السجن سنة لصاحب مقولة "بن علي هرب" وسط غضب شعبي.. ماذا يحدث في تونس؟

"لا يمكن لدولة القانون أن تُبنى على إحياء قضايا انتهت قانونا"
يواصل نظام قيس سعيد الاستبدادي في تونس إثارة الجدل بسبب قرارات قضائية جدلية تستهدف الحقوق والحريات العامة في البلاد.
وأثار الحكم بسجن المحامي والناشط السياسي عبد الناصر العويني، صاحب المقولة الشهيرة "بن علي هرب" خلال الثورة التونسية عام 2011، موجة من الاستنكار على مواقع التواصل الاجتماعي في تونس.
وقضت محكمة الاستئناف في العاصمة، يوم 16 يوليو/تموز 2026، بسجن العويني لمدة عام، على خلفية نزاع قانوني قديم بينه وبين المحامي حمادي بكار.
وجاء الحكم رغم أن المحكمة الابتدائية كانت قد قضت سابقاً بـ"عدم سماع الدعوى"، ورغم تقدم المحامي بكار بتنازل رسمي عن شكايته، في إطار مساعٍ للصلح وتجاوز الخلافات المهنية. ومع ذلك، استمر المسار القضائي في مرحلة الاستئناف، وانتهى بصدور حكم بالسجن لمدة عام.
من جانبها، أكدت "هيئة المحامين" بتونس رفضها توظيف القضاء في تسليط أحكام على المختلفين في الرأي مع السلطة أو مع البعض من مسؤوليها.
ووفق ما نقل موقع "كشف ميديا" في 17 يوليو، عبرت الهيئة عن قلقها إزاء تواصل صدور أحكام سالبة للحرية ضد ناشطين في المجتمع المدني والسياسي وصحفيين ومحامين، مقدرة أن هذه الأحكام تستهدف الحق في النشاط القانوني وحرية التعبير عن الرأي.
وأعلنت الهيئة تضامنها مع المحامي عبد الناصر العويني، مشيدة بدوره في الدفاع عن استقلالية مهنة المحاماة والقضاء.
كما عبّرت الهيئة عن رفضها ما وصفته بـ"توظيف القضاء" في تسليط أحكام على أصحاب الآراء المخالفة، مؤكدة أن استعادة الثقة في القضاء الجزائي تقتضي احترام الضمانات الدستورية والقانونية لاستقلالية السلطة القضائية وتطبيقها الفعلي.
وختمت الهيئة بيانها بالتشديد على ضرورة صون استقلال القضاء والمحاماة، بصفتهما من ركائز دولة القانون وضمانات المحاكمة العادلة.

سابقة خطيرة
على المستوى الحقوقي، أدان "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، للأحكام الصادرة في حق المحامي عبد الناصر العويني، منتقدا في بيان بتاريخ 17 يوليو "استهداف المحامين بسبب مواقفهم أو ممارستهم لدورهم في الدفاع عن الحقوق والحريات".
وذكر المنتدى أن ما يجري "يمسّ من ضمانات المحاكمة العادلة واستقلالية مهنة المحاماة، ويشكل سابقة خطيرة من شأنها أن تكرس مناخ الخوف والرقابة الذاتية".
وأكد المنتدى رفضه لكل أشكال توظيف القضاء لتصفية الاختلافات السياسية أو معاقبة الآراء المخالفة، مشددا على أن حرية الرأي والتعبير والتنظيم والعمل المدني حقوق مكفولة بالدستور التونسي وبالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، ولا يجوز تقييدها إلا في أضيق الحدود ووفق مقتضيات الضرورة والتناسب.
ودعا المنتدى السلطات التونسية إلى احترام استقلال السلطة القضائية، وضمان حق جميع المتقاضين في محاكمة عادلة تتوفر فيها كافة ضمانات الدفاع، ووضع حد للملاحقات التي تستهدف النشطاء والمحامين والصحفيين بسبب ممارستهم المشروعة لحقوقهم الأساسية.
كما دعا مختلف مكونات المجتمع المدني والهيئات المهنية والقوى الديمقراطية إلى توحيد الجهود دفاعاً عن الحقوق والحريات العامة والفردية، والتصدي لكل ما من شأنه المساس بدولة القانون واستقلال القضاء وحرية العمل المدني.
وشدد البيان على أن حماية الحقوق والحريات ليست امتيازا لفئة دون أخرى، وإنما هي الضمانة الأساسية لبناء دولة القانون والمؤسسات، وأن أي تراجع عنها يهدد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية للمواطنات والمواطنين كافة.
من جانبها، استنكرت "هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي" الحكم الاستئنافي الصادر في حق المحامي وعضو الهيئة عبد الناصر العويني والقاضي بسجنه لمدة سنة.
ورأت الهيئة في بيان أن الحكم الصادر في حق العويني يندرج ضمن "سياسة التشفي" من موقف هيئة الدفاع عن الشهيدين حين أعلنت رفضها إجراء المحاكمة عن بُعد وعدتها "تجربة مخبرية" تفتقر إلى أبسط مقومات مبدأ المواجهة وحقوق الدفاع.
وأشارت إلى أن العويني يدفع اليوم ثمن مواقفه المبدئية واحتجاجه على المساس باستقلالية القضاء، وعلى التحويرات التي نالت تركيبة الهيئات القضائية خارج الضوابط القانونية، وبطرق عشوائية وبالاعتماد على مذكرات عمل داخلية، وهو ما عبّر عنه بوضوح خلال الجلسة العامة الاستشارية للمحامين.
وشدّدت أن "السجن لن يقتل الصوت الحر ولن يعدل المواقف المبدئية"، مؤكدة أن سجن العويني يأتي تنفيذا لتعليمات سياسية لزمن حكم بن علي.
مخاوف متزايدة
بدوره، رأى النائب البرلماني محمد علي أنه من الصعب فصل الحكم الصادر ضد المحامي عبد الناصر العويني بسنة سجن، عن المناخ العام الذي تعيشه البلاد.
وأضاف النائب علي وفق ما نقل موقع "بوابة تونس" بتاريخ 17 يوليو 2026؛ حيث تتواتر الملاحقات القضائية التي نالت محامين وقضاة وصحفيين ونشطاء ومعارضين سياسيين، في ظل مخاوف متزايدة من تراجع استقلال القضاء واتساع دائرة التتبعات على خلفية المواقف والآراء.
وأكّد علي أن هذه القضية تتجاوز شخص عبد الناصر العويني وتمس من مكانة المحاماة بوصفها إحدى ركائز دولة القانون، وتمس حق المحامي في أداء رسالته بحرية واستقلال، وتمس كذلك ثقة المواطنين في عدالة مستقلة لا يخضع ميزانها إلا للقانون.
وأكّد أن العويني ليس مجرد محامٍ يترافع في المحاكم، بل هو أحد الوجوه التي دفعت ثمنا باهظا لمواقفها منذ سنوات الاستبداد.
وأضاف أنّ المحاكم والسجون عرفته قبل الثورة مدافعا عن المعارضين السياسيين وضحايا الانتهاكات، ولم يتردد في مواجهة السلطة دفاعا عن القانون وحقوق الإنسان، في وقت كان فيه ذلك يكلف أصحابه الملاحقة والسجن والتضييق.
وذكر علي أن "العويني خبر السجون في أحلك مراحل الديكتاتورية، حين كانت كلفة الدفاع عن الحرية باهظة. لكنه خرج منها أكثر صلابة وتمسكا بقناعاته، ولم تنجح سنوات القمع في إسكات صوته أو دفعه إلى التخلي عن مبادئه. فالتجارب أثبتت أن أصحاب القضايا العادلة قد تُقيَّد حريتهم، لكن يصعب كسر إرادتهم".
ونبَّه البرلماني إلى أن "استقلال القضاء ليس امتيازا للقضاة، واستقلال المحاماة ليس امتيازا للمحامين، بل هما الضمانة الأساسية لكل مواطن يبحث عن الإنصاف وعندما يصبح المدافعون عن الحقوق والحريات أنفسهم محل ملاحقات وأحكام تثير كل هذه التساؤلات".
وعليه، يقول علي، الأمر لا يعود شأنا فرديا، بل يتحول إلى قضية رأي عام تتعلق بمستقبل العدالة وسيادة القانون في تونس.
على المستوى الحزبي، أكد "الحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي"، أنه يتابع بقلق ما وصفه بـ"الحكم الظالم والجائر" ضد العويني، والذي يأتي في "ظل تدهور خطير للوضع الاقتصادي والاجتماعي وتواصل المظالم وتتالي الأحكام الجائرة في حقّ الصحفيين والمناضلين".
وشدد الحزب في بيان بتاريخ 18 يوليو، على أن "الغاية من هذا الحكم هي التشفي من الأستاذ العويني ومحاولة يائسة لإسكات صوته مناضلا حرا ومحاميا جريئا، تميّز بالمطالبة بحقّ الشعب في قضاء حرّ وعادل وناجز".
وأردف، كما فضح العويني أخيرا، خلال اجتماع عامّ للمحامين، الواقع المتدهور للقضاء وتدخّل وزيرة العدل والإدارة في أعماله، مواصلا طريق النضال من أجل استقلال القضاء.
أوضاع قاسية
شهدت وسائل التواصل الاجتماعي بتونس تفاعلات واسعة مع حدث الحكم القضائي ضد المحامي عبد الناصر العويني.
وفي هذا الصدد، انتقد المحامي سامي بن غازي "الحملة التي يشنها البعض ضد العويني"، مردفا: "حين تُغلق الأبواب في وجهي من كل الجهات، لا أستحضر إلا اسما واحدا أتصل به: عبد الناصر العويني".
وأضاف بن غازي في منشور عبر فيسبوك: "عبد الناصر هو السند الصامت الذي، لولاه لكانت أوضاع عشرات المناضلين والموقوفين أشد قسوة مما هي عليه اليوم. ساند، وناضل، وترافع، وزار، وآزر، في صمت، ودون انتظار شكر أو مقابل".
بدوره، قال الباحث القانوني حسن عزالدين دياب: “كيف يتحول مناضل ورمز من رموز الثورة، رفيقي وزميلي الأستاذ عبد الناصر العويني، إلى متهم يُساق من جديد إلى أروقة المحاكم في قضية تعود إلى خلاف قديم مع حمادي بكار، رغم أن هذا الأخير تراجع عن شكايته، ورغم أن المحكمة الابتدائية كانت قد قضت سابقا بعدم سماع الدعوى؟”
وتساءل عزالدين دياب في منشور عبر فيسبوك، عن المنطق القانوني أو القضائي الذي يبرر إعادة بعث قضية طُويت صفحاتها؟ وأي رسالة تُوجَّه عندما يصبح الأمن القانوني مجرد وهم، وتُبعث الملفات كلما اقتضت الظروف ذلك؟"
وشدد على أن ما يحدث ليس مجرد إجراء قضائي عادي، بل يثير أسئلة خطيرة حول احترام حجية الأحكام، وضمانات المحاكمة العادلة، وهيبة القضاء نفسه، مؤكدا أنه "لا يمكن لدولة القانون أن تُبنى على إحياء قضايا انتهت قانونا، ولا على ملاحقات تفتقر إلى الحد الأدنى من الاتساق".
كما استنكر الصحفي ياسين النابلي ما عدّه محاولة للتشفي من العويني، مضيفا "الجهة المسؤولة عن إصدار مثل هذه الأحكام هي جزء من بنية الاستبداد السياسي المسؤولة عن كل هذا الخراب".
وأضاف النابلي في منشور عبر فيسبوك، أن "هذه البنية هي المسؤولة عن مسارات التصفية باختلاف ضحاياها، وستظل تشتغل بنفس المنطق طالما أن نظام الاستبداد قائم".
انقلاب متحكم
من جهته، يرى الناشط الحقوقي والسياسي عبد الرزاق حاج مسعود، أن العويني ليس بالصورة المحايدة أو الناشطة المناضلة من أجل الديمقراطية كما يتم الترويج له.
وأضاف لـ "الاستقلال"، ذلك أن العويني عبر عن دعمه الرئيس قيس سعيد، والإجراءات التي اتخذها بخصوص حل المجلس الأعلى للقضاء وغيره من الإجراءات التي لا يمكن لأي حقوقي أو قانوني القبول بها.
ومع ذلك، يردف بالقول: كان العويني مساندا لما يقوم به الانقلاب، وأكثر من ذلك، أنه سخر من إضراب جمعية القضاة، وعبر عن فرحه لعدم استجابة بعض القضاة لدعوة الإضراب، رغم علمه بأن جمعية القضاة هي من العلامات المضيئة القليلة في تاريخ النضال الديمقراطي والحقوقي في تونس.
واسترسل حاج مسعود، الآن، وبعد أربع سنوات كاملة، استفاق العويني من غيبوبته، وأدرك أن تونس لم تعد تتوفر على قضاء أصلا، بعد تحكم الانقلاب به بشكل تام، مما جعله يقول كلاما كبيرا وذو طبيعة ثورية عن هذا الوضع.

وشدد الناشط السياسي على أن العويني مطالب بالاعتذار لزملاء المهنة الذين تعرضوا لظلم السلطة بمباركته، والاعتذار أيضا من وضعه لفكرة القانون تحت الأقدام، ومساندته لتدخل السلطة التنفيذية في الجهاز القضائي وهو ما أدى به إلى الانهيار.
وذكر حاج مسعود أن مختلف الفاعلين في الساحة السياسية أخطأوا، مما أدى إلى إفشال الانتقال الديمقراطي، وأن هذا الأمر يستدعي منهم ومن العويني أيضا الاعتذار، مشددا أن الأخير ليس من ثقافة النخبة الفاعلة في تونس.
وعلى المستوى العام، قال حاج مسعود: إن قوس الحرية الذي فتح في تونس خلال ثورة الياسمين، كان فصلا زمنيا استثنائيا، لم تنجح الطبقة السياسية/الحقوقية في عقلنته وتحويله إلى مشترك تاريخي سياسي منتج.
ولذلك، يردف الناشط السياسي، نرى تونس اليوم لا سياسة ولا حقوق إنسان، حتى العمل الحقوقي الاحتجاجي البسيط تم نسفه بعد أن تمت شيطنة الحقوقيين وبعد أن فقدت المنظمات الحقوقية مصداقيتها بانكشاف "لا حقوقية" ناشطيها خلال سنوات قوس الحرية.
“ألا يوجد حلّ لهذا المأزق، حل يدلّ التونسيين إلى باب السياسة؟” يتساءل حاج مسعود، ليجيب بالقول: تونس تحتاج إلى معجزة أخرى على شاكلة مع وقع في 2011 للخروج من النفق.

















