لحظة اختبار.. ماذا تقول وثيقة "العهد والولاء" عن بنية الحكم في الإمارات؟

داود علي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، وبعد أشهر من الحرب ضد إيران وما رافقها من ضربات وتوترات أضعفت صورة الإمارات كبيئة آمنة للأعمال والاستثمار، أطلقت أبوظبي حملة وطنية تدعو المواطنين والمقيمين والمؤسسات إلى توقيع وثيقة دعم لرئيس الدولة محمد بن زايد آل نهيان.

وقد قُدّمت هذه المبادرة رسمياً بصفتها تعبيراً عن الولاء وتعزيزاً للوحدة الوطنية، غير أن توقيتها، واتساع نطاقها، وتزامنها مع حديث متزايد عن توترات داخل بنية الحكم، فتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول دلالاتها السياسية، وحدود تماسك السلطة داخل الاتحاد الإماراتي.

وثيقة ولاء

أطلقت مبادرة "العهد والولاء" في أبوظبي يوم 3 يونيو/حزيران 2026، برعاية نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، خلال فعالية استضافها مركز أبوظبي للطاقة، بحضور أكثر من 4800 شخص من المواطنين والمقيمين والطلاب والمستثمرين والأكاديميين ورجال الأعمال وممثلي الجاليات المقيمة في الدولة.

وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إماراتية، دعت المبادرة الجمهور إلى إعلان الدعم لمحمد بن زايد آل نهيان، تقديراً لما تصفه بدوره في تعزيز الأمن والاستقرار ورفع مكانة الإمارات على الساحة الدولية.

ولم تُطرح الوثيقة بوصفها فعالية بروتوكولية محدودة، بل جاءت في إطار حملة مجتمعية مفتوحة، توسعت عبر موقع إلكتروني مخصص ورمز استجابة سريعة (QR) يتيحان التوقيع الإلكتروني، مع خطط لإشراك الشركات والجامعات والهيئات والمؤسسات المختلفة في هذه العملية.

وتقوم الوثيقة، وفق الرواية الرسمية، على أربعة مرتكزات رئيسة، تشمل تعزيز التعايش والوحدة الوطنية، واستلهام القيم القيادية التي يجسدها ابن زايد، وترسيخ المسؤولية المجتمعية والهوية الوطنية، والتعبير عن الامتنان لما تنعم به الدولة من أمن واستقرار وازدهار.

غير أن البعد اللافت في المبادرة لا يكمن في مضمونها فقط، بل في الفئات التي استهدفتها، إذ لا تقتصر على المواطنين، بل تشمل المقيمين أيضاً، في دولة يشكل فيها الأجانب غالبية سكانية واسعة، وتضم أكثر من 200 جنسية، وفق بيانات وزارة الخارجية الإماراتية.

وهذا الاتساع يمنح الدعوة إلى توقيع وثيقة ولاء دلالة سياسية واجتماعية أوسع من مجرد تعبير رمزي عن الامتنان؛ إذ يربط شرائح غير مواطنة بصورة التماسك الداخلي حول القيادة.

ويطرح هذا التوجه سؤالاً مركزياً: لماذا تحتاج الإمارات إلى حملة توقيعات عامة دعماً لرأس الدولة؟ وتكشف قراءة التوقيت جانباً من الإجابة، إذ جاءت المبادرة بعد مرحلة أمنية غير مسبوقة عاشتها الإمارات منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية–الإيرانية في فبراير/شباط 2026.

فبعد سلسلة هزات مست صورة البلاد الاقتصادية والأمنية، خصوصاً في دبي وأبوظبي، برزت تحديات نالت سردية الاستقرار والانفتاح التي تشكل أساس النموذج الاقتصادي القائم على جذب رؤوس الأموال الأجنبية.

لذلك تبدو الوثيقة، في أحد أبعادها، محاولة لإعادة تثبيت صورة الدولة المتماسكة داخلياً، في لحظة لم تعد فيها المخاطر محصورة في محيط إقليمي بعيد، بل امتدت لتطال قطاعات إستراتيجية مثل الموانئ والطيران والعقار والطاقة والاستثمار الأجنبي.

الملاذ الآمن

ومنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أصبحت دول الخليج جزءا مباشرا من معادلة الردع والاستهداف.

وذكرت وكالة "رويترز" في مارس/آذار 2026 أن الضربات الإيرانية على دول خليجية قد تدفعها إلى الاصطفاف ضمن تحالف أوسع مع الولايات المتحدة، بعد هجمات نالت موانئ ومدناً ومنشآت نفطية في منطقة تُعد حيوية لإمدادات الطاقة العالمية.

وفي مايو/أيار 2026، نشرت الوكالة تقريراً عن حادث بطائرة مسيّرة تسبب في حريق بمحطة براكة للطاقة النووية في أبوظبي، مشيرة إلى أن الإمارات كانت من أكثر الدول الخليجية تعرضاً للهجمات الإيرانية.

كما أفادت بأن موانئ الفجيرة وخورفكان، المطلة على المحيط الهندي خارج مضيق هرمز، شهدت شللاً جزئياً، رغم كونها شرياناً أساسياً في البنية الاقتصادية للإمارات.

هذه التطورات لم تقتصر على البعد الأمني، بل مست أحد أهم أعمدة القوة الإماراتية: صورتها كملاذ آمن لرؤوس الأموال والوافدين.

وقد نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية في مارس/آذار 2026 تقريراً عن تراجع قطاع العقارات الإماراتي بعد الضربات الإيرانية، مشيرة إلى انخفاض أسهم شركتي "إعمار" و"الدار" بنحو 5%، وتوقف شبه كامل في إصدار السندات الجديدة، في ظل اعتماد السوق العقاري على المستثمرين الأجانب وصفقات البيع على الخريطة.

أما صحيفة "فايننشال تايمز" فذكرت، استناداً إلى بيانات رسمية، أن واحداً من كل ثمانية مقيمين بريطانيين غادر الإمارات منذ اندلاع الحرب، أي ما يقارب 30 ألف شخص، وسط مخاوف أمنية وتعطل بعض الخدمات التعليمية.

وفي تقرير لها بعنوان "تفكك دبي كملاذ آمن"، قالت صحيفة "نيويوركر" الأميركية: إن الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة هزّت شعور المقيمين بالأمان، حتى في ظل نجاح أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض معظم الهجمات.

اختبار صعب

في هذا السياق، تكتسب وثيقة "العهد والولاء" دلالة تتجاوز حدود الاحتفاء بقيادة محمد بن زايد آل نهيان؛ إذ تبدو الدولة التي بنت صورتها على الأمن الصلب والانفتاح الاقتصادي أمام اختبار غير مألوف: إلى أي مدى يمكن الحفاظ على تدفق المستثمرين والمقيمين حين تتحول دبي وأبوظبي إلى جزء من دائرة التهديدات الإقليمية؟

ومن هذا المنظور، تبدو الوثيقة أقرب إلى ردّ رمزي على حالة ارتباك أوسع؛ إذ تقدم صورة جماعية لمواطنين ومقيمين ومؤسسات وهم يعلنون الدعم للقيادة في لحظة مشحونة بالمخاطر، بما يعكس محاولة لإعادة إنتاج الثقة داخلياً وخارجياً.

وليس من المصادفة أن تركز الوثيقة على مفاهيم الأمن والاستقرار والازدهار، وهي ذاتها المفردات التي خضعت للاختبار خلال الحرب، فحين تتعرض الموانئ أو المطارات أو قطاع العقار أو منشآت الطاقة للاستهداف، تصبح إعادة ترسيخ الثقة السياسية والاقتصادية ضرورة تتجاوز الطابع الرمزي إلى الوظيفة الإستراتيجية.

لكن إلى جانب الضغوط الخارجية، تأتي الوثيقة في سياق نقاشات متزايدة حول بنية السلطة داخل الاتحاد الإماراتي؛ حيث تشير تقارير ومراكز أبحاث دولية إلى أن مركز الثقل في القرارين السياسي والأمني بات متركزاً بشكل أكبر في أبوظبي، وهو ما يثير بين حين وآخر تململات داخلية، خاصة منذ صعود محمد بن زايد داخل منظومة الحكم ثم توليه الرئاسة رسمياً في مايو/أيار 2022 عقب وفاة الشيخ خليفة بن زايد.

ويشير تقرير صادر عن منظمة "فريدوم هاوس" الأميركية لعام 2026 إلى أن النظام السياسي الإماراتي يُدار عملياً من أبوظبي، في ظل غياب الأحزاب السياسية، وتركّز السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في يد الحكام الوراثيين.

هذه الخلفية تجعل أي رسالة علنية صادرة من دبي ذات حساسية خاصة، وهو ما يضفي دلالة إضافية على تدوينة نشرها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، على منصة "إكس" في 2 مايو/أيار 2026، قال فيها: إن "المسؤولية أمانة".

وأضاف أن المسؤول الذي يضع نجاحه الشخصي في المقدمة "ليس أميناً"، وأن من لا يحرص على نجاح بقية المسؤولين في الوطن "ليس أميناً"، مشدداً على أن "الأنانية في العمل العام خيانة للأمانة، لأن الوطن لا يتجزأ".

وقد نقلت صحيفة "الإمارات اليوم" نص التدوينة في اليوم نفسه، ورغم إمكانية قراءتها في سياقها كرسالة إدارية عامة، فإن توقيتها، وما تبعه من تفاعلات، فتح الباب أمام تأويلات سياسية بشأن طبيعة العلاقات داخل مراكز القرار، خاصة مع ظهور تعليقات علنية من مسؤولين عبر منصات التواصل الاجتماعي بدلاً من القنوات المؤسسية التقليدية.

توترات متصاعدة

في هذا السياق، تدخل منصة "The Dark Box" الاستخبارية الصادرة من بريطانيا، بصفتها أحد المصادر التي قرأت التطورات من زاوية سياسية أوسع.

فقد نشرت المنصة، ونقل عنها موقع "إمارات ليكس" في 4 مايو/أيار 2026، تحليلاً أشار إلى "تصاعد التوترات الداخلية في هيكل الحكم الإماراتي"، وربط بين تدوينة محمد بن راشد وبين ما وصفه بتزايد مركزية السلطة في أبوظبي وتراجع الهامش السياسي المستقل لدبي.

ورأت المنصة أن انتقال بعض الرسائل بين رئيس الوزراء وعدد من الوزراء الإماراتيين إلى المجال العام، بدل بقائها ضمن الأطر المؤسسية المغلقة، يعكس تحولاً في طبيعة إدارة الإشارات السياسية داخل الدولة.

تاريخياً، لم تكن العلاقة بين أبوظبي ودبي علاقة صدام مباشر بقدر ما كانت علاقة توازنات داخل الاتحاد، غير أن الأزمة المالية العالمية عام 2008، وما تبعها من تدخل أبوظبي لإنقاذ دبي، ثم صعود النهج السياسي الأكثر صلابة في عهد محمد بن زايد، أسهمت في تعزيز موقع أبوظبي داخل البنية الاتحادية.

وفي هذا الإطار، يشير تحليل لمؤسسة "كارنيغي" إلى أن تداعيات الأزمة المالية أدت إلى إعادة تموضع مركز القرار داخل الدولة، بما منح أبوظبي، بقيادة ابن زايد، قدرة أكبر على ضبط السياسات العامة على مستوى الاتحاد.

كما لفتت دراسات أخرى حول تطور السياسة الخارجية الإماراتية إلى أن هذا التمركز في أبوظبي كان أحد العوامل التي دفعت نحو انتقال الدولة من نهج دبلوماسي هادئ إلى سياسة خارجية أكثر صلابة وتدخلاً واعتماداً على الذات.

ومن هذا المنظور، فإن ظهور وثيقة ولاء واسعة لابن زايد، بالتزامن مع رسائل سياسية صادرة من دبي خلال الأسابيع السابقة، يجعل قراءة المشهد لا تقتصر على الوثيقة في حد ذاتها، بل تمتد إلى علاقتها بمسار أوسع لإعادة ترسيخ مركز الثقل السياسي في أبوظبي.

عدم ثقة

وقال الباحث السياسي محمد ماهر لـ"الاستقلال": إن إطلاق وثيقة "العهد والولاء" في هذا التوقيت لا يعكس فقط رغبة رسمية في الاحتفاء بمحمد بن زايد، بل يكشف عن حاجة متزايدة لدى السلطة الإماراتية إلى إعادة إنتاج مشهد التماسك الداخلي، في ظل مؤشرات متراكمة على وجود حالة من القلق وعدم الثقة داخل بنية الحكم.

وأضاف أن الدول التي تتمتع بدرجة عالية من الثقة والاستقرار السياسي لا تلجأ عادة إلى إطلاق حملات ولاء واسعة تشمل المواطنين والمقيمين والمؤسسات والشركات والجامعات في آن واحد، مقدرا أن حجم الحملة واتساع نطاقها يعكسان شعوراً لدى دوائر القرار بضرورة إظهار الاصطفاف حول القيادة بصورة علنية ومنظمة.

ورأى ماهر أن الوثيقة جاءت بعد سلسلة تطورات أربكت المشهد الإماراتي، بدءاً من تداعيات الحرب مع إيران وما رافقها من استهدافات هزّت صورة الإمارات كملاذ آمن للاستثمار والأعمال، وصولاً إلى الرسائل غير المسبوقة التي خرجت من دبي خلال الأشهر الأخيرة، والتي عكست – بحسب تقديره – وجود تباينات داخلية بشأن إدارة السلطة وتوزيع النفوذ داخل الاتحاد.

وأشار إلى أن تصريحات محمد بن راشد حول "الأنانية في الحكم" و"النجاح الشخصي" لم تكن مجرد عبارات عابرة، بل حملت دلالات سياسية لافتة في توقيتها وسياقها، خصوصا أنها صدرت عن رئيس الوزراء وحاكم دبي.

وأضاف أن ما ظهر خلال الأشهر الماضية من رسائل علنية وردود غير معتادة بين مسؤولين إماراتيين، ومن بينهم حاكم الشارقة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، يعكس وجود نقاشات حقيقية داخل النخبة الحاكمة بشأن شكل إدارة الدولة وتوازنات السلطة داخل الاتحاد.

وختم بالقول: "أعتقد أن الوثيقة أقرب إلى محاولة سياسية لإعادة تأكيد التماسك حول ابن زايد في لحظة غير مسبوقة، وعندما تتحول مؤسسات الدولة والشركات والجامعات والمقيمون إلى جزء من حملة ولاء جماعية، فإن الرسالة لا تكون موجهة إلى المجتمع فقط، بل أيضاً إلى مراكز القوى داخل الدولة".