أغفل الوكلاء والصواريخ.. لماذا لا يبدد اتفاق ترامب وإيران قلق الخليج؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بينما احتفت العواصم الخليجية باتفاق وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بصفته فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أشهر من التوتر والتصعيد العسكري، كشفت بيانات الترحيب الرسمية عن حقيقة مختلفة، فدول الخليج لم تتعامل مع الاتفاق بوصفه نهاية للأزمة بقدر ما نظرت إليه كبداية اختبار جديد لسلوك إيران الإقليمي، وسط مخاوف من أن يتحول أي انفراج أميركي إيراني إلى تجاهل للهواجس الأمنية الخليجية المزمنة.

وفي 18 يونيو/حزيران 2026، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان إلكترونياً على مذكرة تفاهم تقضي بالإيقاف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، والعودة إلى طاولة المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، في خطوة أنهت أربعة أشهر من المواجهة العسكرية المباشرة وغير المباشرة بين الجانبين.

ترحيب حذر

وعلى وقع الاتفاق بين الطرفين، سارعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى الترحيب بوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المفاوضات، إلا أن البيانات الرسمية حملت رسائل سياسية وأمنية واضحة تتجاوز مجرد الترحيب بالتهدئة.

فقد أشادت السعودية والكويت والبحرين والإمارات وسلطنة عمان بالجهود التي قادتها باكستان وقطر للوصول إلى الاتفاق، معتبرة أنه يمثل خطوة مهمة نحو خفض التصعيد وحماية أمن المنطقة واستقرارها.

لكن معظم هذه الدول شددت، بدرجات متفاوتة، على ضرورة أن يتضمن أي اتفاق دائم التزاماً إيرانياً بمبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهي عبارات تعكس استمرار القلق الخليجي من السياسات الإقليمية الإيرانية.

وجاء الترحيب الخليجي بالاتفاق بعد أشهر من التوترات الأمنية التي أثارت مخاوف واسعة من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تهدد الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية، خصوصاً في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً.

وتعكس البيانات الخليجية بشكل واضح استمرار الهواجس من السلوك الإيراني الإقليمي، لا سيما بعد أن شهدت الحرب الأخيرة هجمات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية ومدنية في عدد من دول المنطقة رداً على العمليات العسكرية الأميركية.

ومع أن دول الخليج تنظر إلى الاتفاق بوصفه فرصة لتجنب حرب جديدة، فإنها تسعى في الوقت نفسه إلى ضمان ألا يؤدي الانفراج بين واشنطن وطهران إلى تجاهل المخاوف الأمنية الخليجية التي ظلت حاضرة طوال العقود الماضية.

ولا تقتصر المخاوف الخليجية على الملف النووي الإيراني وحده، بل تمتد إلى قضايا تعدها دول المنطقة أكثر التصاقاً بأمنها المباشر، وفي مقدمتها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وشبكات الحلفاء الإقليميين المرتبطين بطهران.

وتبرز مسألة وقف دعم الوكلاء كواحدة من أهم الرسائل التي حملتها المواقف الخليجية؛ إذ دعت الكويت صراحة إلى وقف دعم الجماعات المسلحة، فيما شددت البحرين والإمارات والسعودية على أهمية الالتزام بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول، في إشارة غير مباشرة إلى النفوذ الإيراني في عدد من الساحات العربية.

وتخشى بعض العواصم الخليجية أن تعود واشنطن إلى نمط التفاهمات الثنائية مع طهران، بحيث يتركز الاهتمام الأميركي على الملف النووي فقط، بينما تبقى الملفات المرتبطة بالصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني خارج إطار المعالجة الفعلية، وهو ما حدث بدرجات متفاوتة خلال مراحل سابقة من المفاوضات الأميركية الإيرانية.

لذلك تنظر دول الخليج إلى الاتفاق بصفته اختباراً حقيقياً لمدى استعداد إيران لتغيير سلوكها الإقليمي، أكثر من كونه تسوية نهائية للخلافات القائمة.

دفع التعويضات

ومن المتوقع أن يسهم الاتفاق في تخفيف حدة التوتر العسكري الذي خيم على الخليج خلال الأشهر الماضية، خاصة مع تعهد الطرفين بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يمثل أولوية قصوى للدول الخليجية التي تعتمد اقتصاداتها بشكل رئيس على صادرات النفط والغاز.

كما أن عودة المفاوضات بين واشنطن وطهران قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي، بما ينعكس إيجاباً على الاستثمارات الأجنبية وأسواق الطاقة والتجارة الإقليمية، فضلاً عن تقليص احتمالات تعرض المنشآت النفطية والممرات البحرية لهجمات أو اضطرابات أمنية.

غير أن العواصم الخليجية لا تنظر إلى هذه المكاسب المحتملة بمعزل عن المخاطر؛ إذ ترى أن أي تحسن اقتصادي أو رفع للعقوبات عن إيران قد يمنحها موارد إضافية يمكن توظيفها لتعزيز نفوذها الإقليمي إذا لم تترافق عملية الانفتاح مع تفاهمات أمنية واضحة.

أحد أكثر الملفات إثارة للجدل عقب الإعلان عن الاتفاق تمثل في الحديث عن صندوق تمويل أو برنامج استثماري قد تصل قيمته إلى 300 مليار دولار لدعم إعادة إعمار الاقتصاد الإيراني وجذب الاستثمارات الأجنبية.

فقد ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن إدارة ترامب تدرس إنشاء صندوق استثماري بهذا الحجم في حال صمود الاتفاق، فيما تحدثت وكالة مهر الإيرانية عن وجود بند في مسودة التفاهم يتضمن خططاً لإعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.

لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفى وجود أي التزام أميركي مباشر بهذا الحجم من التمويل، مؤكداً أن ما يتم تداوله بشأن دفع الولايات المتحدة أو حلفائها الخليجيين هذه الأموال "مجرد أخبار زائفة".

وقال ترامب: إن الولايات المتحدة صادرت أموالاً إيرانية مجمدة، وقد تضطر في مرحلة ما إلى إعادة جزء منها، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن إيران لن تتمكن من الوصول إلى أي موارد مالية كبيرة ما لم تلتزم ببنود الاتفاق وتُحسن التصرف.

واقع أمني جديد

وأثار الحديث عن مساهمة خليجية محتملة في تمويل الاقتصاد الإيراني أو إعادة إعماره ردود فعل رافضة في الأوساط الخليجية.

وفي هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر علي الهيل إن دول الخليج ترفض دفع أي أموال لإيران، مقدرا أن دول المنطقة نفسها تعرضت لأضرار مباشرة نتيجة الحرب والهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية.

وأضاف لـ"صحيفة الاستقلال" أن من يجب أن يتحمل فاتورة الحرب هم الأطراف التي أسهمت في إشعالها، مؤكداً أن دول الخليج بحاجة إلى رسائل طمأنة حقيقية من إيران تضمن عدم تكرار استهداف أراضيها أو مصالحها مستقبلاً.

ويرى الهيل أن فرض أي أعباء مالية على الدول الخليجية في إطار تسويات ما بعد الحرب سيكون أمراً مرفوضاً سياسياً وشعبياً.

وفي قراءته لانعكاسات الاتفاق على دول الخليج، يرى الكاتب زيد بن علي الفضيل أن دول الخليج رحّبت بالاتفاق لأنها تدرك حجم الخسائر الاقتصادية والأمنية التي سببتها الحرب، لكنها في الوقت نفسه تخشى من إمكانية إفشاله وعودة التصعيد العسكري من جديد.

ويشير خلال مقال نشرته مجلة "المجلة" في 18 يونيو، إلى أن الاتفاق قد يسهم في استعادة الاستقرار للممرات البحرية، وإعادة جذب الاستثمارات الأجنبية، وتخفيف الضغوط الاقتصادية التي تعرضت لها بعض الدول الخليجية خلال الأشهر الماضية.

لكن الأهم من ذلك، بحسب الفضيل، أن الحرب دفعت دول الخليج إلى إعادة التفكير في منظومتها الأمنية والسياسية بشكل أعمق.

ووفق خبراء، فقد عززت الحرب القناعة بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة للتفاهمات الأميركية الإيرانية وحدها، وأن دول الخليج بحاجة إلى تنويع شراكاتها الدفاعية والإستراتيجية، وتطوير صناعاتها العسكرية المحلية، والانفتاح بصورة أكبر على قوى دولية وإقليمية أخرى مثل الصين وتركيا والهند وباكستان، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الشراكة التقليدية مع الولايات المتحدة.

وأظهرت الحرب الأخيرة أيضاً حدود الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأميركية؛ إذ وجدت دول الخليج نفسها في قلب الصراع رغم محاولاتها تجنب الانخراط المباشر فيه، حسب مراقبين، لذلك، تعززت القناعة لدى العديد من صناع القرار الخليجيين بضرورة الجمع بين استمرار التعاون العسكري مع واشنطن وبين بناء منظومات دفاع ذاتية أكثر استقلالاً، وتطوير شبكات تفاهم مباشرة مع القوى الإقليمية، بما فيها إيران نفسها.

وفي هذا السياق، رأى مركز "صدارة" للمعلومات أن الاتفاق خفض بصورة حاسمة خطر التعرض لهجمات فورية، لكنه لم ينه مصادر التهديد بشكل دائم، لأن ملفات البرنامج النووي والصواريخ والعقوبات والنفوذ الإقليمي لم تُحسم بعد، بل أُحيلت إلى جولات تفاوض جديدة.

ووصف المركز المرحلة الحالية بأنها أقرب إلى "هدنة مسلحة" قابلة للانهيار إذا تعثرت المفاوضات أو عادت الخلافات الجوهرية بين واشنطن وطهران إلى الواجهة.

كما توقع المركز أن تشهد المرحلة المقبلة محادثات إيرانية خليجية ثنائية مع عدد من دول المجلس بهدف ترسيخ التفاهمات التي تشكلت خلال الحرب وتجنب تكرار الهجمات مستقبلاً.

وفي المحصلة، لا تنظر العواصم الخليجية إلى الاتفاق الأميركي الإيراني بصفته نهاية للصراع بقدر ما تعده فرصة لخفض التوتر ومنع الانفجار العسكري.

فبينما نجحت مذكرة التفاهم في وقف الحرب وإعادة فتح باب التفاوض، ما زالت القضايا الأكثر حساسية بالنسبة لدول الخليج، من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة إلى النفوذ الإقليمي الإيراني وأمن الممرات البحرية، معلقة بانتظار ما ستسفر عنه جولات التفاوض المقبلة.

ولذلك، فإن الترحيب الخليجي بالاتفاق لا يخفي حقيقة أن دول المنطقة ما زالت تتعامل مع المرحلة بصفتها اختباراً مفتوحاً لسلوك إيران ولمدى استعداد الولايات المتحدة لأخذ الهواجس الخليجية في الحسبان عند أي تسوية نهائية قادمة.