارة المحلية يمكن تطبيقها في أي دولة شريطة أن تخضع للقوانين المعمول بها.

 

وبرزت على منصات التواصل الاجتماعي حالة من الانقسام الحاد بين تيارين الأول يدافع عن إعلان تأسيس هذا الكيان ويرى في الخطوة انتفاضة إدارية مستحقة لكسر مركزية العاصمة الخانقة وتحقيق تنمية محلية عادلة استناداً إلى القوانين المنظمة للحكم المحلي.

فيما أعرب التيار الثاني عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس"، "فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #ليبيا، #مصراتة، #إقليم_المنطقة_الوسطى، عن رفضهم القاطع ومخاوفهم من الإعلان.

وعد ناشطون استحداث إقليم رابع يهدد الهوية التاريخية الثلاثية المستقرة لليبيا (طرابلس، برقة، وفزان)، ويفتح الباب أمام تشظي البلاد وتعميق انقسامها المؤسساتي تحت غطاء خدمي.

رفض واسع

وأعرب ناشطون عن رفضهم القاطع لتأسيس "إقليم رابع" في ليبيا وذلك ي سياق مخاوف واسعة من أن يؤدي الإعلان إلى تقسيم إضافي للبلاد، وتعميق الانقسامات المناطقية والقبلية، وإضعاف الدولة المركزية في ظل الأزمة السياسية المستمرة. 

ورأوا أنها خطوة تثير الفتنة وتعيد إحياء أفكار الفيدرالية بطريقة غير دستورية، خاصة مع احتجاجات في مدن مثل بني وليد وترهونة، وتصريحات سياسية تحذر من "أقلمة الدولة" وفتح الباب لمطالب مناطقية أخرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تأييد وترحيب

في المقابل، أعرب ناشطون عن تأييدهم لإعلان "إقليم الوسطى"، معتبرين إياه خطوة إيجابية نحو التنمية المحلية والإدارة اللامركزية، وحل عملي لتجاوز الإهمال المركزي، وتعزيز التنسيق بين البلديات في مجالات الخدمات والمشاريع التنموية، مع الحفاظ على وحدة ليبيا. 

ودافعوا عن الإعلان عن الإقليم الرابع بأنه لا يهدف إلى التقسيم السياسي أو الفيدرالية الكاملة، بل إلى إطار إداري يُمكّن المنطقة من إدارة مواردها وتحسين الخدمات في ظل فشل المؤسسات المركزية، خاصة مع وجود أقاليم أخرى فعلية (برقة وفزان).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جدل قانوني

وأثار الحدث جدلاً قانونياً واسعاً وطرح ناشطون ومحللون تساؤلات حول مشروعيته، فيما قد آخرون تحليلات تؤكد عدم دستورية الخطوة وتتساءل عن دوافعها وتوضح المرجعية التاريخية لليبيا، محذرين من أنها قد تفتح الباب لإعلانات مشابهة في مناطق أخرى، مما يعمق التشظي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وبرزت تفسيرات سياسية تربط الإعلان بنفوذ شخصيات أو أطراف معينة (مثل ارتباط بمصراتة أو رئيس الوزراء الليبي عبدالحميد الدبيبة)، مع اتهامات بأنه "مناورة" للتموضع في أي حوار مستقبلي وتقسيم الميزانية وتقاسم الثروات.