بعد الحرب.. ماذا تبقى من الاتفاقية الأمنية بين إيران والعراق؟

"هناك ثلاثة ملفات تحظى بأولوية عاجلة من وجهة نظر طهران"
عادت الاتفاقية الأمنية المبرمة بين العراق وإيران عام 2023 إلى الواجهة مجدداً، مدفوعةً بظلال العدوان الأميركي الإسرائيلي ضد طهران، وترافق ذلك مع مطالبات إيرانية حثيثة لكل من بغداد وأربيل للإيفاء بكامل بنود الاتفاقية.
ووفقاً للرؤية الإيرانية، تشكل الاتفاقية الخطوة الأساسية لإنهاء التهديدات النابعة من الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة الموجودة على حدود إقليم كردستان.
وتنص بنودها على حظر استخدام الأراضي العراقية كمنطلق لأي أعمال عدائية ضد إيران، من خلال نزع سلاح تلك الجماعات، وإبعادها عن الحدود، وتكثيف انتشار القوات العراقية، ورفع مستوى التعاون الاستخباراتي الثنائي.
ولمناقشة تداعيات هذا الملف في ظل المشهد الإقليمي المعقد، حاور موقع "الدبلوماسية الإيرانية" باقر حكيم، الخبير المتخصص في الشؤون العراقية.

ثغرات أمنية
وأوضح حكيم أن "الاتفاقية لا تقتصر على تعزيز الأمن القومي للبلدين فحسب، بل تسهم أيضا في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومنع الجهات الخارجية من استغلال الثغرات الأمنية".
وأكد أن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعتبر التنفيذ الكامل وغير الانتقائي لبنود الاتفاقية مطلبا قانونيا وحاسما لا يمكن التغاضي عنه".
وتابع: "فخلال السنوات الماضية، استخدمت بعض الفصائل الكردية المسلحة المتمركزة في إقليم كردستان العراق الأراضي العراقية مراراً لتنفيذ أنشطة مناهضة لأمن إيران".
"كما رصدت تقارير وشواهد في مراحل مختلفة، منها فترات الاضطرابات الداخلية وبعض التطورات الأمنية الأخيرة، محاولات هذه الجماعات للإخلال بالنظام العام والتعاون مع أعداء إيران والمتجاوزين على سلامة أراضيها وسيادتها الوطنية"، وفق قوله.
ومن هنا، يشدد حكيم على أن "تنفيذ الالتزامات الأمنية العراقية تجاه هذه الجماعات اكتسب أهمية مضاعفة.
وعن الجهات المسؤولة عن تنفيذ الاتفاقية، أشار حكيم إلى أن "المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الحكومة الاتحادية العراقية بتقدير أن الاتفاقية أبرمت بين دولتين رسميتين".
لكنه لفت في الوقت ذاته إلى أن "جزءا مهما من الالتزامات التنفيذية يتعلق بمناطق تقع تحت إدارة إقليم كردستان العراق، ما يفرض على سلطات الإقليم التعاون الكامل في تنفيذ بنود الاتفاقية ضمن إطار الدستور العراقي والالتزامات الدولية المترتبة على الدولة العراقية".
وأردف: "أكدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرارا أنها تتوقع من الحكومة المركزية في بغداد ومن مسؤولي إقليم كردستان التحرك بجدية وسرعة أكبر لتنفيذ التزاماتهم".
محذرا من أن "أي تباطؤ في هذا الملف قد يؤدي إلى استمرار التهديدات الأمنية وزيادة التوترات غير الضرورية في المنطقة".

أولوية عاجلة
وبشأن أبرز ما تنتظره إيران من الاتفاقية واللقاءات المرتبطة بها، قال حكيم إن هناك ثلاثة ملفات تحظى بأولوية عاجلة من وجهة نظر طهران.
وبحسب وجهة نظره، "يتمثل الملف الأول في نزع السلاح الكامل للجماعات الكردية المسلحة ذات التوجهات الانفصالية الموجودة في المناطق الحدودية العراقية".
أما الملف الثاني فهو، بحسبه، "إبعاد هذه الجماعات عن المناطق القريبة من الحدود الإيرانية ومنعها من ممارسة أي نشاط عسكري أو تدريبي أو تنظيمي".
وتابع: "ويتمثل الملف الثالث في تسليم القادة والعناصر المطلوبين الذين تتهمهم إيران بالمشاركة في أعمال إرهابية وعمليات مسلحة استهدفت أمنها".
وشدد حكيم على أن "هذه الملفات الثلاثة تشكل، عمليا، الأعمدة الرئيسة للاتفاقية الأمنية. مشيرا إلى أن استعادة الثقة الأمنية بين الجانبين بالشكل المطلوب ستظل أمرا صعبا ما لم يتم تنفيذها بصورة كاملة".
وردا على الانتقادات التي توجه أحيانا للعمليات العسكرية الإيرانية ضد مقار هذه الجماعات داخل الأراضي العراقية، قال حكيم إنه يرى أن "موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية في هذا الشأن واضح تماما".
واستطرد: "إذ تؤكد طهران باستمرار أن الأولوية يجب أن تكون للتنسيق والتعاون الأمني مع الحكومة العراقية وتنفيذ الاتفاقيات المشتركة".
وأضاف أنه "في حال استمرار التهديدات المسلحة ضد الأمن القومي الإيراني وعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجتها، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ترى أن من حقها، استنادا إلى القواعد المعترف بها دوليا ومبدأ الدفاع المشروع عن النفس، الدفاع عن أمنها ومواطنيها".
ومن ثم، دافع حكيم عن الضربات التي نفذتها القوات المسلحة الإيرانية ضد مواقع الجماعات المسلحة ومقارها منذ بداية ما وصفه بـ"الحرب المفروضة الثالثة"، مقدرا أنها تندرج في إطار الدفاع عن الأمن القومي الإيراني، وتهدف إلى إحباط أي مخططات لشن عمليات تخريبية والحد من القدرات العملياتية لهذه الجماعات.
كما ذكر أن إيران "أعلنت بوضوح مواصلتها استخدام جميع الأدوات القانونية المتاحة للدفاع عن أمنها القومي إذا لم تلتزم الجهات المعنية بتعهداتها الأمنية".
وفي ختام حديثه، شدد حكيم على أن "أمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجمهورية العراق يرتبط بصورة وثيقة لا يمكن فصلها، وإن أيا من البلدين لا يستطيع تجاهل التهديدات الأمنية التي تستهدف الطرف الآخر".
وأردف: "وفي ظل دعم بعض الأطراف الخارجية وأعداء جمهورية إيران الإسلامية للفصائل المسلحة المناهضة للحكومة من خلال تقديم الدعم التسليحي والمالي واللوجستي، تبرز ضرورة التعاون والتنسيق الأمني بين طهران وبغداد أكثر من أي وقت مضى".
وفي هذا السياق، يقدر أن "التنفيذ الكامل للاتفاقية الأمنية بين البلدين لا يصب فقط في مصلحة تأمين مصالح وأمن جمهورية إيران الإسلامية، بل سيساعد أيضا في تعزيز السيادة الوطنية للعراق، وتثبيت أمن الحدود المشتركة، ومنع تدخل ونفوذ الجهات الخارجية في المنطقة".
وعليه، توقع حكيم أن "تتحمل الحكومة المركزية العراقية ومسؤولو إقليم كردستان مسؤولية أكبر، وأن يسرعوا من وتيرة تنفيذ التزاماتهم، ويهيئوا الظروف لإنهاء نشاط الفصائل المسلحة التي تهدد أمن واستقرار المنطقة".















