اعتقال "فتوة" السيسي.. هل بدأت تصفية البلطجية داخل المنظومة الانقلابية في مصر؟

شدوى الصلاح | منذ شهرين

12

طباعة

مشاركة

في الأنظمة التي تصنع أدواتها السياسية والأمنية خارج الأطر الرسمية ثم تتخلص منها عندما تنتهي الحاجة إليها، تبدو قصة رجل الأعمال المصري صبري نخنوخ نموذجاً لافتاً لهذه المعادلة.

فالرجل الذي ارتبط اسمه لعقود بعالم "البلطجة المنظمة" وشبكات النفوذ غير الرسمية، عاد إلى صدارة المشهد مجدداً بعد القبض عليه مطلع يونيو/حزيران 2026، في واقعة أعادت فتح ملفات قديمة تتعلق بعلاقته بالأجهزة الأمنية، ودوره في الحياة السياسية المصرية منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وحتى سنوات حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي.

ورغم أن القضية الحالية تبدو ظاهرياً مجرد خلاف مالي تحول إلى مشاجرة عنيفة، فإنها سرعان ما تحولت إلى حدث سياسي وإعلامي واسع، بسبب الشخصية المثيرة للجدل التي تقف في مركزها، والتاريخ الطويل الذي يحمله نخنوخ باعتباره أحد أشهر رجال النفوذ غير الرسمي في مصر.

في الثاني من يونيو/حزيران 2026، ألقت الأجهزة الأمنية المصرية القبض على صبري نخنوخ وشقيقه ونجل شقيقه المعروف باسم "جون"، إلى جانب عدد من معاونيهم داخل معرض سيارات فاخر بمنطقة التجمع الخامس في القاهرة الجديدة.

وأمرت جهات التحقيق بحبس نخنوخ وشقيقه ورجل الأعمال أحمد الحداد، زوج الفنانة هاجر أحمد، إضافة إلى خمسة متهمين آخرين، على ذمة التحقيقات.

وبحسب ما تداولته وسائل إعلام محلية، فإن الواقعة بدأت بسبب خلاف مالي كبير مرتبط بصفقة بيع وشراء فيلا بمنطقة الساحل الشمالي، قبل أن يتطور الخلاف إلى مشاجرة عنيفة صاحبتها اتهامات باستعراض القوة والبلطجة والسرقة بالإكراه والتعدي على أشخاص وتحطيم كاميرات المراقبة وممتلكات خاصة.

ورغم الطابع الجنائي للقضية، فإن اسم نخنوخ كان كافياً لتحويلها إلى مادة للنقاش العام، نظراً إلى رمزيته داخل ما يعرف في مصر بـ"عالم البلطجة المنظمة".

إمبراطورية نخنوح

ولد صبري نخنوخ عام 1963 في حي السبتية بالقاهرة، لأسرة تعمل في تجارة الخردة. وبدأ حياته العملية في المجال نفسه إلى جانب إخوته، قبل أن ينتقل تدريجياً إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ.

وخلال سنوات الثمانينيات والتسعينيات، توسع نشاطه بصورة لافتة، مستفيداً من شبكات اجتماعية وأمنية معقدة، ليصبح أحد أبرز الأسماء المرتبطة بتوفير مجموعات الحراسة الخاصة وفرض النفوذ في عدد من المناطق.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه الشبكات إلى ما يشبه مؤسسة غير رسمية قادرة على توفير خدمات متعددة، من الحراسة الخاصة إلى الحشد والتأمين والتدخل في النزاعات، الأمر الذي أكسبه نفوذاً واسعاً داخل دوائر المال والأعمال.

ولم يقتصر حضوره على المجال الاقتصادي، بل امتد إلى المجال السياسي، حيث ارتبط اسمه لسنوات طويلة بملف الانتخابات البرلمانية والمحلية، وهي المرحلة التي شهدت انتشاراً واسعاً لاستخدام البلطجية في التأثير على الناخبين أو حماية مصالح شخصيات نافذة.

موقعة الجمل

يظل اسم نخنوخ مرتبطاً لدى كثير من المصريين بأحداث "موقعة الجمل"، التي تعد من أبرز المحطات الدامية خلال ثورة 25 يناير 2011.

ففي الثاني من فبراير/شباط من ذلك العام، تعرض المعتصمون في ميدان التحرير لهجوم عنيف نفذه مئات الأشخاص باستخدام الجمال والخيول والعصي والأسلحة البيضاء والحجارة وقنابل المولوتوف، في محاولة لفض الاعتصام وإجبار المحتجين على الانسحاب من الميدان.

وأسفرت المواجهات عن سقوط قتلى ومئات الجرحى، لتتحول إلى واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في مسار الثورة المصرية.

ومنذ ذلك الحين، ترددت اتهامات عديدة بشأن دور نخنوخ وشبكاته في تجنيد أو تنظيم بعض المشاركين في الهجوم، بحكم نفوذه المعروف في عالم البلطجة والحشد غير الرسمي.

وفي عام 2012، خضع لتحقيقات قضائية بشأن تلك الاتهامات، لكنه نفى أي علاقة له بالأحداث، مؤكداً أنه كان يخضع لعملية جراحية وقت وقوعها، وقدم وثائق طبية لدعم روايته.

ورغم عدم صدور أحكام تدينه في هذا الملف، فإن صورته العامة ظلت مرتبطة لدى قطاع واسع من المصريين بمشهد البلطجية الذين ظهروا خلال تلك الأحداث.

وفي أغسطس/آب 2012، تعرض نخنوخ لأكبر ضربة في مسيرته، بعدما ألقي القبض عليه ووجهت إليه اتهامات بحيازة أسلحة نارية وذخائر ومواد مخدرة وحيوانات مفترسة بدون تراخيص، فضلاً عن اتهامات تتعلق بتزوير محررات رسمية.

وأصدرت المحاكم المصرية أحكاماً قاسية بحقه وصلت إلى عشرات السنوات من السجن، في قضية اعتبرها البعض آنذاك مؤشراً على رغبة السلطة الجديدة بعد الثورة في تفكيك شبكات النفوذ القديمة.

لكن المشهد تغير لاحقاً بصورة لافتة.ففي عام 2018 حصل نخنوخ على عفو رئاسي، ليغادر السجن ويعود تدريجياً إلى عالم الأعمال والنفوذ، قبل أن ينجح في استعادة جزء كبير من حضوره الاقتصادي خلال السنوات التالية.

وأثارت عودته تساؤلات عديدة حول طبيعة التحولات التي شهدتها علاقته بمراكز القوة داخل الدولة، خاصة أنه لم يعد مجرد رجل أعمال، بل أصبح مرتبطاً بقطاع أمني شديد الحساسية.

"فالكون".. من شركة حراسة إلى قوة موازية

بعد خروجه من السجن، برز اسم نخنوخ مجدداً من خلال ارتباطه بشركة "فالكون" للحراسات والخدمات الأمنية، وهي واحدة من أكبر شركات الأمن الخاص في مصر.

ويرى منتقدون أن توسع نشاط الشركة منحها نفوذاً استثنائياً يتجاوز الدور التقليدي لشركات الحراسة الخاصة، خصوصاً مع انتشارها في الجامعات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى والمناسبات العامة.

كما أثار إعلان الشركة دعمها لترشح الرئيس عبد الفتاح السيسي لفترة رئاسية جديدة جدلاً واسعاً، إذ اعتبره البعض دليلاً على تداخل المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية في آن واحد.

وبالنسبة لمنتقدي النظام، أصبحت "فالكون" رمزاً لما يصفونه بوجود أذرع أمنية موازية تعمل بالتنسيق مع الدولة، لكنها تبقى خارج الإطار المؤسسي التقليدي للأجهزة الأمنية الرسمية.

يرى مراقبون أن القضية الحالية تتجاوز حدود الخلاف المالي الذي تتحدث عنه الرواية الرسمية.

فالرجل الذي نجح في العودة من السجن إلى دائرة النفوذ والأعمال خلال سنوات قليلة، وجد نفسه فجأة مرة أخرى في مواجهة اتهامات جنائية ثقيلة.

وهذا التطور أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة وشخصيات النفوذ غير الرسمي التي لعبت أدواراً مختلفة عبر العقود الماضية.

ففي كثير من الأحيان، تعتمد الأنظمة السياسية على وسطاء وشبكات محلية للقيام بأدوار يصعب تنفيذها بصورة مباشرة، لكنها تحرص في الوقت ذاته على عدم السماح لهذه الشبكات بالتحول إلى مراكز قوة مستقلة أو منافسة.

ومن هذا المنظور، تبدو قضية نخنوخ مثالاً جديداً على هشاشة العلاقة بين السلطة والأدوات التي تستخدمها، إذ يمكن أن تنتقل هذه الأدوات من موقع الحماية والرعاية إلى موقع الملاحقة والمحاسبة بمجرد تغير الظروف أو موازين القوة.

وسواء انتهت قضية صبري نخنوخ بإدانته أو تبرئته، فإنها أعادت إحياء نقاش واسع حول ظاهرة البلطجة المنظمة وعلاقتها بالسلطة والنفوذ في مصر. فالرجل الذي لقب لسنوات بـ"أمير البلطجية" أو "وزير الداخلية الموازي" يمثل بالنسبة لكثيرين تجسيداً لمرحلة كاملة من تداخل المال والقوة والأمن والسياسة.

واليوم، بينما يقف مجدداً أمام جهات التحقيق، تبدو قصته أكثر من مجرد قضية جنائية؛ إنها قصة صعود وسقوط شخصية صنعت نفوذها في المناطق الرمادية بين الدولة والعالم غير الرسمي، قبل أن تجد نفسها مرة أخرى في مواجهة النظام الذي ارتبط اسمها به لسنوات طويلة.

 

نهاية الخدمة

ورأى ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي أن اعتقال نخنوخ "جائزة نهاية الخدمة" لأداة استخدمها النظام ثم تخلص منها، وربطوه مباشرة بالسيسي كدليل على "صناعة البلطجية الرسمية" واستخدامها في قمع المعارضة أو تأمين المصالح، مؤكدين أن القضية أكبر من خلاف مالي.

وتحدثوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس"، "فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #صبري_نخنوخ، #البلطجة_المقننة، #نخنوخ، #السيسي، وغيرها عن وجود صراعات داخلية بين نخنوخ وشخصيات أخرى نافذة أو خلافات على صفقات مالية كبرى.

وكتب ناشطون أن "النظام يصنع نخنوخ ويستخدمه، ثم يرميه عندما يزعج"، معتبرين القبض "رسالة ترهيب لكل الأدوات القديمة"، بعضهم سخر من "هيبة الدولة" التي "تنام على إمبراطورية إجرامية وتصحو على خناقة سيارات".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جرائم نخنوخ

وخصص ناشطون منشوراتهم للتعريف بشخصية نخنوخ مع التركيز على نشأته كابن تاجر خردة في منطقة السبتية بالقاهرة، ومسيرته التي ارتبطت باتهامات بالبلطجة والأعمال غير الأخلاقية والإجرامية، ودوره المثير للجدل في بعض الأحداث الاجتماعية والسياسية على مر السنين، متسائلين عن أسباب ثراءه الفاحش.

 

 

 

 

 

دفاع وتلميع

ودافع بعض مؤيدي نظام السيسي عن اعتقال نخنوخ بقوة، معتبرينه دليلاً على "لا أحد فوق القانون" و"تطبيق سيادة الدولة حتى على الأقوياء"، ووصف آخرون نخنوخ بـ"ابن البلد" الذي وقع ضحية خلاف تجاري، مطالبين بإطلاق سراحه ومتهمين الإعلام الرسمي بـ"تشويه الرجال الشرفاء".

 

 

 

 

 

 

 

القانون غائب

في المقابل، استنكر ناشطون بقوة هذا التوجه والدفاع عن نخنوخ وعملية تلميع النظام وشرعنة البلطجية، وزعم تطبيق القانون، وذكروا بجرائم نخنوخ السابقة واستحضروها وأشاروا إلى دور شركة فالكون.

 

 

 

 

 

كنس السلم

وطالب ناشطون النظام المصري أن يثبت أنه محق في تطبيق القانون ومحاولة تطهير الدولة من البلطجة بتنفيذ عملية "تطهير شاملة" وتنظيف المشهد العام والسياسي والاقتصادي في مصر من نماذج يُنظر إليها كرموز للبلطجة أو الفساد أو النفوذ غير المؤسسي، مثل صبري "نخنوخ".

واختصوا بالذكر وإبراهيم العرجاني (المرتبط باتحاد قبائل سيناء ونفوذ اقتصادي/أمني)، وهشام طلعت مصطفى (رجل أعمال له تاريخ قضائي سابق)، وغيرهم، مؤكدين أن ذلك إن حدث سيعيد هيبة الدولة المفقودة.