مشروع كوشنر يشعل ألبانيا.. احتجاجات بيئية أم رفض لنفوذ عائلة ترامب؟

شدوى الصلاح | منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

لم تكن آلاف الأقدام التي ملأت شوارع العاصمة الألبانية تيرانا احتجاجاً على مشروع سياحي فخم مجرد تعبير عن غضب بيئي أو خلاف محلي حول استثمار عقاري، بل بدت وكأنها مواجهة متأخرة مع نموذج سياسي واقتصادي ارتبط خلال السنوات الأخيرة باسم جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرجل الذي لعب دوراً محورياً في هندسة "صفقة القرن" ومشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط اقتصادياً وسياسياً.

فبينما يرفع المحتجون الألبان شعارات "ألبانيا ليست للبيع"، يستحضر كثيرون في العالم العربي ذاكرة المشاريع التي طُرحت تحت عناوين التنمية والاستثمار، لكنها ارتبطت في نظر منتقديها بمحاولات إعادة هندسة الجغرافيا السياسية والديموغرافية للمنطقة.

لذلك لم يعد الجدل الدائر حول منتجعات فاخرة على ساحل البحر الأدرياتيكي شأناً ألبانياً خالصاً، بل تحول إلى قضية تتقاطع مع أسئلة أوسع تتعلق بالسيادة الوطنية، واستغلال النفوذ السياسي، وتحويل الأراضي ذات القيمة التاريخية أو البيئية إلى مشاريع استثمارية ضخمة تقودها دوائر مرتبطة مباشرة بمراكز القرار في واشنطن.

وتشهد ألبانيا منذ أسابيع احتجاجات واسعة ضد مشروع سياحي تصل قيمته إلى نحو 1.4 مليار يورو تقوده شركة "أفينيتي بارتنرز" المملوكة لكوشنر، ويستهدف تطوير جزيرة سازان وأجزاء من شبه جزيرة زفيرنيك ومحمية فيوسا-نارتا الطبيعية على ساحل البحر الأدرياتيكي.

ويقول المعارضون إن المشروع يهدد واحدة من أهم المناطق البيئية في جنوب أوروبا، ويضع مصالح المستثمرين فوق اعتبارات البيئة والتراث الوطني.

لكن ما منح الاحتجاجات زخماً استثنائياً لم يكن الجانب البيئي وحده، بل هوية المستثمر نفسه. فجاريد كوشنر ليس مجرد رجل أعمال أميركي يسعى إلى توسيع استثماراته الخارجية، بل أحد أبرز مهندسي السياسات الشرق أوسطية خلال الولاية الأولى لترامب.

وقد ارتبط اسمه بخطة "السلام من أجل الازدهار" المعروفة إعلامياً بـ"صفقة القرن"، التي حاولت تقديم مقاربة اقتصادية للقضية الفلسطينية تقوم على ضخ استثمارات بمليارات الدولارات مقابل تسويات سياسية اعتبرها الفلسطينيون انتقاصاً من حقوقهم الوطنية.

ومنذ ذلك الوقت، ارتبط اسم كوشنر بفكرة استخدام المشاريع الاقتصادية كمدخل لإعادة صياغة النزاعات السياسية. ففي عام 2019 روج خلال مؤتمر المنامة الاقتصادي لرؤية تقوم على استثمارات تتجاوز 50 مليار دولار في الأراضي الفلسطينية والدول المجاورة، باعتبارها مفتاحاً لتحقيق السلام والاستقرار. إلا أن الخطة قوبلت برفض فلسطيني واسع، باعتبارها محاولة لاستبدال الحقوق السياسية بحوافز اقتصادية.

ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع 2025، عاد اسم كوشنر مجدداً إلى الواجهة، خصوصاً مع تصاعد الحديث داخل الأوساط الأميركية والإسرائيلية عن مشاريع إعادة إعمار غزة بعد الحرب، وعن تحويل أجزاء من القطاع إلى مناطق استثمارية وسياحية وتجارية ضخمة. ورغم عدم الإعلان رسمياً عن تبني هذه الطروحات، فإن مجرد تداولها أعاد إلى الأذهان فلسفة "السلام الاقتصادي" التي ارتبطت بكوشنر خلال السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، ينظر كثير من المراقبين إلى الاحتجاجات الألبانية باعتبارها أكثر من مجرد معركة دفاع عن طيور الفلامنغو أو المحميات الطبيعية، بل اختباراً لمدى قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة مشاريع ضخمة مدعومة برؤوس أموال وشبكات نفوذ سياسية عابرة للحدود.

وتضم محمية فيوسا-نارتا، إحدى المناطق المستهدفة بالمشروع، نظاماً بيئياً فريداً يعد موطناً لآلاف الطيور المهاجرة، وفي مقدمتها طيور الفلامنغو الوردية، إضافة إلى أنواع نادرة من السلاحف والثدييات البحرية.

ويحذر ناشطون بيئيون من أن إقامة منتجعات ضخمة ومرافئ سياحية ومرافق فندقية في المنطقة قد يؤدي إلى تدمير توازن بيئي تشكل عبر عقود طويلة.

وقد تصاعد الغضب الشعبي بعدما بدأت أعمال ميدانية شملت إزالة أجزاء من الكثبان الرملية وقطع أشجار الصنوبر في بعض المناطق، بالتزامن مع تصريحات لإيفانكا ترامب، ابنة الرئيس الأميركي وزوجة كوشنر، تحدثت فيها عن اكتشاف الجزيرة خلال رحلة بحرية خاصة.

ورأى كثير من الألبان في تلك التصريحات دليلاً على الطريقة التي يجري بها التعامل مع أراضيهم باعتبارها فرصة استثمارية متاحة للأثرياء والنخب السياسية العالمية.

ورغم إعلان الحكومة الألبانية تعليق بعض الإجراءات مؤقتاً لإعادة تقييم الأثر البيئي، فإن رئيس الوزراء إيدي راما لا يزال يتمسك بالمشروع، معتبراً أنه فرصة تاريخية لتحويل بلاده إلى وجهة سياحية عالمية واستقطاب مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية. كما اتهم خصومه السياسيين باستغلال اسم ترامب وكوشنر لتأجيج الجدل الداخلي.

غير أن المعارضين يرون أن القضية تتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة، وتتعلق بمستقبل السيادة على الموارد الطبيعية والأراضي العامة. ويؤكدون أن التنمية لا يمكن أن تتحقق عبر تحويل المحميات الطبيعية والمناطق التاريخية إلى مشاريع مغلقة تخدم النخب المالية العالمية على حساب المجتمعات المحلية.

ولهذا السبب، تحولت "ثورة الفلامنغو" كما باتت تعرف في وسائل الإعلام الألبانية، إلى رمز لصراع أوسع بين منطق الاستثمار العابر للحدود ومنطق الدفاع عن الأرض والهوية والموارد الوطنية. وهو صراع يجد صداه اليوم في مناطق عديدة من العالم، من سواحل البحر الأدرياتيكي إلى شواطئ غزة، حيث لا تزال الأسئلة نفسها مطروحة: من يملك الأرض؟ ومن يقرر مصيرها؟ وهل يمكن تحويل الحقوق والسيادة إلى مشاريع استثمارية مهما بلغت قيمتها المالية؟

الولاء للأرض

وأبدى ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي إعجابهم الشديد بوعي الشعب الألباني ونضجه السياسي الرافض للتفريط في مقدراته وأرضه والمناهض للاستقواء بالخارج، وتداولوا بقوة مقاطع فيديو وصور تظهر حجم الانتفاضة الشعبية الرافضة لكوشنر واستثماراته.

وأشادوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس"، "فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #ألبانيا، #جاريد_كوشنر، #إيفانكا، وغيرها، باستقلالية القرار الشعبي الألباني وقدرة الألبانيين على التعبير عن غضبهم ضد المشاريع الاستعمارية المرتبطة بمصالح خارجية وتمسكهم بسيادة بلادهم وأرضهم وعدم التفريط بمقدراتهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

انتصار شعبي

واحتفى إعلاميون وناشطون بتجميد الحكومة الألبانية العمل بالمشروع مؤقتا لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد وضغوط المنظمات البيئية، عادين هذا التطور دليل قوة الضغط الشعبي وقدرة المواطنين على إجبار الحكومات على التراجع أمام مطالب الشارع والرضوخ لمطالبه.

ونظروا إلى هذا التوجه كانتصار لـ"الثورة الشعبية" أو "ثورة الفلامنجو" داعين الألبانيين لأخذ العبرة من الثورات العربية والتمسك بمطالبهم، مشيرين إلى أن ذلك مثالا ملهما على أن الوحدة الشعبية والمرابطة في الشوارع يمكن أن توقف "مشاريع الاحتلال أو البيع" للأراضي الوطنية، ويربطونه بقضايا سيادية وبيئية أوسع.

ورأى ناشطون أن ما حدث رسالة للشعوب الأخرى بأن الضغط الجماهيري فعال ضد النخب والاستثمارات الأجنبية المثيرة للجدل، مؤكدين أن شعار "ألبانيا ليست للبيع" يجب أن يكون شعاراً لكل الشعوب العربية التي تواجه تفريطاً في أصولها الوطنية بذريعة الأزمات الاقتصادية وجذب الاستثمار الأجنبي.

كما برزت نقاشات حول سياسات الخصخصة التي تتبعها بعض الحكومات في المنطقة؛ وعقد المغردون مقارنات مباشرة بين موافقة تيرانا على صفقات كوشنر، وبين قيام حكومات عربية ببيع أراض ساحلية ومحميات وجزر تاريخية لمستثمرين أجانب وصناديق سيادية عابرة للحدود.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

درس للشعوب

وحث ناشطون الشعوب العربية والإسلامية على الاستفادة من "درس الألبان" في التمسك بالأرض والرفض الجماعي لأي صفقات تُفسر على أنها بيع السيادة أو السماح بمواطئ قدم لمصالح صهيونية تحت غطاء الاستثمار، مستنكرين كل مظاهر تفريط الحكومات العربية في الأرض لصالح الغرب.

وأكدوا أن التجربة الألبانية نموذجاً ملهماً لرفض التغول الرأسمالي على حساب الأوطان، داعين الحكومات العربية لوقف كافة الاستثمارات الأجنبية الاستعمارية التي تستهدف السيطرة على مقدراتهم وأرضهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شبكات النفوذ العابرة للحدود

وقدم باحثون ومحللون سياسيون وجيوسياسيون تحليلات معمقة للأحداث الجارية في ألبانيا، وأسباب ثورة الشعب الألباني ووعيه بحقيقة أهداف الاحتلال الإسرائيلي التي يحاول تحقيقها عن طريق كوشنر، وتداعيات الأحداث على منطقة الشرق الأوسط، وما تكشفه عن شبكات النفوذ العابرة للحدود.

وتركزت على رفض بيع الأراضي الوطنية لمستثمرين أجانب، واتهامات بالفساد والتواطؤ الحكومي، إلى جانب تداعياتها الإقليمية المحتملة على الاستقرار في البلقان، ونموذج المقاومة الشعبية للمشاريع الاستثمارية المثيرة للجدل، وتأثيرها على العلاقات الألبانية-الأوروبية والدولية.