ستة رؤساء في ستّ سنوات.. ما الذي يحدث داخل جهاز الاستخبارات الجزائري؟

عالي عبداتي | منذ ١٢ ساعة

12

طباعة

مشاركة

تشهد المؤسسة الاستخباراتية في الجزائر حالة من عدم الاستقرار خلال السنوات الأخيرة، إذ جرى تعيين ستة رؤساء للجهاز خلال ست سنوات، ما يطرح تساؤلات حول خلفيات هذا التغير المتسارع وأسبابه الداخلية.

وفي هذا السياق، أشرف قائد أركان الجيش الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، يوم الخميس 21 مايو/آذار 2026، على تنصيب اللواء زاهي منير مديراً عاماً للأمن الداخلي في جهاز الاستخبارات الداخلية، خلفاً للواء عبد القادر وعرابي، الذي أنهى مهامه بعد عام واحد فقط من توليه المنصب.

وذكر بيان لوزارة الدفاع الوطني الجزائرية أن شنقريحة وجّه لإطارات الجهاز جملة من التعليمات والتوجيهات، دعا فيها إلى "بذل مزيد من الجهود المتفانية في خدمة الوطن، والالتزام الصارم بتنفيذ المهام الموكلة إليهم، بروح من الجدية والمثابرة".

وتتولى المديرية العامة للأمن الداخلي في الجزائر مهام العمل الاستخباراتي داخل البلاد، بما يشمل المتابعة الأمنية والسياسية، ورصد الإعلام، وإدارة ملفات الحرب الإلكترونية.

وقد أُنشئ هذا الجهاز كهيكل مستقل في إطار عملية إعادة الهيكلة التي شهدها جهاز المخابرات الجزائرية عقب إقالة رئيسه السابق الفريق محمد مدين في سبتمبر/أيلول 2015، حيث جرى تقسيمه إلى ثلاث مديريات رئيسة: الأمن الداخلي، والأمن الخارجي، وأمن الجيش.

وفي مطلع عام 2016، قرر الرئيس الجزائري آنذاك عبد العزيز بوتفليقة نقل تبعية جهاز الاستخبارات من الجيش إلى رئاسة الجمهورية، قبل أن يعيد قائد أركان الجيش آنذاك، الفريق الراحل أحمد قايد صالح، في أبريل/نيسان 2019، نقل التبعية العملياتية لأفرع الجهاز من الرئاسة إلى قيادة الأركان، عقب اندلاع الحراك الشعبي وعزل بوتفليقة.

ومنذ ذلك الحين، تعاقب على قيادة جهاز الأمن الداخلي عدد من المسؤولين، حيث تولى المنصب كل من اللواء واسيني بوعزة (أبريل 2019 – أبريل 2020)، واللواء عبد الغني راشدي (أبريل 2020 – يوليو 2022)، واللواء كمال كحال مجدوب (يوليو 2022 – يونيو 2024)، واللواء عبد القادر حداد الملقب بـ"ناصر الجن" (صيف 2024 – مايو 2025)، ثم اللواء عبد القادر وعرابي (مايو 2025 – مايو 2026)، وصولاً إلى اللواء منير زاهي الذي تولى المنصب اعتباراً من مايو 2026.

وقبل تعيينه على رأس مديرية الأمن الداخلي، شغل اللواء زاهي مهام مرتبطة بالحوار مع الولايات المتحدة، حيث ترأس بشكل مشترك اجتماع "الحوار العسكري المشترك" عام 2023 في واشنطن، إلى جانب جنيفر زاكريسكي، المسؤولة الأميركية المؤقتة عن الشؤون الإفريقية في وزارة الدفاع. 

قراءة جزائرية

على المستوى المحلي، خلّفت هذه التغييرات المتسارعة داخل جهاز الاستخبارات الجزائري قراءات متعددة. وفي هذا السياق، أورد موقع "الجزائر تايمز" بتاريخ 25 مايو/أيار 2026 أن الجهاز يعيش واحدة من أكثر مراحله حساسية، مقدرا أن إقالة آيت وعرابي جاءت مفاجئة بالنظر إلى توقيتها وسياقها الأمني والسياسي.

وشدد الموقع على أن إعفاء اللواء عبد القادر وعرابي، الملقب بـ"الجنرال حسان"، يثير العديد من علامات الاستفهام بشأن طبيعة التحولات الجارية داخل أحد أكثر أجهزة الدولة الجزائرية حساسية، خصوصاً في ظل غياب أي إعلان رسمي عبر القنوات التقليدية.

وذكر المصدر ذاته أن هذا الغموض فتح الباب أمام تأويلات متعددة حول خلفيات القرار، وما إذا كان يتعلق بإعادة تنظيم إداري داخلي، أم بتحرك أعمق مرتبط بإعادة ترتيب موازين النفوذ داخل المؤسسة العسكرية.

وأشار الموقع إلى أن الجهاز الاستخباراتي يعيش حالة من عدم الاستقرار منذ عام 2019، حيث تعاقب على قيادته عدد من المسؤولين خلال فترات زمنية قصيرة نسبياً، في مشهد يعكس ديناميكية متقلبة داخل بنية الاستخبارات الجزائرية.

ويرى الموقع أن هذا الوضع يطرح تساؤلات حول طبيعة التوازنات الداخلية التي تحكم الجهاز، المكلف بملفات شديدة الحساسية، من بينها مكافحة التجسس، وتتبع التهديدات الأمنية الداخلية، ورصد الشبكات العابرة للحدود.

وأضاف أن التسلسل الزمني للتغييرات التي شهدها الجهاز يوحي بوجود نمط متكرر يقوم على إعادة ضبط مستمرة لمراكز القرار والنفوذ، في إطار إدارة دقيقة لتوازنات المؤسسة الأمنية، خصوصاً في ظل تصاعد التحديات الإقليمية المرتبطة بمنطقة الساحل، وتزايد المخاطر الأمنية على الحدود الجنوبية للبلاد.

وأردف الموقع: "تبدو هذه التحولات جزءاً من إعادة ترتيب داخل هرم المؤسسة العسكرية التي يقودها الفريق أول السعيد شنقريحة، حيث تسارعت منذ وفاة الفريق أحمد قايد صالح عملية إعادة تشكيل مراكز القوة داخل الجيش الجزائري، بما يعكس سعياً واضحاً لإعادة توزيع النفوذ داخل الأجهزة السيادية، وضمان ولاءات متجددة داخل مفاصل القرار الأمني والعسكري".

وأشار الموقع إلى أن من بين القراءات المرتبطة بهذا التغيير ما يتصل بحالة الاستنفار الأمني التي أعقبت التفجيرات التي شهدتها ولاية البليدة خلال الأسابيع الماضية، والتي تزامنت مع الزيارة الرسمية التي قام بها البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر، في حدث حظي باهتمام دولي واسع، رغم التعتيم الإعلامي الداخلي الذي رافق تغطيته.

ديناميات رجل

قال موقع "Le Point" في منشور بتاريخ 22 مايو/أيار 2026: إن رئيس جهاز المخابرات المقال حصل على وسام الجيش، وهو أعلى وسام عسكري في البلاد، تقديراً لدوره في إحباط عدد من المؤامرات.

وأشار الموقع إلى أنه يمتلك خبرة تمتد لأكثر من 51 عاماً في مجال مكافحة الإرهاب، كما سبق له أن ترأس وحدة تنسيق مكافحة الإرهاب (SCORET).

ومع ذلك، يضيف الموقع، أنه في عام 2015، وفي خضم صراع على السلطة بين أجهزة الاستخبارات والجيش، تم توقيفه وإدانته من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بـ"إتلاف أدلة وثائقية حاسمة" و"العصيان".

وأوضح المصدر ذاته أنه أُفرج عنه لأول مرة في أغسطس/آب 2020، قبل أن تتم تبرئته بشكل نهائي في عام 2021.

وذكر الموقع أنه خلال فترة توليه المسؤولية، جرى إعادة هيكلة المديرية العامة للأمن والاستخبارات (DGSI) في أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث تحولت إلى المديرية المركزية للشرطة، في خطوة عدت مؤشراً على إعادة تموضع هذا الجهاز داخل منظومة الأمن، وعودة تأثيره إلى قلب دوائر صنع القرار السياسي.

وتحت عنوان: "ما الذي نعرفه عن ظروف إقالة الجنرال حسان، رئيس الأمن الداخلي الجزائري؟"، قالت مجلة "Jeune Afrique" الفرنسية: إن تغيير مدير المديرية العامة للأمن الداخلي (DGSI) جاء بعد أقل من عام واحد (342 يوماً) على توليه المنصب.

وأشارت المجلة إلى أن الجنرال حسان، الذي تم تعيينه في 25 مايو/أيار 2025 على رأس هذه المؤسسة التي شهدت اضطرابات متتالية خلال السنوات الست الماضية، أُقيل بطريقة مفاجئة ودون تقديم تفسيرات، على غرار ما حدث مع عدد من أسلافه.

وذكرت أن الجنرال يُعد من قدامى المحاربين في مجال مكافحة الإرهاب، ويُعرف بكفاءته وخبرته، وكان سادس من يتولى قيادة الجهاز منذ وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى الحكم.

وأوضحت "جون أفريك" أنه لفهم حجم حالة عدم الاستقرار المزمنة التي تضرب واحدة من أهم المؤسسات الأمنية في البلاد، يكفي التذكير بأن الجنرال محمد مدين، المعروف باسم "توفيق"، بقي على رأس جهاز الاستخبارات لمدة 25 عاماً، بين 1990 و2015.

وأضافت المجلة أنه لم يكن هناك ما يشير إلى قرب إقالة الجنرال حسان، إذ كان حاضراً في 15 مايو/أيار ضمن اجتماع دعا إليه الرئيس تبون، بمشاركة سبعة مسؤولين آخرين، لبحث التحضيرات النهائية للانتخابات التشريعية المقررة في 2 يوليو/تموز 2026.

كما نقلت عن مقربين منه أنه كان في مكتبه بمقر المديرية العامة للأمن الداخلي في مرتفعات العاصمة الجزائرية يوم الاثنين 18 مايو، عندما أُبلغ بقرار إعفائه من منصبه.

وتساءلت "جون أفريك" عمّا إذا كانت الإقالة ناتجة عن خلافات مع الرئاسة ومحيطها، المعروف بحساسيته الشديدة تجاه أجهزة الأمن الداخلي، أم أنها مرتبطة بوضعه الصحي، مرجحة أن هذا العامل وحده لا يفسر القرار المفاجئ.

وأشارت المجلة إلى أن المديرية العامة للأمن الداخلي تتمتع بصلاحيات واسعة، تشمل التحقيق في قضايا الفساد والإثراء غير المشروع والسلوكيات المشبوهة والعلاقات مع جهات أجنبية، بما في ذلك ملفات تخص شخصيات قريبة من الدائرة الرئاسية، ما يفتح تساؤلات حول ما إذا كان الجنرال المقال قد تجاوز "خطوطاً حمراء".

وبحسب المجلة، تشير بعض التسريبات إلى أن المسؤول السابق أبدى اهتماماً خاصاً بملفات تتعلق بنشاطات مالية مشبوهة ونفوذ متزايد لأحد كبار المسؤولين الحكوميين، وهو ما أثار استياءً داخلياً.

وأوضحت "جون أفريك" أن اللواء منير زاهي الذي خلفه في المنصب، وينحدر من سلاح الجو ومتخرج من مدارس عسكرية أمريكية، يُصنف ضمن ما يُعرف بـ"رجال شنقريحة".

وفي السياق، يرى الإعلامي والمحلل السياسي الجزائري وليد كبير أن ما يجري يعكس، بحسب تعبيره، تصاعد هيمنة قائد أركان الجيش السعيد شنقريحة، الذي يتعامل مع مؤسسات الدولة بصفتها أدوات لإعادة ترتيب موازين النفوذ داخل المؤسسة العسكرية.

وأضاف كبير، في تصريح لموقع "الاستقلال"، أن "الجزائر تدفع ثمن هذا الارتباك السياسي والأمني المستمر"، مشيراً إلى ما وصفه بتسريبات حول احتمال إقالة مدير جهاز الاستخبارات الخارجية أيضاً.

وانتقد الناشط السياسي ما عده تصاعداً في الصراعات داخل هرم السلطة في الجزائر، مؤكداً أن إنهاء هذا الوضع يتطلب، وفق رأيه، وضع حد لنهج التسيير الفردي، سواء عبر التغيير أو المساءلة، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يهدد تماسك مؤسسات الدولة.