وسط الحصار الأميركي.. كيف نجحت باكستان في أن تصبح بديلا بريا لإيران؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في 30 مايو/أيار 2026، أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية رسميًا بدء تشغيل خط لإمداد غاز البترول المسال إلى باكستان عبر شبكة السكك الحديدية العابرة للحدود، بعد وصول أولى قطارات الصهاريج المحملة بالطاقة بنجاح إلى الأراضي الباكستانية.

وبحسب موقع "تينسنت" الصيني، فإن هذا الممر البري الجديد لا يُعد إجراءً مؤقتًا، بل يمثل خطوة إستراتيجية مدروسة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ومنطقة جنوب القوقاز، إلى جانب تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في الممرات البحرية.

هامش مناورة

وعلى مدى عقود، شكل النقل البحري العمود الفقري لصادرات الطاقة في الشرق الأوسط بفضل تكلفته المنخفضة وقدرته الكبيرة على نقل السلع. 

إلا أن تشديد الولايات المتحدة إجراءاتها في مضيق هرمز خلال الفترة الأخيرة، بما في ذلك عمليات التفتيش والاعتراض المتكررة للسفن المتجهة إلى إيران أو القادمة منها، أدى إلى إضعاف قنوات التصدير البحرية الإيرانية وتراجع عائداتها من العملات الأجنبية. 

وفي هذا السياق، يرى الموقع أن "تشغيل خط السكك الحديدية بين إيران وباكستان يمثل  تحولا مهما، إذ يتيح لطهران امتلاك مسار بري منتظم لنقل الطاقة إلى جانب شبكات الأنابيب والطرق البحرية التقليدية".

وأرجع ذلك إلى أن هذا الخط "يمنح إيران مخرجا لتسويق كميات ضخمة من غاز البترول المسال، والتي تعذر تصديرها سابقا بفعل الحصار البحري، مما يسمح بتحويلها إلى عوائد مالية تدعم الخزينة".

ولفت إلى أنه "في المقابل، تستطيع القطارات العائدة نقل مكونات صناعية ومعدات تقنية وسلعا استهلاكية إلى إيران".

الأمر الذي عده "يخلق حلقة تجارة برية متكاملة تسهم في تخفيف آثار الضغوط الاقتصادية الناتجة عن القيود المفروضة على حركة التجارة البحرية، وتوفر لطهران هامشا أوسع من المرونة الاقتصادية والاستراتيجية".

ومن المنظور الجيوسياسي، يرى التقرير أن "السيطرة الأميركية على مضيق هرمز باتت تواجه تآكلا تدريجيا بفعل تمدد شبكات الربط البري". 

وتابع: "فخلال العقود الماضية، فرضت الولايات المتحدة هيمنتها على أهم الممرات البحرية لحركية الطاقة عالميا، مستندة إلى تفوقها الجوي والبحري المطلق وآليات الدوريات الدولية المشتركة".

وبحسبه، "كان هذا الوجود العسكري البحري يشكل عائقا أمام محاولات تسوية المعاملات التجارية بعيدا عن الدولار الأميركي، حيث كانت تلك المحاولات عرضة لمخاطر الاعتراض والمراقبة".

"ومع اعتماد فاعلية هذا الردع الأحادي القائم على السيطرة البحرية على غياب البدائل البرية الفعالة، برزت باكستان التي تواجه تحديات متزايدة في قطاع الطاقة، إذ يعتمد جزء كبير من الاستهلاك المنزلي والصناعي على الغاز، في وقت تشهد فيه الحقول المحلية تراجعا في الإنتاج وارتفاعا في أسعار الغاز الطبيعي المسال عالميا بسبب التوترات الإقليمية"، يقول الموقع.

وأضاف: "من هنا، استغلت إيران هذه الظروف عبر توفير إمدادات مستقرة من غاز البترول المسال بأسعار تفضيلية، بما يتناسب مع الاحتياجات الاقتصادية والأمنية لباكستان".

وفي مقارنة بين النقل البري والنقل البحري، أوضح التقرير أن النقل عبر السكك الحديدية يتميز بقدرته على استيعاب شحنات ضخمة، والعمل في مختلف الظروف الجوية، وضآلة تأثره بالتدخلات الخارجية".

بعبارة أخرى، "يحد هذا المسار البري من قدرة الولايات المتحدة على ممارسة الضغوط نفسها التي تستطيع فرضها في البحر".

وعزا ذلك إلى أن "خطوط السكك الحديدية الواقعة داخل أراضي الدول ذات السيادة لا يمكن إخضاعها بسهولة لإجراءات التفتيش أو الاعتراض المباشر، ما يمنح هذا الممر أهمية متزايدة في معادلة التجارة والطاقة الإقليمية".

موقع خاص

بالنسبة لإسلام آباد، يقدر التقرير الصيني أن "شجاعة باكستان في مواجهة ضغوط العقوبات المفروضة من واشنطن، ومضيها قدما في تعزيز التعاون العميق مع إيران في مجال الطاقة، تنبع أساسا موقعها الخاص في المعادلات الإقليمية والدولية".

وتابع موضحا: "فمع دخول المفاوضات والترتيبات الأمنية الإقليمية بين واشنطن وطهران مرحلة حساسة، تظل قنوات التواصل المباشر بين الطرفين محدودة، ما يمنح إسلام آباد موقعا مهما بصفتها واحدة من الدول القليلة القادرة على الحفاظ على حوار رفيع المستوى مع الجانبين في آن واحد". 

وبحسب الموقع، فإن "هذا الدور يجعل واشنطن حذرة عند دراسة فرض عقوبات ثانوية على باكستان، إذ إن أي تدهور حاد في العلاقات مع إسلام آباد قد يحرم واشنطن من أحد أهم منافذ الوساطة في المنطقة الواقعة بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا".

من جانب آخر، "قد تدفع العقوبات الأميركية باكستان إلى تعزيز تقاربها مع القوى المناوئة للولايات المتحدة".

بصياغة أخرى، "يمنح هذا التوازن الدقيق باكستان هامشا أوسع للمناورة الدبلوماسية، يمكنها من تحويل أهميتها السياسية إلى مكاسب اقتصادية وطاقوية ملموسة".

علاوة على ذلك، "إن تنوع الشراكات الخارجية التي تعتمد عليها باكستان في مجالات البنية التحتية والتسليح والاستقرار المالي عزز من قدرتها على مقاومة الضغوط الخارجية".

وعليه، يشدد الموقع على أن باكستان "لم تعد تعتمد بصورة كاملة على أي قوة غربية واحدة، وهو ما منحها قدرا أكبر من الاستقلالية في اتخاذ قراراتها المتعلقة بأمن الطاقة وتلبية احتياجاتها الاقتصادية الداخلية".

تحول تاريخي

"ومما لا شك فيه أن المكاسب الإستراتيجية لربط السكك الحديدية بين باكستان وإيران لا تقتصر على هاتين الدولتين فحسب، بل تمتد إلى نطاق جغرافي أوسع يشمل آسيا بأكملها"، يقول التقرير.

وتابع: "فخط السكك الحديدية الجديد يرتبط بشبكات النقل التابعة للممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني، ما يخلق مسارا بريا متصلا يربط مناطق إنتاج الطاقة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بمراكز النقل والتوزيع في غرب الصين عبر ممر بري جديد وآمن".

وهو ما يمثل تغيرا جذريا عن الوضع القائم؛ إذ أشار الموقع إلى أنه "خلال العقود الماضية، اعتمدت تجارة النفط والغاز بشكل كبير على طرق بحرية طويلة تمر عبر نقاط اختناق إستراتيجية مثل مضيق هرمز ومضيق ملقا، وهي ممرات معرضة للتوترات العسكرية والجيوسياسية".

واستدرك: "أما المسارات البرية الجديدة، فتمنح الدول المعنية خيارات إضافية لنقل الطاقة والبضائع، وتقلل من الاعتماد المطلق على خطوط الملاحة البحرية".

وأردف: "والآن، يمكن نقل الطاقة الإيرانية كالغاز المسال مباشرة إلى باكستان عبر السكك الحديدية، ثم إعادة توجيهه من خلال ميناء جوادر أو عبر الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني".

وعقّب الموقع: "هذه الشبكة اللوجستية البرية متعددة الأبعاد تقلل بشكل كبير من الاعتماد على خطوط الشحن البحري الأحادية، وتحمل قيمة دفاعية لا تقدر بثمن في تنويع مصادر استيراد الطاقة وضمان أمن سلاسل الإمداد في العمق الإستراتيجي".

وبناء على تلك المعطيات، يؤكد التقرير الصيني على أن "الهيمنة البحرية الأحادية وعصا العقوبات الاقتصادية التي طالما استخدمتها الولايات المتحدة باتت تفقد فاعليتها تدريجيا أمام شبكات الترابط البري متعددة الأطراف".

وأضاف: "من التفوق العسكري الأميركي في مضيق هرمز إلى شبكات السكك الحديدية الممتدة عبر هضبة بلوشستان، يشهد مركز ثقل الصراع الجيوسياسي تحولا تاريخيا".

واختتم حديثه بالقول: "يثبت تشغيل خط السكك الحديدية بين باكستان وإيران أن التعاون الإقليمي متعدد الأطراف، القائم على المصالح المشتركة وترابط البنية التحتية، سينجح في نهاية المطاف في كسر الحصار البحري الأحادي المنبثق من عقلية الحرب الباردة، ليعيد رسم خارطة الدفاع والطاقة العالمية في المستقبل".