هل تبقى الجزائر "قوة توازن صامتة" أم تنزلق إلى محاور الصراع الإقليمي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في خضم التحول الجذري في توازنات الشرق الأوسط ومنطقة الساحل، تبرز الجزائر فاعلا إستراتيجيا غير تقليدي، تستمد أهميتها من اجتماع الاستقلالية والحذر والقدرة على صون الاستقرار.

وقدم معهد “تحليل العلاقات الدولية” الإيطالي (IARI) قراءة لموقع الجزائر ضمن الإطار الإستراتيجي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، رأى فيها أن مصداقيتها الإقليمية تنبع من عدم انخراطها في أي هيكلية أمنية غربية.

ولاحظ المعهد أن القيمة الإستراتيجية للجزائر بالنسبة للولايات المتحدة "تكمن تحديدا في استقلاليتها؛ فلا تعدها واشنطن حليفا عضويا ولا خصما تقليديا، وتفضل التعامل معها فاعلا مستقلا".

وعلى خلاف فاعلين إقليميين آخرين، لا تستضيف الجزائر قواعد أميركية، ولا تعتمد على المساعدات الأميركية، وظلّت خارج الترتيبات الأمنية الغربية الرئيسة، ومع ذلك، حافظت واشنطن على علاقات متذبذبة، لكنها براغماتية، معها.

وأوضح المعهد أن "هذا الحضور المحدود ظاهريا لا يعكس تراجعا في الاهتمام الأميركي؛ إذ يعبر عن نمط مختلف في العلاقة معها، ففي ظل تنافس متجدد بين القوى الكبرى والمتوسطة، تبدو الجزائر عامل استقرار ينبغي الحفاظ عليه، أكثر من كونها شريكا للتعبئة أو الاصطفاف".

احتواء الصدمات

وأشار التقرير إلى أن القيمة الإستراتيجية الأكثر أهمية للجزائر تمثلت، تاريخيا، في قدرتها على احتواء الصدمات الإقليمية دون أن تتحول هي نفسها إلى مصدر لعدم الاستقرار، وقد برز هذا الدور منذ الحرب الأهلية في تسعينيات القرن العشرين.

فخلال تلك الحقبة، نجحت الحكومة الجزائرية، إلى حد كبير، في الحيلولة دون امتداد تمرد "الجماعة الإسلامية المسلحة" إلى المستوى الإقليمي، أو استخدام الأراضي الجزائرية قاعدة لشن هجمات على دول الجوار.

وبعد انهيار ليبيا عام 2011، وبينما انخرط فاعلون إقليميون ودوليون آخرون، بصورة مباشرة أو عبر وكلاء، عززت الجزائر مراقبة حدودها، وكثفت جهود مكافحة الإرهاب، مع الإبقاء على قنوات وساطة هادئة، متجنبة بذلك التصعيد والاضطرابات الداخلية.

وبرز نهج مماثل في منطقة الساحل؛ حيث فضلت الجزائر التنسيق الاستخباراتي واحتواء شبكات التهريب والجماعات المسلحة، مع تمسكها برفض أي وجود عسكري أجنبي على أراضيها.

وأضاف المعهد أن الجزائر أدت دورا مماثلا تجاه تونس؛ إذ قدمت لها مساعدات اقتصادية بقيمة 200 مليون دولار، ولبت ما بين 10 و13 بالمئة من احتياجاتها من الكهرباء، محولة هذا الدعم إلى أداة لتعزيز الاستقرار، لا وسيلة للضغط السياسي.

ورأى التقرير أن الجزائر تصرفت في جميع هذه الملفات فاعلا مستقلا، منسجما مع عقيدته القائمة على السيادة والحذر الإستراتيجي وعدم الانحياز، مع حفاظه على التنسيق مع فاعلين دوليين.

ويعود هذا النهج، بحسب التقرير، إلى استقلال البلاد عام 1962، ويرتكز على ثلاثة مبادئ: التعاون دون تبعية، والانفتاح الاقتصادي دون خضوع، والتنويع الدبلوماسي دون قطيعة نهائية.

وخلال الحرب الباردة، ورغم اعتمادها على الاتحاد السوفياتي في توريد الأسلحة، رفضت الجزائر إقامة قواعد عسكرية سوفياتية دائمة على أراضيها، لتظلّ واحدة من الدول القليلة التي طبقت سياسة عدم الانحياز فعليا.

وانطبق النهج نفسه على علاقاتها مع الولايات المتحدة؛ فمن وساطتها في اتفاقيات الجزائر إبان أزمة الرهائن في إيران عام 1981، إلى تعاونها في مكافحة الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، حافظت الجزائر على قنوات حوار ثابتة، دون أن ترتبط بواشنطن ارتباطا كاملا.

ويترجم ذلك، بحسب المعهد، إلى “ميزة نادرة لواشنطن، هي وجود فاعل إقليمي قادر على الإسهام في الاستقرار، دون أن يطلب وصاية أو دعما لطموحاته. ولا يختلف النهج الأوروبي كثيرا، رغم حساسية العلاقات مع باريس”.

ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، ازدادت أهمية إمدادات الغاز الجزائرية للإستراتيجية الأوروبية الرامية إلى تنويع مصادر الطاقة، ومع ذلك، لم توظف الجزائر الغاز أداة للابتزاز، فيما حافظت أوروبا على علاقة براغماتية معها في جوهرها.

وفي السياق ذاته، لفت التقرير إلى أن اعتماد الجيش الجزائري على العتاد الروسي/السوفياتي بنسبة 73 بالمئة، إلى جانب الحضور الاقتصادي الصيني المكثف، يعكسان إستراتيجية توازن متعددة الأطراف، لا اصطفافا أيديولوجيا.

وينسحب هذا التحليل أيضا على مساعي الجزائر للانضمام إلى مجموعة "بريكس" -التي عرقلتها نيودلهي بطلب فرنسي- إذ ينظر إليها بوصفها أداة لتنويع الأسواق ومصادر الاستثمار، لا تحالفا مناهضا للغرب، وهو ما لا تمثّله المجموعة في الأصل.

وتتكامل التعددية الداخلية مع التعددية الخارجية؛ إذ يرى المعهد أن الاعتماد المفرط على قطاع واحد، مثل المحروقات، قد يصبح عبئا في الأمد المتوسط. ومن هذا المنطلق، تأتي المشاريع الصناعية والتعدينية الكبرى التي أطلقت بين عامي 2025 و2026.

ومن أبرز هذه المشاريع تطوير منجم الحديد في “غار جبيلات” الذي ربط حديثا بخط سكة حديد يمتد 950 كيلومترا، إلى جانب مشروع مركب الفوسفات في “بلاد الحدبة” الذي أوكل تشغيله التقني إلى الشركة الإيطالية "سايبم"، فضلا عن تطوير مواقع "وادي أميزور".

وبمناسبة إطلاق هذه المشاريع، وُصف عام 2026 بأنه "عام التنفيذ"، ويهدف ذلك، وفق التقرير، إلى خفض الاعتماد على المحروقات وتعزيز تنويع إنتاجي قادر على توفير فرص عمل لفئة سكانية شابة ومتنامية. ومن ثم، تتشابك السياسة الخارجية بعمق مع متطلبات التماسك الداخلي.

وأكد المعهد أن هذه المركزية المستقلة للجزائر تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لإيطاليا، فقد دفعت الحرب في أوكرانيا أولا، ثم الفوضى الشرق أوسطية ثانيا، روما إلى تنويع شراكاتها في مجال الطاقة لتقليص الاعتماد على مورد واحد.

وفي هذا الإطار، تمثل الجزائر إحدى ركائز الإستراتيجية الإيطالية للطاقة. غير أن الاهتمام الإيطالي لا يقتصر على المحروقات وحدها؛ إذ تسعى روما إلى ترسيخ دورها مركزا للطاقة في حوض المتوسط.

وفي المستقبل، تتطلع روما إلى أن تصبح عقدة لتطوير الطاقة المتجددة، بما في ذلك الهيدروجين الأخضر. ووفق هذه الإستراتيجية، يُنظر إلى الجزائر بوصفها شريكا إستراتيجيا في الامتداد الجيوسياسي الإيطالي في المتوسط، لا مجرد مورد.

مخاطر الداخل

ومع ذلك، نبه المعهد إلى أن النموذج الجزائري لا يخلو من مخاطر في الأمد المتوسط. فمن الناحية المؤسسية، لا تزال البلاد تحت قيادة العسكر الذين اضطلعوا بدور محوري في الكفاح من أجل الاستقلال.

وهذا ما يجعل الجزائر شيئا أعمق من مجرد “دولة الثكنات”، غير أن العسكر لا يظهرون في الواجهة، وكثيرا ما يضطلعون بدور الحَكَم بين الأطراف المتنافسة على النفوذ داخل الدولة، لتفادي انهيار السلطة.

وإلى جانب العسكر، تضم هذه المنظومة المنصب الرئاسي القوي دستوريا، وجهاز المعلومات المحلي (مديرية الأمن الداخلي)، وأوليغارشية اقتصادية ومالية قوية مرتبطة بقطاع المحروقات، تتزعمها شركة "سوناطراك".

وأشار التقرير إلى أن البرلمان وأحزاب الأغلبية، كـ"جبهة التحرير الوطني" العريقة و"التجمع الوطني الديمقراطي"، تؤدي دورا مفصلا أساسيا يربط بين الأجهزة والسكان، ولا يمكن اختزالها إلى مجرد دمى.

وتبدو قيادة الرئيس عبد المجيد تبون متماسكة، رغم وجود قدر من الغموض داخل العلاقة بين رأس الهرم السياسي والمؤسسة العسكرية.

ومن بين هذه العناصر، يبرز ملف المدير العام السابق للأمن الداخلي، اللواء عبد القادر حداد الذي أُقيل من منصبه ووُضع لاحقا تحت إجراءات تقييدية، قبل أن يتمكن، بحسب ما يُتداول، من مغادرة الجزائر والوصول إلى إسبانيا.

ويرى المعهد أن مثل هذه التطورات تعكس وجود تصدعات وتقاطعات داخل المنظومة الأمنية نفسها، وستتيح الانتخابات التشريعية المقررة في 2 يوليو/تموز 2026 قياس مدى التقاء مصالح المنظومة مع مصالح السكان.

وفي بلد شديد الفتوة، حيث يشكل من هم دون الثلاثين نحو 50 بالمئة من السكان، قد تضع أي احتجاجات شعبية جديدة المنظومة الجزائرية في مأزق حقيقي، على غرار ما حدث عام 2019، لكن في ظل مناخ إقليمي أشد توترا.

ولهذا السبب، أطلقت الحكومة، بالتعاون مع "سوناطراك"، برنامجا جديدا للاستثمار في البنية التحتية، يستهدف مكافحة بطالة الشباب، المقدرة حاليا بـ25 بالمئة.

ومن الناحية الاقتصادية، ما تزال المنظومة تستند أساسا إلى ريوع الطاقة التي تؤثر تأثيرا حاسما في إيرادات الجباية والصادرات، وتنطوي هذه البنية، حسب المعهد، على نقطتي ضعف رئيسيتين.

أولاهما ارتفاع الطلب الداخلي الذي يقلص الكميات المتاحة للتصدير، والثانية تقادم جزء من البنى التحتية وحقول الإنتاج. ولمعالجة هذه التحديات، أطلقت "سوناطراك" خطة تطوير جديدة لرفع إنتاج الغاز، ودعم الاستثمارات في مجالات الاستكشاف والتكرير والبتروكيماويات والطاقة المتجددة.

تهديدات الجوار

وتبقى، في المحصلة، عقدة الأمن الإقليمي. ففي مالي، يبدو أن النزاع يتصاعد، مما يضع الحكومة المالية وحلفائها الروس في موقف صعب. وأكد التقرير أن استمرار ما وصفه بـ "التمرد الجهادي" وتنامي هشاشة دول المنطقة يشكلان تهديدا مباشرا للأمن القومي الجزائري.

وينطبق ذلك بوجه خاص على البنى التحتية الإستراتيجية الواقعة جنوب البلاد وجنوب غربها. ويضاف إلى ذلك التنافس الدائم مع المغرب، إلى جانب نزاع إقليم الصحراء الغربية.

ويمثل ملف الصحراء الغربية، حسب المعهد، الاستثناء الوحيد من سياسة "عدم الانحياز" الجزائرية. 

وذكر أن البنى التحتية الإستراتيجية المشار إليها سابقا، مثل خط السكة الحديد الممتد إلى "غار جبيلات"، تمر قرب الحدود المغربية ومدينة تندوف.

وتستضيف تندوف حكومة جبهة البوليساريو في المنفى، ما يجعل خط السكك الحديدية هدفا محتملا في حال اندلاع نزاع جديد.

وعليه، تبقى الجزائر فاعلا إستراتيجيا تستمد أهميته من اجتماع الاستقلالية والحذر والقدرة على الحفاظ على الاستقرار.

ويرى المعهد أن “ما ينبغي رصده هو العلاقات بين أجهزة السلطة، ومستوى انخراط المواطنين، والضغوط القادمة من السياقات الإقليمية المجاورة، لا وجود أزمة فورية في تماسك الدولة”.

واستطرد: “فأي اصطفاف رسمي سيقلص قدرتها على الوساطة، ويضعف شرعيتها الداخلية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالسيادة والذاكرة المناهضة للاستعمار، ويحول موقع التوازن إلى موقف انحياز جامد”.

ومن جهة الولايات المتحدة، فإن شراكة تقليدية ستنتج التزامات تفوق المنافع، فيما تضمن صيغة "التعاون دون تبعية" الحالية استقرارا بتكلفة منخفضة.

أما لأوروبا، فالجزائر قطعة محورية في أمن المتوسط، ولإيطاليا ركيزة لتنويع مصادر الطاقة والامتداد في الفضاء المتوسطي الموسع.

وختم المعهد بأن دعم استقرار الجزائر في مرحلة تتبدل فيها التوازنات الإقليمية يسهم في الأمن الطاقي الذاتي، ويتجاوز ذلك إلى الأمن الإستراتيجي للفضاء الأورومتوسطي بأكمله.