اتفاق واشنطن وطهران.. فرصة سلام أم إعادة تموضع للحوثيين في اليمن؟

مصطفى كمال | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بينما تتجه الأنظار إلى المفاوضات والتفاهمات المتسارعة بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز اليمن بصفته أحد أكثر الساحات الإقليمية حساسية تجاه أي تحول محتمل في العلاقة بين واشنطن وطهران.

فالحرب اليمنية التي دخلت عامها الثاني عشر دون حسم لم تعد مجرد نزاع داخلي على السلطة، كما لم تعد مجرد ساحة مواجهة بالوكالة بين إيران وخصومها الإقليميين، بل تحولت إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها حسابات الأمن الإقليمي والممرات البحرية والتوازنات الدولية.

وخلال السنوات الماضية، ظل الملف اليمني حاضرًا بصورة غير مباشرة في معظم محطات التوتر الأميركي–الإيراني. فكل تصعيد بين الطرفين كان ينعكس بدرجات متفاوتة على سلوك الحوثيين في اليمن، كما أن البحر الأحمر ومضيق باب المندب تحولا تدريجيًا إلى جزء من معادلة الردع المتبادل بين طهران وواشنطن.

اليوم، ومع الحديث عن تفاهمات جديدة قد تشمل جوانب أمنية وسياسية تتجاوز الملف النووي الإيراني، يتزايد الاهتمام بالسؤال الذي يشغل الدوائر الدبلوماسية والشارع اليمني على السواء: كيف سينعكس أي اتفاق أميركي–إيراني على مستقبل النزاع في اليمن.

الاتفاق الأميركي-الإيراني

وفق ما أعلنته الولايات المتحدة وإيران والوسطاء الدوليون، توصل الطرفان إلى إطار تفاهم مبدئي ينص على وقف العمليات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز وبدء مرحلة تفاوض جديدة تمتد ستين يوماً لمعالجة الملفات الأكثر تعقيداً.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن: «الاتفاق مع جمهورية إيران الإسلامية اكتمل الآن»، في المقابل، أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن: «مفاوضات ستنطلق خلال مهلة 60 يوماً بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي»، مؤكداً أن «الحذر ما زال قائماً تجاه الولايات المتحدة».

لكن اللافت أن الاتفاق لا يقتصر على العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، بل يتناول بصورة مباشرة مختلف الجبهات الإقليمية.

إذ أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الاتفاق يتضمن: «الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان». ورغم أن اليمن لم يُذكر صراحة ضمن البنود المعلنة، فإنه يُعد من أبرز الملفات المرشحة للتأثر بهذا التحول.

وتقوم المقاربة الأميركية بصورة أساسية على مبدأين رئيسين: الحد من الدعم العسكري والتقني المقدم للفصائل المسلحة الحليفة لإيران. وربط أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأصول الإيرانية بضمان أمن الملاحة الدولية ومنع تهديد خطوط التجارة العالمية.

ماذا يعني الاتفاق للحوثيين؟

على مدى السنوات الماضية، استفادت جماعة الحوثي من حالة الاشتباك المستمر بين إيران والولايات المتحدة، إذ تحولت الجماعة تدريجياً من فاعل محلي إلى جزء من شبكة النفوذ الإقليمي المرتبطة بطهران.

لكن الاتفاق الجديد قد يفرض على الجماعة واقعاً مختلفاً، فالتصريحات الصادرة تشير إلى أن واشنطن تسعى إلى بناء علاقة جديدة مع إيران تقوم على ضبط السلوك الإقليمي مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية.

وأكد مسؤول أميركي أن أي مزايا اقتصادية مستقبلية لإيران ستكون مرتبطة بـاستعدادها للعمل مع واشنطن بشأن برنامجها النووي والامتناع عن تمويل التطرف في المنطقة. 

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ستكون الجماعات الحليفة لإيران، ومنها الحوثيون، جزءاً من التفاهمات الجديدة؟ لا توجد إجابة واضحة حتى الآن، لكن المؤشرات تدفع نحو احتمالين:

الأول، أن تعمل طهران على تخفيف مستويات التصعيد الإقليمي، بما يشمل الحوثيين، من أجل حماية مكاسبها السياسية والاقتصادية الجديدة.

والثاني، أن تحتفظ بورقة الحوثيين كورقة ضغط إستراتيجية يمكن استخدامها إذا تعثرت المفاوضات الأميركية-الإيرانية اللاحقة. ولهذا السبب، لا يبدو أن الجماعة ستفقد أهميتها الإستراتيجية بالنسبة لإيران، لكنها قد تُدفع نحو قدر أكبر من البراغماتية السياسية.

وبناءً على ذلك، يرى عدد من الباحثين أن أي اتفاق أميركي–إيراني قد يدفع طهران إلى ممارسة ضغوط على الحوثيين لخفض التصعيد الإقليمي، لكنه لن يضمن بالضرورة قبول الجماعة بتنازلات سياسية تمس نفوذها الداخلي أو سيطرتها على مؤسسات الدولة.

الشرعية ومستقبل السلام

خلال الأشهر الماضية، بلورت الحكومة اليمنية خطاباً سياسياً أكثر وضوحاً تجاه مستقبل التسوية، يقوم على رفض أي مقاربة تفضي إلى شرعنة سلطة الحوثيين أو إعادة إنتاج أسباب الصراع.

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، أن السلام المستدام لا يمكن أن يقوم على تقاسم السلطة بين الدولة وجماعة مسلحة، بل على استعادة مؤسسات الدولة لصلاحياتها الحصرية، وإنهاء الانقلاب، ومعالجة الجذور السياسية والأمنية للأزمة اليمنية.

وتنطلق هذه الرؤية من عد الأزمة صراعاً مع جماعة مسلحة مرتبطة بمشروع إقليمي تدعمه إيران، وليست مجرد خلاف سياسي بين أطراف يمنية متنافسة.

وبناءً على ذلك، ترى الحكومة أن أي تسوية لا تعالج قضايا الدولة والسيادة واحتكار السلاح ستقود إلى هدنة مؤقتة سرعان ما تعيد إنتاج الصراع بصورة أكثر تعقيداً، مؤكدة أن السلام الحقيقي يمر عبر ترسيخ سيادة القانون، واستعادة المؤسسات الوطنية، وضمان الحقوق والحريات.

وفي موازاة ذلك، اتجه الخطاب الحكومي إلى تدويل هذه المقاربة عبر حشد موقف دولي أكثر حزماً تجاه الحوثيين. وخلال لقاءات مع مسؤولين أوروبيين، دعا مسؤولون يمنيون إلى تكثيف الضغوط السياسية والاقتصادية على الجماعة، بما في ذلك دراسة تصنيفها منظمة إرهابية، بتقدير أن ذلك سيحد من مصادر تمويلها وقدرتها على مواصلة التصعيد العسكري وتهديد الملاحة الدولية.

وفي هذا الإطار، يرى عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي أن فرص التسوية السياسية لا تزال قائمة، لكنها تبقى رهناً بمدى استعداد الحوثيين للانخراط الجاد في العملية السياسية، في ظل استمرار ما تصفه الحكومة بسياسة التعنت والمماطلة.

في المقابل، تتعامل الحكومة اليمنية بحذر مع أي تفاهمات أميركية-إيرانية، محذرة من أن تجاهل البعد الإيراني في الأزمة اليمنية قد يحول أي اتفاق إقليمي إلى تسوية مؤقتة على حساب الأمن الإقليمي والدولي.

ولذلك، تدعو إلى أن تتضمن أي ترتيبات مستقبلية تفكيك الشبكات العسكرية واللوجستية الإيرانية في اليمن، وتحميل طهران المسؤولية المباشرة عن أنشطة الحوثيين العسكرية.

ومع ذلك، فإن نجاح التفاهمات الأميركية-الإيرانية في تحقيق استقرار أمني وبحري، من دون معالجة قضايا الدولة والسيادة واحتكار السلاح، قد يضع الحكومة اليمنية أمام ضغوط دولية متزايدة للقبول بتسويات تستند إلى موازين القوى القائمة على الأرض أكثر مما تستند إلى المرجعيات السياسية المعتمدة.

المسار السعودي-الحوثي 

من المرجح أن يوفر الاتفاق الأميركي-الإيراني زخماً جديداً لمسار السلام في اليمن، لا سيما للمفاوضات السعودية-الحوثية التي برزت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات متزايدة على إعادة تنشيطها.

وتشير معظم الدراسات الغربية الصادرة خلال السنوات الأخيرة إلى أن الأولوية السعودية لم تعد تتمثل في إعادة رسم المشهد السياسي اليمني بالكامل، بل في ضمان أمن الحدود الجنوبية للمملكة، ومنع الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن أي تفاهم أميركي–إيراني ينجح في خفض التصعيد العسكري وتقييد النشاط الحوثي في البحر الأحمر سيخدم بصورة مباشرة المصالح السعودية.

وفي هذا السياق، تحدث الصحفي اليمني أحمد الشلفي عن مناقشات جادة لعقد اجتماع برعاية أممية يضم الحوثيين والحكومة اليمنية والسعودية في الرياض، بالتوازي مع تفاهمات يمنية-أميركية-سعودية لإعادة تصدير النفط عبر ميناء الضبة، وسط مؤشرات على انخراط الحوثيين في هذه الترتيبات عقب لقاءات عُقدت في الأردن والرياض.

ويرى الشلفي أن هذه التحركات تأتي في إطار إحياء خارطة الطريق السعودية الهادفة إلى بلورة صيغة تسوية أو شراكة بين الحكومة اليمنية والحوثيين، مع بقاء الخيار العسكري مطروحاً نظرياً، وإن كان يصطدم بتحفظ سعودي واضح على العودة إلى الحرب الشاملة، في ظل أولوية تثبيت التهدئة واستكمال المسار التفاوضي.

بدوره، يصف المحلل السياسي أحمد الزرقة العلاقة بين الرياض والحوثيين بأنها انتقلت من حالة الحرب المفتوحة إلى «مساومة طويلة تحت سقف الردع»، مرجحاً إحراز تقدم في بعض الملفات الجزئية، مثل الأسرى والرواتب والمنافذ، مع بقاء التسوية النهائية رهينة أزمة الثقة وتعقيدات المشهد اليمني وتشابكاته الإقليمية.

في المقابل، يواصل الحوثيون رفع سقف خطابهم السياسي، مؤكدين أن استمرار حالة «اللاسلم واللاحرب» لم يعد مقبولاً، ومطالبين السعودية بتنفيذ التزامات خارطة الطريق، مع التلويح بخيارات تصعيدية إذا استمرت حالة المراوحة الحالية.

 

 

 

الموقف الدولي

تتبنى الأمم المتحدة مقاربة حذرة تركز على احتواء التصعيد والحفاظ على فرص التسوية السياسية. وفي هذا السياق، دعا المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الأطراف اليمنية إلى استثمار الاتفاق الأميركي-الإيراني لدفع مسار السلام، عبر الانخراط في مفاوضات شاملة برعاية الأمم المتحدة تفضي إلى حل دائم للأزمة.

وخلال زيارته إلى عدن، شدد غروندبرغ على ضرورة تحييد اليمن عن تداعيات الصراعات الإقليمية، والحفاظ على زخم العملية السياسية، بالتوازي مع دعم الاستقرار الاقتصادي وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق سلام مستدام.

وتواصل الأمم المتحدة إدارة مسارات متوازية تشمل الجوانب السياسية والعسكرية والإنسانية والاقتصادية. ورغم وجود توافق دولي واسع على ضرورة إنهاء الحرب، لا تزال الخلافات قائمة بشأن آلية التعامل مع الحوثيين.

فبينما تدعم غالبية أعضاء مجلس الأمن عملية سياسية يمنية شاملة بقيادة الأمم المتحدة، تدفع فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة نحو تشديد الضغوط والعقوبات على الحوثيين بصفتهم طرفاً معرقلاً للتسوية ومصدراً لعدم الاستقرار. في المقابل، ترى الصين وروسيا أن توسيع نظام العقوبات قد يؤدي إلى زيادة التوترات وتقويض فرص التوصل إلى حل تفاوضي.

سيناريوهات ما بعد الاتفاق

تتأرجح تداعيات أي تفاهم أميركي-إيراني على اليمن بين مسارين رئيسين: أولهما أن يفضي الاتفاق إلى خفض التوترات الإقليمية وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لدفع جهود التسوية السياسية.

غير أن هذا المسار لا يخلو من مخاطر، إذ قد تلجأ إيران إلى تخفيف ارتباطها العلني بالحوثيين مع الإبقاء عليهم كورقة نفوذ إستراتيجية، أو توظيف الملف اليمني ضمن ترتيبات المقايضة الإقليمية، بما يكرّس واقعاً سياسياً جديداً يعزز نفوذ الجماعة.

أما المسار الثاني، فيتمثل في تعثر المفاوضات أو انهيارها، وهو ما قد يدفع إيران إلى توسيع نطاق استخدام الحوثيين كأداة ضغط إقليمية عبر تصعيد العمليات العسكرية واستهداف المصالح الأميركية وتهديد الملاحة الدولية، الأمر الذي قد يعيد اليمن إلى قلب المواجهة الإقليمية ويطيل أمد الصراع ويعمّق الأزمة الإنسانية.

ومع أن الاتفاق الأميركي الإيراني قد يخفف من حدة التوترات الإقليمية ويمنح اليمن فرصة جديدة للخروج من دوامة الحرب، فإن تأثيره الفعلي سيظل مرتبطاً بمدى قدرته على معالجة جذور الأزمة لا الاكتفاء بإدارة تداعياتها.

فاليمن لم يعد مجرد ساحة نفوذ إقليمي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة القوى الدولية والإقليمية على إنتاج تسويات مستدامة. وبينما قد تفرض التفاهمات الجديدة هدنة أطول أو تدفع نحو تسوية سياسية تدريجية، يبقى السلام الدائم رهناً بإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة احتكارها للسلاح والقرار السيادي.

وفي غياب ذلك، قد يتحول أي اتفاق إلى محطة مؤقتة في صراع قابل للانفجار مجدداً عند أول اهتزاز في العلاقة بين واشنطن وطهران.