من التبعية إلى الريادة.. هكذا صنعت “بايكار” ثورة تركيا الدفاعية

“بَايكار تسيطر على ما يقارب 60 بالمئة من سوق الطائرات المسيّرة عالميا”
شهدت تركيا خلال العقدين الأخيرين تحولا لافتا في قطاع الصناعات الدفاعية، انتقلت معه من الاعتماد على الخارج إلى تطوير قدرات تكنولوجية محلية، لتبرز شركة "بايكار" بوصفها أحد أبرز رموز الاستقلال الإستراتيجي والطموح التركي لبناء مستقبل قائم على التكنولوجيا الوطنية.
ونشرت صحيفة "ستار" التركية مقالا للكاتب محمد بويراز، تحدّث فيه عما شهدته تركيا من تحولات عميقة في عدد من القطاعات الحيوية، شملت؛ الطاقة والبنية التحتية والصحة والنقل، وكان التحول الأكثر لفتا للانتباه بلا شك هو قطاع الصناعات الدفاعية.
وقال الكاتب: "في قلب هذا التحول برزت شركة بايكار، فهي تعد أحد أهم النماذج التي تعكس انتقال تركيا من دولة تعتمد على الخارج في التكنولوجيا العسكرية إلى دولة منتجة ومصدّرة للتكنولوجيا المتقدمة”.
وأضاف أن “قصة بايكار لم تعد مجرد قصة نجاح شركة خاصة بدأت كشركة عائلية ثم توسعت عالميا، بل أصبحت تمثل حالة إستراتيجية، ترتبط مباشرة بمستقبل تركيا السياسي والاقتصادي والتكنولوجي”.

تغير جذري
وأكد بويراز أن “القيمة التي أنتجتها الشركة تتجاوز بكثير مسألة تصنيع الطائرات المسيّرة أو تحقيق الأرباح التجارية، لتصل إلى إعادة تشكيل مفهوم الاستقلال الوطني التركي نفسه”.
واستطرد: “لطالما سعت تركيا إلى بناء صناعة دفاعية وطنية مستقلة، وهي محاولة ليست جديدة في تاريخ الجمهورية التركية”.
ففي بدايات القرن العشرين ظهرت شخصيات رائدة مثل "نوري دميراغ" و"وجيهي هوركوش" و"نوري كيليغيل"، الذين حاولوا تأسيس صناعة طيران محلية، لكن نتيجة التعقيدات السياسية والبيروقراطية لم تستمرّ هذه المشاريع.
وبسبب هذا الفشل التاريخي، بقيت تركيا لعقود تعتمد على الخارج في تلبية احتياجاتها العسكرية، ومع بداية الألفية الجديدة تجاوزت نسبة الاعتماد الخارجي في الصناعات الدفاعية حاجز الـ80 بالمئة.
وكانت أنقرة مضطرة إلى شراء أنظمة عسكرية حساسة؛ مثل طائرات "بريداتور" الأميركية أو طائرات "هيرون" الإسرائيلية، وهي صفقات كثيرا ما تعطلت نتيجة الخلافات السياسية والضغوط الدبلوماسية.
في هذا السياق، شكّل صعود "بايكار" نقطة تحول حاسمة، فقد استطاعت الشركة تطوير أنظمة وطنية مثل "بيرقدار تي بي 2" و"أقينجي" و"قزل إلما"، وهي منصات تكنولوجية متقدمة لم تعد تلبي فقط احتياجات الجيش التركي، بل أصبحت تنافس عالميا.
وبفضل هذا التحول انخفضت نسبة الاعتماد الدفاعي التركي على الخارج إلى قرابة 20 بالمئة فقط.
ولفت الكاتب النظر إلى أن أحد أهم المؤشرات على صعود بايكار، هو تحول تركيا من دولة كانت تبحث عن شراء الطائرات بدون طيار من الخارج، إلى دولة تقود السوق العالمي في هذا القطاع.
واليوم تصدر بايكار منتجاتها إلى 37 دولة، وتسيطر على ما يقارب 60 بالمئة من سوق الطائرات المسيّرة عالميا، وهو ما يجعلها أكبر شركة متخصصة في هذا المجال على مستوى العالم.
هذا التحول ليس اقتصاديا فحسب، بل يعكس تغيرا جذريا في مكانة تركيا داخل النظام الدولي؛ فالدول التي كانت تملك احتكار التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، أصبحت حاليا تتعامل مع تركيا بوصفها منتجا منافسا لا مجرد زبون.
أثر اقتصادي
وقال بويراز: إن السياسة الخارجية التركية، قبل ظهور الصناعات الدفاعية المحلية، كانت مقيدة إلى حد كبير بحاجتها المستمرة إلى السلاح والتكنولوجيا الغربية. فالاعتماد العسكري كان يعني عمليا وجود قيود سياسية على قدرة أنقرة في اتخاذ قرارات مستقلة.
لكن مع صعود شركات مثل بايكار، اكتسبت تركيا هامشا أوسع من الاستقلال الإستراتيجي، فلم تعد بحاجة دائمة لانتظار موافقة الولايات المتحدة أو الدول الغربية للحصول على أنظمة عسكرية حساسة، وهو ما منح صانع القرار التركي حرية أكبر في ملفات إقليمية معقدة.
كما أسهم انتشار منتجات بايكار في دول مثل؛ أذربيجان، والإمارات، وأوكرانيا، وإثيوبيا، وقطر، وبولندا، وقرغيزستان، ومالي، في توسيع النفوذ الدبلوماسي التركي. فالعلاقات الدفاعية لم تعد مجرد صفقات بيع سلاح، بل أصبحت أدوات لبناء شراكات إستراتيجية طويلة المدى، تعزز الحضور التركي في مناطق متعددة حول العالم.
وأردف الكاتب أن سمعة الدول في العالم المعاصر لم تَعُد تُبنى فقط من خلال السياسة أو الاقتصاد، بل أصبحت العلامات التجارية الكبرى جزءا من الصورة الذهنية العالمية للدول.
فكما ترتبط صورة كوريا الجنوبية بِشركات مثل "سامسونغ"، وصورة ألمانيا بشركات مثل "مرسيدس بنز"، بدأت بايكار تتحول تدريجيا إلى رمز يعكس القدرات الهندسية والتكنولوجية التركية أمام العالم.
وهذا يمنح تركيا عنصرا جديدا من عناصر القوة الناعمة، حيث لم تعد تُعرف فقط بموقعها الجغرافي أو قوتها العسكرية التقليدية، بل أيضا بقدرتها على إنتاج التكنولوجيا المتقدمة وتصديرها عالميا.
وأشار الكاتب إلى أن “الأثر الاقتصادي لبايكار لا يقتصر على الأرباح المباشرة فحسب”.
وأوضح أن “الشركة توظف اليوم أكثر من سبعة آلاف شخص بشكل مباشر، وتخلق حولها شبكة واسعة من الشركات المحلية المزودة للتكنولوجيا والمكونات الصناعية، وهذا يعني أن تأثيرها يمتد إلى بناء نظام إنتاج وطني كامل في قطاع التكنولوجيا المتقدمة”.
وبحسب بيانات مجلس المصدرين الأتراك، حققت الشركة صادرات بلغت 1.5 مليار دولار خلال عام 2024، وهو ما جعلها ضمن أكبر الشركات التركية المصدرة، ثم في عام 2025 ارتفعت صادراتها إلى 2.2 مليار دولار.
إضافة إلى ذلك، ساعد الإنتاج المحلي في تقليل الحاجة إلى استيراد أنظمة دفاعية مكلفة، الأمر الذي انعكس إيجابا على ميزان التجارة الخارجية التركي.
وأضاف الكاتب أن البيانات المالية تكشف عن حجم التأثير الاقتصادي الكبير للشركة، فقد تصدر كل من "سلجوق بيرقدار"، رئيس مجلس إدارة الشركة، و"هالوك بيرقدار"، المدير التنفيذي، قائمة أكبر الدافعين لضريبة الدخل في تركيا خلال عام 2024.
ووفقا لبيانات هيئة الإيرادات التركية، بلغ إجمالي الضرائب المعلنة من الطرفين نحو 5.3 مليارات ليرة تركية (قرابة 115 مليون دولار)، وهو رقم يعكس حجم القيمة الاقتصادية التي أصبحت الشركة تنتجها داخل الاقتصاد الوطني.

حفاظ على الكفاءات
وقال الكاتب: إن "أحد أهم إنجازات بايكار ربما يكمن في بعدها الاجتماعي والتكنولوجي الداخلي".
وأضاف أنه “لمدّة طويلة ساد اعتقاد داخل المجتمع التركي بأن الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة حكر على الدول الكبرى، وأن المهندسين الأتراك لا يملكون البيئة المناسبة لتحقيق مشاريع عالمية داخل البلاد”.
واستدرك: “لكن نجاح بايكار كسر هذا التصور بالكامل؛ فالشركة تعتمد بشكل شبه كامل على كوادر تركية من مهندسين وفنيين ومديرين، كما أن معظم عمليات التطوير والإنتاج تتم داخل تركيا باستخدام موارد محلية”.
ولفت بويراز إلى أن “الشركة قد تحولت إلى مركز جذب للكفاءات الشابة، ما شجّع العديد من المهندسين الأتراك على بناء مستقبلهم المهني داخل البلاد بدل الهجرة إلى الخارج”.
وفي بعض القطاعات بدأت تظهر ظاهرة معاكسة لما يسمى "هجرة العقول"؛ حيث عاد بعض المختصين للعمل داخل تركيا بعد سنوات من العمل الخارجي.
وبهذا، يمكن القول: إن بايكار أصبحت اليوم أكثر من مجرد شركة صناعات دفاعية، فقد تحولت إلى نموذج يختصر التحول التركي في العقود الأخيرة؛ من التبعية إلى الاستقلال، ومن الاستيراد إلى الإنتاج، ومن استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها.
وقال بويراز: “بعيدا عن الجدل السياسي والانقسامات الأيديولوجية، تمثل بايكار أحد أهم الإنجازات المشتركة التي تعكس طموح تركيا لبناء مستقبل يقوم على التكنولوجيا الوطنية والاستقلال الإستراتيجي”.
وختم مقاله بالتأكيد: “لهذا فإن نجاح بايكار لا يتعلق بالحاضر فقط، بل يشكل جزءا أساسيا من الرهان التركي على مكانته المستقبلية في النظام الدولي”.















