من حلفاء إلى أعباء.. كيف عمقت إيران الشرخ بين اليمين في أميركا وأوروبا؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أدت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران إلى تصاعد الانتقادات داخل الأوساط اليمينية في الولايات المتحدة وأوروبا على حد سواء.

حيث رأى مؤيدون سابقون لدونالد ترامب أن الحرب انعكست سلباً على الاقتصاد ورفعت أسعار الطاقة، بينما رأى بعض الأوروبيين أنها تعكس تطبيق سياسة “أميركا أولاً” على حساب مصالح الحلفاء.

وفي هذا السياق، نشرت صحيفة "ذا بيبر" الصينية مقالاً بعنوان: “دروس الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران: من ‘حلفاء مقربين’ إلى ‘معارف تجمعهم المصادفات’… اتساع الشرخ داخل اليمين في أميركا وأوروبا”.

رؤى متباينة

وتطرق مايكل كازين، أستاذ التاريخ في جامعة جورجتاون والمحرر المشارك الفخري لمجلة "ديسنت" اليسارية الأميركية في حديثة لـ"ذا بيبر" إلى طبيعة نشأة تيار "لنجعل أميركا عظيمة مجددا" قائلا: برز تيار "ماجا" خلال الحملة الانتخابية الأولى لترامب عام 2016، واعتمد بصورة أساسية على الولاء الشخصي للرئيس وخطابه السياسي".

إضافة إلى ذلك، "مثلت "ماجا" ردا على ما عدّه أنصارها إخفاقات إدارة جورج بوش الابن والجمهوريين التقليديين".

وأردف: "وعلى عكسها، كانت الحركات اليمينية السابقة تتشكل وتعمل بصورة أكثر استقلالا عن الشخصيات السياسية الفردية".

وبحسب كازين، فإن "الشعور بعدم الأمان الناجم عن الأزمات الاجتماعية كثيرا ما يدفع المجتمعات الغربية نحو تبني حلول أكثر محافظة".

ووفق رأيه، "أسهمت الأزمة المالية عام 2008 في تعميق انعدام الثقة بالنخب السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة، بينما عززت هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 انتشار الأفكار المناهضة للهجرة والنخب، ما وفر بيئة مواتية لصعود التيارات اليمينية الشعبوية".

ويضيف كازين أن "اليمينيين الشعبويين في الولايات المتحدة يضعون أنفسهم بين النخب السياسية والثقافية من جهة، والطبقات الدنيا التي تضم نسبة كبيرة من المهاجرين غير البيض من جهة أخرى، وغالبا ما يروجون لفكرة أن الهجرة تهدد مصالح الطبقة الوسطى الأميركية وقيمها".

أما كامو فيرى أن "الشعبوية اليمينية تنطلق من فكرة أن الشعب، ككتلة واحدة غير مقسمة بمصالح طبقية أو جنسية أو عمرية أو دينية، يعلم بفطرته ما هو مفيد له، وبناء على ذلك، تتركز سياستها بشكل أساسي على "الاستماع إلى إرادة الشعب" وتحويلها إلى سياسات تطبق على أرض الواقع".

ومع ذلك، يؤكد كامو أن "الأسس الفكرية لليمين على ضفتي الأطلسي ليست واحدة".

وتابع: "فالقومية في الولايات المتحدة ترتبط بالدين بصورة أوثق بكثير مما هي عليه في أوروبا، حيث ما يزال كثير من الأميركيين يؤمنون بأن بلادهم تحمل رسالة خاصة وتحظى برعاية إلهية".

"أما في أوروبا، فما زالت النزعات القومية الحديثة مرتبطة تاريخيا بالتيارات الفاشية التي سادت خلال الفترة الممتدة من عشرينيات القرن العشرين وحتى عام 1945"، وفق تحليله.

ويشير كامو إلى أن "أزمة الهجرة عام 2015 شكلت العامل الأبرز في صعود اليمين الأوروبي، بعدما تقدم أكثر من 1.3 مليون مهاجر من سوريا وأفغانستان والعراق بطلبات لجوء، الأمر الذي أثار مخاوف ثقافية واقتصادية واسعة وأسهم في تغيير الخريطة السياسية للقارة".

ومن بين هؤلاء الأوروبيين يبرز دافيد، البالغ من العمر 28 عاما، والمنحدر من مدينة كراكوف، ثاني أكبر مدن بولندا، قبل أن ينتقل إلى بروكسل البلجيكية بسبب عمله. 

وفي حديثه للصحيفة الصينية وصف دافيد نفسه "مؤيد لليمين التقليدي، بما في ذلك معارضة الهجرة والتعددية الثقافية، ويتبنى توجها محافظا اجتماعيا، ويدعم اقتصاد السوق وسياسة خارجية براغماتية بدلا من المقاربات المثالية أو المرتكزة على شعارات حقوق الإنسان".

واستدركت الصحيفة: "لكن دافيد يميز نفسه عن اليمين الأوروبي التقليدي؛ إذ يصف توجهه بأنه "يمين مؤيد لأوروبا"، يقوم على فكرة أن يركز الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة على القضايا الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى، بينما تظل السياسات الاجتماعية من اختصاص الدول الأعضاء كل على حدة".

ويشرح رؤيته قائلا: "أعتقد أن الهوية السياسية تتكون من ثلاثة مستويات: الإقليم، والدولة، والحضارة، فكل أوروبي ينتمي أولا إلى منطقته المحلية، ثم إلى دولته الوطنية، وأخيرا إلى الحضارة الأوروبية".

واستطرد "ومن هذا المنطلق، نتجاوز اليمين التقليدي الذي يتجاهل السياقات الإقليمية والقومية والحضارية التي ينتمي إليها".

وفي تعقيبه على حديث دافيد، يرى بن أنسيل، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أكسفورد، أنه "رغم تقديم الأحزاب الشعبوية نفسها بوصفها قوى مناهضة للمؤسسات القائمة والنخب التقليدية، فإن قواعدها وأنصارها يحملون في الواقع رؤى متباينة ومتعارضة في كثير من الأحيان".

مضيفا أنه "مع تغير البيئة الجيوسياسية، بدأت النظرة إلى ترامب وتيار "ماجا" تتبدل داخل المعسكر اليميني نفسه، الذي كان يعاني أساسا من تماسك هش".

وذكرت الصحيفة أنه "في ظل هذه الأجواء، بدأ عدد من الشخصيات البارزة داخل "ماجا" النأي بأنفسهم عن ترامب، ومن أبرز هؤلاء المذيع اليميني ومقدم البودكاست الشهير تاكر كارلسون الذي لعب دورا بارزا في دعم حملة ترامب الانتخابية عام 2024 ووصفه سابقا بأنه (القائد الوطني)".

واستدركت: "إلا أنه أعلن علنا في أبريل/ نيسان 2026 ندمه على دعمه للرئيس، معربا كذلك عن أسفه؛ لأنه "ضلل الآخرين" في هذا الشأن".

ويعتقد جان إيف كامو أن كارلسون "يتبنى قناعاته بصدق، وأن مواقفه تنسجم مع توجهات الجناح الأكثر تشددا داخل التيار المحافظ، بما في ذلك الاعتقاد بوجود نفوذ واسع لما يصفونه بـ(جماعات الضغط اليهودية)".

وأضاف: "جزءا من أنصار تيار "ماجا" باتوا مقتنعين بأن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إلى جانب الدعم غير المشروط لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يضر بالمصالح الاقتصادية والعقلانية السياسية للولايات المتحدة".

أما الشاب الأميركي كارسون، فيرى أن "التحول في مواقف شخصيات مؤثرة مثل تاكر كارلسون قد يكون مدفوعا بعوامل متعددة، لكنه يعترف في الوقت نفسه بأن الحرب الممتدة بدورها غيرت نظرته الشخصية إلى ترامب".

وأردف: "أعتقد أن هذه الحرب لا تحظى بشعبية واسعة بين أبناء الجيل زد"، موضحا أن "كثير من أقراني يريدون رؤية اقتصاد أفضل، ومستوى معيشة أكثر قدرة على التحمل، وتوسعا في خدمات الرعاية الصحية، والأكثر أهمية وجود خطة حقيقية لتحقيق ذلك".

واستطرد: "إذا لم يحدث هذا، فإن الناخبين سيصوتون في انتخابات التجديد النصفي المقبلة لصالح بدائل أخرى".

’’حرب أهلية’’

ومع ذلك، لفتت الصحيفة الصينية إلى أن "بعض المؤشرات تشير إلى أن ترامب لا يزال يحتفظ بقاعدة شعبية صلبة".

واستشهدت على ذلك بزيارة مراسلي وكالة "رويترز" الأميركية بلدة ويغينز الزراعية الصغيرة في شمال شرق ولاية كولورادو، التي لا يتجاوز عدد سكانها 1400 نسمة، إلى جانب المناطق المحيطة بها. 

وتابعت: "خلال أكثر من عشرين مقابلة أجريت على طول الطريق السريع رقم 52، كرر معظم مؤيدي ترامب المبررات نفسها التي يطرحها الرئيس بشأن الحرب".

وكان ترامب قد صرح قائلا: "أنا لا أفكر في الوضع الاقتصادي للأميركيين عندما أتحدث عن إيران. الشيء الوحيد المهم هو ألا تمتلك سلاحا نوويا". 

وذكرت "ذا بيبر" أنه "في مقاطعتي مورغان وويلد، أكد عدد من الناخبين أنهم مستعدون لتحمل ارتفاع أسعار الوقود إذا كان ذلك سيقضي على التهديد النووي الإيراني، كما أشار كثيرون إلى أن أسعار الطاقة شهدت ارتفاعات كبيرة أيضا خلال فترة حكم الرئيس السابق جو بايدن".

علاوة على ذلك، أشارت الصحيفة إلى أنه "في أوساط المؤثرين اليمينيين في الولايات المتحدة، لا يزال عدد من الشخصيات البارزة المؤيدة لإسرائيل، مثل مارك ليفين وبن شابيرو ولورا لومر، متمسكين بدعمهم الكامل لترامب، مقدرين أن الحرب تهدف إلى حماية أمن الولايات المتحدة والعالم".

ورغم ذلك، يقدر كامو أن "الانقسامات داخل تيار "ماجا" تتعمق تدريجيا، محذرا من أن أي تصعيد إضافي في الأزمة الإيرانية سيؤدي إلى اتساع هذه الفجوات".

أما مايكل كازين فيعتقد أن "الوقت لا يزال مبكرا لتحديد مدى التأثير الفعلي للأصوات المنتقدة داخل التيار".

وبحسب وجهة نظره، "طالما ظل ترامب يحظى بدعم غالبية الناخبين الجمهوريين ومعظم المسؤولين المنتخبين من الحزب الجمهوري، فسيكون من الصعب على المعارضين داخل التيار إحداث تأثير ملموس".

وفي المقابل، يشير جيمس فيشباك، الجمهوري البالغ من العمر 31 عاما والمرشح لمنصب حاكم ولاية فلوريدا، إلى أن الحزب الجمهوري يشهد حاليا ما يشبه "حربا أهلية" داخلية. 

وأضاف: "هناك من يرى أن الصراع الدائر اليوم هو مواجهة بين تيار (ماجا) وتيار (أميركا أولا)".

ويضيف فيشباك الذي كان من أشد المؤيدين لترامب في السابق، أنه "بات يمنح أداء الرئيس تقييما "مقبول أو جيد منخفض".

ولا تبدو أوروبا بمنأى عن تداعيات هذه الحرب، فوفقا لتصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في نهاية أبريل/ نيسان، "فقد ارتفعت تكلفة وارداتنا من الوقود الأحفوري بمقدار يتجاوز 27 مليار يورو خلال 60 يوما فقط من الصراع، دون أن نحصل على أي إمدادات إضافية من الطاقة".

في هذا الصدد، ورغم أنه ينتمى للتيار اليميني، إلا إن دافيد "يحتفظ موقف سلبي تجاه ترامب وتيار (ماجا)".

وتابع المواطن البولندي حديثه للصحيفة: "إن جوهر شعار "أميركا أولا" يعني عمليا أن واشنطن ستقدم مصالحها الخاصة على مصالح حلفائها الأوروبيين كلما تغيرت الظروف الجيوسياسية".

وأردف: "الولايات المتحدة واحدة من أكبر منتجي النفط في العالم، بينما تعد أوروبا من أكبر مستوردي الطاقة، ومن هذا المنطلق، تستفيد أميركا من ارتفاع أسعار النفط، بينما تتجاهل التداعيات السلبية التي تتحملها أوروبا".

في هذا السياق، لفتت "ذا بيبر" أنه "سبق أن أشارت شبكة "يورونيوز" الأوروبية إلى أن الأحزاب الأوروبية اليمينية المتطرفة المؤيدة لتيار "ماجا" وإسرائيل والمعادية للإسلام، تجد صعوبة في تأييد حرب قد تلحق أضرارا مباشرة بمصالح المواطنين الأوروبيين".

واستطردت الصحيفة: "رغم أن هذه القوى تتبنى مواقف متشددة تجاه إيران، ويحاول بعضها الحفاظ على دعمه لترامب، فإنها تجد نفسها في موقف بالغ التعقيد بين تقديرات الأيديولوجيا والمصالح الوطنية".

عبء سياسي 

في خضم هذا الوضع، تساءلت الصحيفة الصينية: هل يبتعد اليمين الأميركي والأوروبي عن بعضهما؟

فوفقا لها، "بات عدد متزايد من الأوروبيين ينظر إلى التحالف مع تيار "ماجا" بصفته عبئا سياسيا أكثر منه مكسبا".

وعزت ذلك إلى أنه "رغم التقارب بين الطرفين في ملفات الهجرة وتشديد الرقابة على الحدود والتحذير من تآكل الهوية الثقافية الأوروبية، وبرغم الدعم الذي قدمه معسكر ترامب لأحزاب مثل حزب البديل من أجل ألمانيا؛ فإن نتائج الانتخابات المجرية الأخيرة كشفت عن تغير ملحوظ في المزاج السياسي".

ففي انتخابات 12 أبريل/ نيسان، خسر رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، أحد أبرز حلفاء ترامب في أوروبا، السلطة بعد 16 عاما من الحكم.

ولفتت الصحيفة إلى أن ذلك "جاء بعد أيام فقط من زيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى بودابست في 7 أبريل/ نيسان لدعم أوربان انتخابيا".

مع ذلك، ورغم التحول الذي طرأ على نظرته لترامب، لا يعتقد كارسون أن "الترامبية تواجه تراجعا عالميا".

بل يرى أن "التيارات اليمينية ستواصل الصعود في العديد من الدول الأوروبية ذات الأغلبية البيضاء، مقدرا أن خسارة أوربان تمثل حالة خاصة أكثر منها مؤشرا عاما"، وفقا لما صرح به للصحيفة.

أما المواطن الأوروبي دافيد فيتبنى رؤية مختلفة تماما؛ إذ ذكرت الصحيفة أنه يرى أن ترامب "أصبح أكثر استخفافا بأوروبا مع مرور الوقت".

وبحسبه، "يظهر ذلك من خلال طريقة تعامله مع القادة الأوروبيين خلال زياراتهم إلى البيت الأبيض، أو عبر التهديدات الأميركية بضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، أو التلويح بوقف الدعم لأوكرانيا، أو محاولات بعض الشركات الأميركية التهرب من الضرائب الأوروبية".

واستدركت الصحيفة: "لكن القضية الأكثر أهمية بالنسبة إليه تتمثل في الملف الإيراني؛ إذ يعتقد أن الأوروبيين يشعرون بأن الولايات المتحدة تتخذ قرارات مصيرية تمس أمنهم واقتصادهم من دون التشاور معهم أو أخذ مصالحهم في الحسبان، وهو ما يعمق الشعور المتزايد بأن المسافة بين اليمين الأميركي ونظيره الأوروبي آخذة في الاتساع أكثر من أي وقت مضى".

وأقر دافيد في الوقت نفسه بأن "المواقف داخل أوروبا ليست موحدة بالكامل؛ إذ لا يزال جزء من المواطنين العاديين والمحافظين، إضافة إلى أبناء جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، يميلون إلى تأييد الولايات المتحدة، ما يجعل من الصعب إصدار أحكام عامة على جميع الأوروبيين".

وفي تعقيبها على حديث دافيد، لفتت الصحيفة إلى أن "تراجع شعبية ترامب في أوروبا سبق اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، فبحسب استطلاع أجراه موقع "بوليتيكو" في ديسمبر/ كانون الأول 2025، كان ترامب شخصية غير محبوبة لدى الناخبين الأوروبيين، بما في ذلك قطاعات من ناخبي اليمين المتطرف".

وفي هذا السياق، كتب كل من ليانا فيكس، الباحثة البارزة في الشؤون الأوروبية بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، ومايكل كيميج، مدير معهد كينان، أن "أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية نظرت تاريخيا إلى الولايات المتحدة بصفتها تهديدا للسيادة والهوية الثقافية الأوروبية".

فعلى سبيل المثال، رأى حزب البديل من أجل ألمانيا الدور الأميركي في أوروبا تجسيدا لما وصفه الفيلسوف السياسي الألماني كارل شميت بـ"القوة الخارجية الدخيلة"، أي القوة التي لا ينبغي لها التدخل في الشؤون الأوروبية.

وعلق دافيد: "في دول مثل ألمانيا وفرنسا، يحمل نحو نصف الناخبين اليمينيين نظرة سلبية تجاه الولايات المتحدة، وحتى في بولندا، بلدي الأصلي، التي يمكن وصفها بأنها الولاية الأميركية الحادية والخمسون من شدة قربها من واشنطن، فإن غالبية المواطنين لا يعدون الولايات المتحدة حليفا موثوقا بشكل كامل".

وتقدر الصحيفة أن "عددا متزايدا من القادة اليمينيين في أوروبا استوعب هذه الرسالة، فرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي توصف أحيانا بأنها "الأكثر قدرة على فهم ترامب" بين القادة الأوروبيين، اتخذت موقفا مشابها لمواقف قادة أوروبيين وسطيين مثل قادة بريطانيا وفرنسا، إذ رفضت السماح باستخدام القواعد الجوية الإيطالية لشن ضربات هجومية أميركية ضد إيران".

أما "جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي، فقد أدرك أن الاصطفاف العلني خلف واشنطن قد يلحق ضررا بفرصهم السياسية الداخلية".

وفي ألمانيا، أشاد تينو خروبالا، الرئيس المشارك لحزب البديل من أجل ألمانيا، بقرار الحكومة الإسبانية اليسارية رفض السماح للقوات الأميركية باستخدام قواعدها العسكرية لاستهداف إيران، كما دعا الحزب إلى سحب القوات الأميركية من ألمانيا. 

وعلى نفس المنوال، انتقدت أليس فايدل، الرئيسة المشاركة الأخرى للحزب، ما وصفته بـ"المغامرة الأميركية" في إيران، وحثت قيادة الحزب على تقليص اللقاءات العلنية مع الجمهوريين المرتبطين بتيار "ماجا".

"وحتى نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح البريطاني وأحد أكثر السياسيين الأوروبيين قربا من ترامب، والذي لطالما قدم نفسه بوصفه "أقرب حلفاء ترامب وأصدقائه في بريطانيا"، شهدت مواقفه تحولا ملحوظا". تقول الصحيفة.

وتابعت: "فبعد أن أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميا وتصاعد مشاعر الاستياء من ترامب داخل بريطانيا، أقر في مقابلة أجريت معه في أبريل/ نيسان بأنه لم يتحدث مع ترامب منذ أشهر".

وسخرت وسائل إعلام بريطانية من هذا التحول بالقول: إن العلاقة بين الرجلين انتقلت من "صديقين مقربين" إلى "معارف يلتقيان بالصدفة".

بدوره، يرى مايكل كازين أن "الأحزاب اليمينية الأوروبية، بما فيها حزب ميلوني، بنت شعبيتها على الدفاع عما تعده مصالح وطنية، خاصة من خلال معارضة الهجرة والإجهاض وبعض السياسات التقدمية".

ومن ثم فإنه يعتقد أن "المشاركة في حرب إلى جانب الولايات المتحدة ضد دولة لا تشكل تهديدا مباشرا لأوروبا، بينما تؤدي في الوقت ذاته إلى تعطيل تدفق النفط والسلع الإستراتيجية، لا ينسجم مع مصالحها السياسية".

بعبارة أخرى، "إن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران كشفت حقيقتين أساسيتين بشأن العلاقات عبر الأطلسي، الأولى أن أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية ليست حليفا حربيا طبيعيا لترامب، وأن التقارب الأيديولوجي لا يتحول تلقائيا إلى ولاء سياسي".

“أما الحقيقة الثانية فهي أن الدعم العلني الذي تقدمه الإدارة الأميركية للأحزاب والقادة اليمينيين في أوروبا ألحق ضررا بعلاقات واشنطن مع القادة الأوروبيين الآخرين غير المنتمين إلى اليمين المتطرف”. وفق الصحيفة.

ومن وجهة نظر دافيد، فإن "إن التغيرات التي تشهدها العلاقات عبر الأطلسي عميقة إلى درجة أن أوروبا لن تتمكن من التعامل معها إلا عبر تعزيز قوتها الاقتصادية والسياسية وقدرتها على موازنة النفوذ الأميركي".

ويقدر دافيد أن ذلك ما يفسر "تقبل قطاعات متزايدة من المحافظين الأوروبيين لفكرة التعاون مع قوى أخرى، مثل الصين، بهدف مواجهة ما يعدونه سياسات أميركية متطرفة ومتهورة".

وفي المقابل، يؤكد الباحث جان إيف كامو أن "مستقبل اليمين المتطرف الأوروبي لا يرتبط بترامب أو حركة "ماجا"، بل بعوامل داخلية مستمرة مثل الهجرة والتهديدات الأمنية والشيخوخة السكانية والانقسامات الاجتماعية، ما يجعله قوة سياسية مؤثرة في أوروبا بغضّ النظر عن التحولات في العلاقات عبر الأطلسي".